متى تفلت المجتمعات من ثقبها الأسود؟

2308
عدد القراءات

2018-07-10

يقول الفيزيائيون إنّ الثقب الأسود هو حيز في الفضاء قادر على ابتلاع كل شيء من كواكب ونجوم فتختفي داخله، وهو في أصله نجم غلبت فيه قوة الجذب الهائلة إلى الداخل على قوة النبذ، فتحول إلى هذا الكيان الذي يعجز حتى الضوء نفسه عن الإفلات منه لذلك سمِّي بهذا الاسم.

دعونا نغرد خارج سرب الفيزيائيين؛ ونستعير من هؤلاء العلماء هذا المثير للدهشة، لنجعله عنواناً مجازياً أو رمزياً نصل من خلاله إلى بعض الحقائق في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية المعيشة كل يوم؛ بل كل لحظة من اليوم.

ما هو الثقب الأسود في المجتمعات، الذي يستقطب أجرام الحياة اليومية، ويبتلعها، فتختفي فيه وتتماهى به؟

لطالما صنع الإنسان تماثيل للآلهة وأنسن الأشجار وأضفى عليها قيماً روحية تتجاوز قيمها المادية الملموسة

إن علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالعالم المادي؛ هي علاقة مفاهيم وأفكار وعقائد، وقيم اجتماعية تفضي إلى قيم إنسانية بناءة، تنهض بالمجتمعات إلى مستوى الحداثة والازدهار.

فمنذ أن تكوّن المجتمع البشري؛ وقبل ظهور الأديان، كان للمقدّس حضور كبير في لبّ الحضارات الإنسانية، وكانت تدعم ذاك المقدس الأساطير المبتكرة من الخيال الإنساني والمبدعة إذا صحّ التعبير، فأخذ الإنسان يضفي على المقدّس من الأشياء صفاته الإنسانية، فصنع تماثيل للآلهة، وأنسن الأشجار وأضفى عليها قيماً روحية تتجاوز قيمها المادية الملموسة، وذلك لتقديسها وتأليهها.

تعود أسباب التقديس أو التأليه في ذاك الزمن إلى الخوف من اعتباط الطبيعة وعشوائيتها، وعدم معرفة أسباب الظواهر الطبيعية، ثم أتت الأديان لتكرّس صفة المقدس في ذهنية الإنسان الفردية والجماعية، فصار يذوب بالعشق الإلهي حتى يراوده الشعور بالعدم أمام المقدس: "... ها أنا ذا قد طفقت أتكلم أمام سيدي وأنا تراب ورماد" (التكوين 18-19).

تعود أسباب التقديس أو التأليه قديماً إلى الخوف من اعتباط الطبيعة وعشوائيتها وعدم معرفة نواميسها

هذا الشعور منشؤه الخوف من المجهول، الذي يلفّه الغموض والإبهام، فمع الحركة المتواصلة للزمن والخروج من عالم المثولوجيا اهتدى الإنسان بأنوار العقل والمنطق والثورات العلمية التي أدخلت على المجتمعات ذهنية جديدة جعلت الإنسان يسبح في عالم الفكر والبحث والاستقراء، ويحكم على الأشياء بالعقل والمنطق.

إلاّ أنّ بعض المجتمعات لا تزال تسير القهقرى، في مسار ارتجاعي نحو الماضي، ولا تزال تحت تأثير الأسطورة إلى الوقت الراهن حتى أنّها أخذت تضفي صورة المقدّس على الإنسان، كتأليه الحاكم وتقديسه، وتخليده، واجترار الماضي وإسقاطه على الحاضر وعدم التفكير العقلي والعملي في المستقبل، فكل ما هو موروث مقدس وغير قابل للنقد أو التجديد، وكل ذي سلطة هو إله أو مؤلَّه، حتى لو بلغ أقصى درجات الاستبداد والاستغلال.

