ما المقصود بـ"أمننة" مواجهة كورونا.. وهل تدرك المجتمعات عواقبها؟

ما المقصود بـ"أمننة" مواجهة كورونا.. وهل تدرك المجتمعات عواقبها؟

مشاهدة

23/06/2020

مع استمرار انتشار وباء فيروس كورونا عالميّاً، واجهت معظم دول العالم تحدّيات وخيارات مماثلة في كيفيّة الاستجابة، تمثلت في ثلاثة سيناريوهات أساسيّة هي: الاستسلام والموت، أو النضال والعيش، أو منح الأولويّة للاقتصاد بدلاً من الصحّة العامّة.

اقرأ أيضاً: كيف ستغدو المجتمعات بعد كورونا؟

وتبرز هذه الخيارات الصعبة في كلّ دولة، وترتبط الآن نتائج كلٍّ منها أكثر من أيّ وقت مضى بالنظام المُعَولَم الذي برزت إحدى أهمّ تجلياته المعاصرة بلجوء معظم دول العالم إلى أشكال متعدّدة من "الأمنّنة" (Securitization) في مواجهة فيروس كورونا. فما المقصود بالأمننة؟ وما حدود تطبيقها عالميّاً في مواجهة خطر فيروس كورونا؟

المقصود بالأمننة

الأمننةُ هي المرادف أو الترجمة الحرفيّة الأقرب للكلمة الإنجليزيّة (Securitization)، وبالتالي فإنّ كافة المفاهيم العربيّة المشتقة من هذه الكلمة لا تخرج عن قيود اشتقاقات الجذر العربي لكلمة (أمن)، وهي في النهاية -برأيي- تعني تحويل قضيّة ما إلى قضيّة أمنيّة عبر سلسلة طويلة ومعقّدة من العمليّات وألعاب العقل ولغة الخطاب، كما سأوضح لاحقاً.

 

الأمننةُ تعني بالأساس العمليّة التي تحوّل بها الأطراف الفاعلة المواضيع إلى مسائل "أمنيّة"

فالأمننةُ تعني بالأساس العمليّة التي تحوّل بها الأطراف الفاعلة المواضيع إلى مسائل "أمنيّة". ومن هنا يمكن اعتبارها نسخة متطرّفة من عمليّة "التسييس" للقضايا العامّة، بحيث تمكّن من استخدام وسائل استثنائيّة باسم الأمن؛ فالقضايا التي تخضع للأمننة لا تمثل بالضرورة قضايا أساسيّة مصيريّة لبقاء الدولة على قيد الحياة، بل تمثل قضايا نجح فيها شخص ما/ أو طرف في تحويل قضيّة إلى مشكلة مصيريّة وجوديّة.

ولذلك أرى أنّ الأمننة ممارسة تحكمها قواعد متعدّدة ومعقّدة، ونجاحها لا يتوقف بالضرورة على وجود تهديد حقيقي، (أي جائحة فيروس كورونا)، بل على القدرة الاستدلاليّة على منح القدرة بشكل فعّال لمثل هذا النوع المحدّد من التهديدات وتحويلها إلى قضايا مصيريّة.

 

القضايا التي تخضع للأمننة لا تمثل بالضرورة قضايا أساسيّة مصيريّة لبقاء الدولة

أمّا في الإطار العام لنظريّة الأمننة (Securitization Theory) عند "مدرسة كوبنهاغن" لنظريّة العلاقات الدوليّة، التي صاغت أسس هذه النظريّة بحسب أهمّ منظّريها الدانماركي/   أولي ويفر (Ole Waever) أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة كوبنهاغن–الدانمارك، والبريطاني/ باري بوزان (Barry Buzan) أستاذ العلاقات في جامعة لندن للاقتصاد، فهي "العمليّة التي تعيد فيها الأطراف الفاعلة السياسيّة تصنيف موضوعٍ ما كمسألة أمنيّة، ثمّ تستخدم فعل الكلام -الخطاب- لإقناع الناس بأهميّة المسألة والحاجة إلى تكريس موارد غير متماثلة لها"؛ وإذا نجحت عمليّة أمننة موضوعٍ ما، يصبح من الممكن تشريع وسائل غير عاديّة من أجل حلّ إحدى المشاكل التي يجري لحظها. وقد تشمل هذه العمليّة بالتالي إعلان حالة الطوارئ أو القانون العرفي، بالإضافة إلى حشد القوّات العسكريّة.

اقرأ أيضاً: "كورونا": كل جائحة وأنتم بخير

ولذلك، شدد "أولي ويفر" على أهميّة لغة الخطاب السياسي، مؤكّداً أنّ الأمن هو "خطاب له عواقب واضحة في سياق السياسة الدوليّة"؛ فمن خلال الاستفادة من فعل الخطاب السياسي تقوم الدولة كطرف فاعل بنقل موضوع ما (مثل أزمة فايروس كورونا) بعيداً عن السياسة إلى  مجال الاهتمامات الأمنيّة، وبالتالي إضفاء الشرعيّة على وسائل غير عاديّة ضدّ تهديدات هي في الأصل اجتماعيّة.

 

قضيّة أمننة فيروس كورونا ليست جديدة على مستوى الممارسة العالميّة

وفي إطار تحليل الأمننة، يجب على المرء أن يتساءل أوّلاً: من الذي يؤمنن؟ أي ما الجهة التي تقوم بفعل الأمننة؟ ثمّ، ما الإطار المرجعي لفعل الأمننة (أي الدولة، والناس، والبيئة، والحضارة)؟ وبعد ذلك، ما هو التهديد؟ ثمّ إنّ الإطار البنيوي الاجتماعي لتحليل الأمننة يستند أيضاً إلى فكرة وجود فضاء موضوعي متداخل بين الشخصيّات.

وهكذا، فإنّ كيفيّة فهم الجماهير لأفعال خطاب الأمننة وإعطاء موافقتها لها لا تقلّ أهميّة عن "مَنْ" الذي يتحدّث عن الأمن؛ ويتمّ التفاوض على عمليّة أو فعل الأمننة بين طرفين: "المؤمْنن، أي الطرف المنفذ  والقائم بعمليّة الأمننة"، و"الجمهور" المتلقي لعمليّة الأمننة.

إنّ مجموعة متنوّعة من المسائل، مثل الإرهاب أو الهجرة أو اللاجئين، والتلوث البيئي... إلخ،  ستحظى بقدرٍ غير متناسب من الاهتمام والموارد عندما تجري أمننتها مقارنةً بالمواضيع التي لم تجرِ أمننتها، حتّى عندما قد تسبّب هذه المواضيع الأخرى بضررٍ أكبر.

ولا تتّضح هذه المسائل بذاتها ببساطة؛ فلا بدّ أن تقوم الأطراف الفاعلة المنفِّذة للأمننة بالتعبير صراحة عن كونها مشاكل. فعلى سبيل المثال، إنّ الخطاب السياسي الذي يحدّد الإرهاب على أنّه "تهديد للأمن القومي" يحوّل الإرهاب من هاجس سياسي له أولويّة منخفضة إلى مسألة ذات أولويّة عالية تقتضي التحرّك، مثلاً عبر تأمين الحدود والتوسّع بعمليّات المراقبة والمتابعة للجماعات الإرهابيّة والقيام باعتقالات احترازيّة للمشتبه بهم من الإرهابيين.

مخاطر الأمننة 

بداية، لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ قضيّة أمننة فيروس كورونا ليست جديدة على مستوى الممارسة العالميّة. ذلك أنّه على مدى العقود الماضية، تمّ الادّعاء بأنّ أمننة الصحّة كانت من الملامح البارزة لإدارة الصحّة العالميّة في القرن الحادي والعشرين.

 

التهديد الذي تشكّله الأمراض المعدية قد تمّ تأطيره بشكل متزايد كقضيّة أمنيّة

ويجدر التأكيد على أنّ التهديد الذي تشكّله الأمراض المعدية قد تمّ تأطيره بشكل متزايد كقضيّة أمنيّة، وقد دلّت على ذلك عمليّة الأمننة التي وضعها مجلس الأمن الدولي في قراره 1308، حينما حدّد فيروس نقص المناعة البشريّة/ الإيدز بوصفه تهديداً للأمن الدولي، في الوقت نفسه تميل منظّمة الصحّة العالميّة إلى أمننة الأمراض المعدية منذ العام 2000.

وأنا أرى أنّ عمليّة الأمننة الحاليّة لفيروس كورنا مرتبطة بالصورة الأعمّ، وهي صورة العالم بدوله ومنظّماته وأنظمته المختلفة، الذي يصارع ويعيش في ظلّ العولمة، وهذا يعني أنّ هناك أمننة عالميّة أو أمننة معولمة أكثر من كونها "أمننة كليّة "Macro securitization، وهذا النوع من الأمننة ينمو في رحم العولمة.

وفي عالم يزداد عولمة، فإنّ التحدّيات الصحيّة (مثل فايروس كورونا) لم تعد تتحمّل أن يحلّها القطاع الصحّي وحده. ففيروس كورونا يظهر أنّ العدوى لديها قدرة على تخطّي الحدود الوطنيّة وتغيير الحياة بشكل أسرع من أيّ خطر آخر عرفه الجنس البشري حتى الآن.

لكنّ عمليّة "الأمننة الكليّة" هذه، رغم ما توحي به من راحة للأطراف الفاعلة العالميّة من حيث إنّ أمننة فيروس كورونا هي إجراء معولم ولم يستثنَ منه أيّ دولة، تواجه بخطرٍ شديدٍ يُعرف بمعضلة الأمننة (The securitization dilemma) التي تهدّد بنسف عمليّة الأمننة من أساسها على المدى الطويل.

وتصف "معضلة الأمننة" الحالة التي يؤثر فيها أمننة قضيّة ما في قطاع ما تأثيراً سلبيّاً على قطاع آخر، وهذا يخلق معضلة بالنسبة إلى الطرف المؤمنن (الذي يُشرّع ويُنفذ العمليّة) حول ما إذا كان ينبغي لهم أمننة القضيّة أم لا؟ بمعنى: هل يؤمنن أزمة فيروس كورونا؛ وبالتالي القطاع الصّحي على حساب القطاع الاقتصادي؟

 

ماتزال الرعاية الصحيّة تُعامل على أنّها مجرّد قضيّة "لينة" في إطار السياسة الدوليّة والمحليّة

  ومعلوم على نطاق واسع أنّ الرعاية الصحيّة منذ فترة طويلة تعامل على أنّها أولويّة سياسيّة أقلّ أهميّة. على الرغم من الكوارث الصحيّة العالميّة السابقة، ما تزال الرعاية الصحيّة تُعامل على أنّها مجرّد قضيّة "لينة" في إطار السياسة الدوليّة والمحليّة على حدٍّ سواء، فالعلاقات الدوليّة ما فتئت تُحدّد منذ زمن طويل بمتغيرات رقميّة، حيث ترتبط المصالح الوطنيّة بالقيم الاقتصاديّة وتعزّز باتفاقات متعدّدة الأطراف لحماية مصلحة اقتصاديّة. وكثيراً ما أعطى هذا المنظور المقيّد الأولويّة للقضايا التي اعتبرها كبيرة بما فيه الكفاية على القضايا التي يعتبرها ثانويّة. (الصحّة مقابل الاقتصاد).

الجانب الآخر لمعضلة الأمننة هو أنّها تهدّد ـ على المدى الطويل - بخطر إعاقة التنمية البشريّة والتحوّلات الديمقراطيّة وتطوّر المؤسّسات السياسيّة والبرلمانيّة ومؤسّسات المجتمع المدني، خاصّةً حين تُمدَّد قوانين الطوارئ.

وعلى المدى المتوسّط، قد يؤدّي الشعور بتراجع الحرّيّات إلى بروز تحدّيات مجتمعيّة جدّيّة، مثل ارتفاع معدّلات الجرائم والسلب والسرقة وانتشار تعاطي المخدِّرات وازدياد الإصابة بالأمراض الاجتماعيّة والعقليّة وربّما الانتحار. وتُعتبر هذه المخاطر تحدّياً يواجه كافة أصناف الدول والأنظمة، لكنّه أشدّ خطورة في الدول غير الديمقراطيّة.

ففي الدول غير الديمقراطيّة والنامية يمكن أن يتحوّل الاضطراب الاجتماعي في وسط الأزمة إلى حلقة مفرغة من الأزمات والتحدّيات المصيريّة فعلاً، ويزيد الاضطراب المحلّي على الأرجح عبء مختلف الأجهزة الأمنيّة، فيجعلها أكثر عرضة للتهديدات المتأتية من مختلف المجموعات الإجراميّة والإرهابيّة المختلفة التي عبّرت علناً عن سعيها لاستغلال الوباء لشن هجمات في كلّ مكان.

الصفحة الرئيسية