ماذا يعني تدمير المنظومة الدفاعية التركية بقاعدة الوطية؟

ماذا يعني تدمير المنظومة الدفاعية التركية بقاعدة الوطية؟

مشاهدة

08/07/2020

قام طيران الجيش الوطني الليبي مساء السبت، الرابع من تموز (يوليو) 2020، بتنفيذ 9 ضربات جوية دقيقة على منظومات الدفاع الجوي التركية التي تم تركيبها مؤخراً في قاعدة الوطية من طراز "هوك"، ما أسفر عن تدميرها، وكذلك تدمير 3 رادارات بالكامل، في ضربة استباقية لإضعاف القدرات العسكرية للقوات التركية في ليبيا.

وتُعدّ هذه الضربات الجوية هي الأولى من نوعها للجيش الليبي بعد الإعلان عن توقيع اتفاق عسكري جديد بين أنقرة وحكومة الوفاق، يتيح إنشاء قوة عسكرية تركية في ليبيا، وكذلك تأسيس قاعدة تركية، كما توفر الاتفاقية الجديدة حصانة للقوات التركية في ليبيا ضدّ أي ملاحقة قضائية، وتمنح الضباط الأتراك المتورطين في معارك هناك صفة دبلوماسية لضمان حصانتهم، حسب مصادر لقناة العربية.

سعت قوات حكومة الوفاق بمساندة عسكرية تركية تعزيز قدراتها العسكرية للحفاظ على القاعدة

الجدير بالذكر أنّ هذا الاتفاق رفضه البرلمان الليبي واعتبره الجيش مسّاً بالسيادة الليبية، وتوعّد أنقرة بمواجهة عسكرية، وبالفعل نفّذ هجوماً جوياً على قاعدة الوطية، قبل أن تنتهِ زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار ورئيس أركانه للعاصمة طرابلس.

سبّب هذا الهجوم صدمة لحكومة الوفاق المدعومة من تركيا، وكذلك للقيادة العسكرية والسياسية التركية، أدّت إلى حرب تصريحات ومواقف سياسية تفتقد الحنكة السياسية! فحسب وكالة دويتشه فليه (DW أعلن وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوفاق العقيد صلاح النمروش أنّ طيراناً أجنبياً هاجم تجهيزات في قاعدة الوطية، وسارع وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو إلى اتهام فرنسا ودول أوروبية بإمداد المشير خليفة حفتر بالسلاح، مطالباً باريس بالاعتذار لأنقرة، حسب موقع "روسيا اليوم".

وزعم عبد المالك المدني المتحدث باسم الإعلام الحربي التابع لما يُسمّى عملية "بركان الغضب" التي أطلقتها حكومة الوفاق بدعم من أنقرة، أنّ الطائرات الأجنبية التي أغارت على الوطية ودمّرت الدفاعات الجوية التركية تملكها الإمارات، وهي من نوع ميراج "2000 - 9" حسب صحيفة "أحوال تركية"، ونقلت وكالة أنباء الأناضول عن مصادر عسكرية تركية أنّ طيراناً مجهولاً قام بضربات على قاعدة الوطية، وتمكّن من تدمير منظومة الدفاعات التركية فيها.

من جانبه، أعلن الجيش الوطني الليبي قيامه بالضربات الجوية حسب تصريح للعميد خالد المحجوب مدير إدارة التوجيه المعنوي لـ"سكاي نيوز عربية"، مؤكداً أنّ طيران الجيش استهدف نحو 9 مواقع تركية في قاعدة الوطية، مشيراً إلى مقتل أحد القادة العسكريين الأتراك المهمّين في الهجوم.

نفذ الجيش الوطني الليبي 9 ضربات جوية دقيقة على منظومات الدفاع الجوي التركية بقاعدة الوطية

وحول أهمية الضربات الجوية وتدمير منظومات الدفاع الجوي التركية في تلك القاعدة، قال اللواء شرف الدين سعيد العلواني الخبير العسكري الليبي قائلاً: تعود أهمية قاعدة الوطية لموقعها المتميز جنوب مدينة العجيلات في غرب ليبيا، والتي لا تبعد عن الحدود التونسية سوى 27 كيلومتراً وعن مطار طرابلس الدولي 75 كيلومتراً، وعن جنوب مدينة طرابلس 170 كيلومتراً، كما تمتدّ على مساحة 10 كيلومترات، مضيفاً لـ"حفريات" أنّ "هذا الموقع الجغرافي يتيح السيطرة الجوية على مدن الساحل الغربي والتمكّن من الإغارة جواً على طرابلس، فهي تغطي كامل الساحل الليبي من رأس أجدير إلى مصراته لمسافة من 400 إلى 500 كم، ومن الوطية إلى عمق الجنوب بما فيها قاعدتا الجفرة وبراك الشاطئ، ومن الوطية إلى ما بعد قاعدة القرضابية سرت ومهبط رأس لانوف".

وللاستفادة من موقعها الجغرافي، أكدّ العلواني أنّه لا بدّ من تحصين هذه القاعدة بدفاعات جوية متقدمة لمنع الوصول إليها، "لهذا حرصت القوات التركية المتواجدة على التراب الليبي على وضع منظومة دفاعية متقدّمة، وفي سرّية تامة، لكنّ قوات الاستطلاع الليبية تمكّنت من رصد الإنشاءات واقتراب تفعيل منظومة الدفاع، فكان القرار بضرورة ضرب هذه المنظومة لأنّها تمثل خطراً شديداً في حال اشتراكها مع قاعدة مصراتة في عمليات عسكرية مشتركة ضدّ الجنوب والشرق الليبي".

تُعدّ هذه الضربات الأولى من نوعها بعد إعلان توقيع الاتفاق العسكري الجديد بين أنقرة وحكومة الوفاق

وعن توقيت العملية عسكرياً أضاف العلواني: إنه توقيت مناسب وجريء، عدا عن كونه رسالة شديدة اللهجة وصفعة لميليشيات الوفاق وللوجود التركي المحتل، فقبل ساعات من تنفيذها كان وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، يتجوّل في ليبيا ويتفقد قواته والميليشيات التابعة لها في طرابلس ومصراتة وغيرها، مسّاً بالسيادة الليبية، فجاءت الضربة الجوية لتقول له ولغيره "نحن هنا في وطننا" ضدّ كل من تسوّل له نفسه احتلال التراب الليبي، فلا شرعية إلا للقوات المسلحة العربية الليبية وللبرلمان الليبي المنتخب.

وحول تداعيات الضربة الجوية الليبية على قاعدة الوطية قال الدكتور كامل عبد الله الباحث والمختص بالشأن الليبي في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية: "تمثل الضربة الجوية لقاعدة الوطية تصعيداً عسكرياً رافضاً للوجود التركي في ليبيا، وردّاً شديداً على تصريحات وزير الدفاع التركي المستفزة أثناء زيارته لليبيا، ومن فوق بارجة تركية قائلاً: "جئنا وسنبقى هنا إلى الأبد مع إخواننا الليبيين"، في إشارة إلى حكومة فايز السراج التي تدعمها تركيا.

وأوضح عبد الله لـ "حفريات" أنّ تركيا أقرّت في وقت سابق بوجودها في ليبيا، زاعمةً أنّ قدراتها الدفاعية والهجومية أقوى من أي قوى إقليمية، لكن "تدمير منظومة الدفاع الجوي بقاعدة الوطية أضعف قدرات قوات حكومة الوفاق من جهة واستفزّ النزعة التركية من جهة أخرى".

العلواني: جاء ضرب المنظومة التركية لأنّها تمثل خطراً شديداً حال اشتراكها بعمليات عسكرية ضدّ الجنوب والشرق الليبي

ولفت عبدالله أنّ "هذا الهجوم بالتأكيد سلط الضوء على مدى جدوى استئناف المسار السياسي وفق مخرجات مؤتمر برلين من جهة أخرى، وربما يدفع القوى الإقليمية الموجودة في ليبيا للاصطدام عسكرياً، وهو ما تتجنبه مصر وتركيا؛ فالتصعيد العسكري في تلك المنطقة الحدودية ربما استدعى التدخل الجزائري حماية لأمنها القومي، ممّا يعقد المسألة الليبية أكثر.

وأشار عبدالله إلى أنّ "الحسم العسكري له أضرار ممتدة، وأنّ المبادرة المصرية التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي تطالب بضرورة العودة إلى المفاوضات 5 + 5 وفق مخرجات مؤتمر برلين، هي أفضل خريطة طريق أمام المتصارعين في ليبيا".

والجدير بالذكر أنّ نسبة تدمير التجهيزات التي كانت في قاعدة الوطية بلغت 80 في المئة تقريباً، وأنّ الخسائر الناجمة عن الضربة شملت أفراداً ومختصين وأجهزة ومعدات، وكانت صحيفة "المرصد" الليبية قد نشرت صوراً فضائية لمنظومات الدفاع الجوي (هوك) التي ثبتتها القوات التركية في قاعدة عقبة "الوطية"، وتمّ تدميرها بسلسلة ضربات جوية استهدفتها، وفقاً لما أعلنته غرفة العمليات الجوية الليبية، وتُظهر الصور 3 منظومات ومثلها رادارات متحركة وثابتة ومنظومة "كورال" للتشويش.

كامل عبدالله: تمثل الضربة الجوية لقاعدة الوطية تصعيداً عسكرياً رافضاً للوجود التركي في ليبيا

لقد مثّل تدمير منظومة الدفاع التركية هزيمة وكسراً للقدرة العسكرية التركية التي كان يتمّ الترويج لقدرتها الفائقة، كما مثل اختيار توقيت الهجوم أثناء زيارة وزير الدفاع التركي لطرابلس حرجاً للكبرياء والكرامة العسكرية التركية، وليس من المستبعد قيام أنقرة بعمل انتقامي لردّ اعتبارها عسكرياً أمام جنودها وحلفائها ومموّليها، قبل أعدائها ومعارضيها، فمنذ توقيع مذكّرة التفاهم الأمني والعسكري بين طرابلس وأنقرة، نهاية العام الماضي، تحاول قوات حكومة الوفاق بمساندة عسكرية تركية تعزيز قدراتها العسكرية للحفاظ على القاعدة، ممّا يزيد من الشكوك حول مستقبلها بعد استهدافها.


الصفحة الرئيسية