هل الخوف من الأقوى لا يزال يبني أعشاشه في ذاكرة الشعوب الجمعية إلى الوقت الراهن، وهل يصعب على تلك الشعوب هدم الأسطورة ونقد المقدّس عن طريق العقل والفكر المتجدد، وهل وجود المقدس أكثر أهمية من الوجود الإنساني؟

بعض المجتمعات تسير القهقرى في مسار ارتجاعي نحو الماضي وماتزال تحت تأثير الأسطورة إلى الوقت الراهن

إنّ المفاهيم الكامنة في اللاوعي الجماعي لدى جميع الشعوب، تستند إلى نموذج أصلي وأسطورة وشعيرة، حسب تصنيف مؤرِّخ الأديان مارسيا إلياد، كأساطير الخلق الأول المتداولة لدى مختلف الجماعات والشعوب، وقد كان ابتكار هذه النماذج دليلاً على عظمة التفكير وخصب الخيال وقدرتهما على نسج الحكايات وتجسيدها وعجنها بالمقدس أو المدنس.

وقد آلت هذه الحال بالشعوب، التي لا تزال تحت تأثير تقديس المكان والزمان وتقديس الطغاة، إلى نوع من الحروب والنزاعات المستمرة بين الطوائف والملل؛ أي بين الإنسان والإنسان، فلم تكن خبرة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بالعرب قليلة حين قطع الشجرة التي عقدت تحتها بيعة الرضوان، خشية أن تصبح مكاناً مقدساً لديهم.

الأديان التي احتفت بالروح وأنكرت الجسد كرّست نظماً اجتماعية كان يجب أن تتآكل مع سيرورة الزمن

هذه البُنى الذهنية التي وصلت بين السماء والأرض، لم تكن فقط حالة خيالية أو مثالية، إنما هي قوة باطنية جمعت بين المتناقضات الكونية؛ فالطقوس الممارَسة منذ أقدم العصور من أجل المقدّس تنطمس ضمنها معالم الإنسانية، فتتطابق تبعاً لتكرارها مع النموذج الأصلي والأسطورة والشعّيرة.

لكن مارسيا إلياد يختلف مع هذه الطقوس ويجعل منها تجديداً لكل المفاهيم السابقة، ليكون كلّ من الفرد والجماعة محور الكون، في حيّز التناقض الذي تنتفي فيه عوامل التنافر والتناحر بين الثنائيات المتناقضة، وحيث يكون التواصل بين جميع مستويات الكون ممكناً، ما طمح إليه إلياد هو أن يكون الإنسان إنساناً متكاملاً روحاً وجسداً، لكن الأديان التي احتفت بالروح وأنكرت الجسد، لا بل قدّست الروح ودنّست الجسد، كرّست نظماً اجتماعية كان يجب أن تتآكل مع سيرورة الزمن.

النظم التي ترفض التجديد والابتكار أصبحت ثقباً أسود يستقطب المتماهين بالماضي والمستمتعين باجترار التخلف والاستبداد

تلك النظم لا تقبل التجديد والابتكار، والتي أصبحت ثقباً أسود يستقطب المتماهين بالماضي والمستمتعين باجترار التخلف والاستبداد؛ فالخوف من الحاكم جعله إلهاً لا يجب المساس بقدسيته، والخوف من الغائب جعل القتل مشرعاً في الدفاع عن قدسيته، فنقص المعرفة والعودة إلى الماضي ساهمت في التباس المفاهيم ومدلولاتها في العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم كما ساهمت في تقديس الأفكار والمعتقدات السياسية كالقومية، والاشتراكية والشيوعية وغيرها.

إلى متى سيبقى الماضي يملأ الوجود الإنساني، وكيف ستنتهي الحال بأمم انتهكت جميع الحقوق الإنسانية دفاعاً عن المقدس؟!

اقرأ أيضاً: كارولين إيميكي: الكراهية تطورت وأصبحنا فخورين بالقسوة!

اقرأ المزيد...

الوسوم: