ماذا بعد 11 سبتمبر: الصين تنظر إلى الفوضى الأمريكية من نافذة الفرص

ماذا بعد 11 سبتمبر: الصين تنظر إلى الفوضى الأمريكية من نافذة الفرص

مشاهدة

15/09/2021

ترجمة: محمد الدخاخني

عندما انتقلتُ إلى واشنطن العاصمة، عام 2002، عشنا جميعاً في ظلال الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، انتظرنا قنابل في المترو، والمزيد من مظاريف الجمرة الخبيثة، وتَتِمّةً لإرهاب الخريف السّابق، شاهدنا الطّائرات المتّجهة إلى مطار ريغان تُحلّق على ارتفاع منخفض فوق بوتوماك، وتوقّعنا دائماً أن تنحرف.

تمحور كلّ شيء في مهنتي حول الحرب على الإرهاب، وكلّ من عرفته محافظاً، ولو بأدنى درجة (وتلك فئة ضمّت العديد من الدّيمقراطيّين)، كان مستعدّاً لغزو العراق، وربما سوريا وإيران على سبيل الاحتياط.

الجميع باستثناء صديق جامعيّ واحد، إلبريدج كولبي، الّذي كان قد عُيّن حديثاً في وزارة الخارجيّة. كانت سياسته في تلك الأيّام "محافظة بشدّة" (على سبيل الاقتباس من المُصنِّف السّياسيّ ميت رومني)، لكنّه توقّع أن تنتهي إستراتيجيّة جورج دبليو بوش بكارثة، كان يحاجج ليلاً في شققنا غير المهندمة مع الصّقور، وهذا يعني معنا جميعاً، مُحيلاً إلى مفكّري السّياسة الخارجيّة الواقعيّين الذين كنّ لهم الإعجاب، ومتوقّعاً الورطة، وزعزعة الاستقرار، والهزيمة.

من جميع النّواحي تقريباً، أثبتت بقيّة حقبة ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) صحّة حججه، ليس فقط في حرب العراق، لكن أيضاً في تدخّلنا في ليبيا، الذي زرع الفوضى، ومحاولتنا الفاشلة لبناء الدّولة في أفغانستان.

ومع ذلك، بقيت نسخة من صقوريّة عهد بوش بين الجمهوريّين، باستثناء أمثال راند بول، حتّى عام 2015، كانت هذه الصّقوريّة ما تزال قويّة بما فيه الكفاية لدّرجة أن قيل إنّ كولبي قد استُبعِدَ من وظيفة مدير للسّياسة الخارجيّة لحملة جيب بوش، بسبب حماسه غير الكافي بشأن صراع محتمل مع إيران.

يمكن للإجماع أن يتغيّر ببطء، وبعد ذلك، تحت الضّغط المناسب، كلّ شيء دفعة واحدة، وبالنّسبة إلى الجمهوريّين، جاء هذا الضّغط من دونالد ترامب.

إستراتيجيّة الإنكار

بالرّغم من أنّ ترامب ليس من الحمائم أو المتمسّكين بالنّظام، فقد أعاد مرّة أخرى الاحترام للواقعيّة ومناهضة التّدخّل، مع عواقب فوريّة على صديقي، فبعد عامين من رفض حملة جيب بوش لخدماته، عمل كولبي في البنتاغون في ظلّ إدارة ترامب للمساعدة في وضع إستراتيجيّة الدّفاع الوطنيّ الخاصّة بها. والآن لديه كتاب جديد بعنوان "إستراتيجيّة الإنكار: الدّفاع الأمريكيّ في عصر صراع القوى العظمى"، والّذي يدافع فيه عن سياسة خارجيّة تترك حقبة ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) خلفها بشكل حاسم.

يقدّم كتاب "إستراتيجيّة الإنكار" نسخة غير عاطفيّة بشكل خاصّ لما يعتقده كثيرون من النّاس الذين يحاولون تشكيل سياسة خارجيّة لحقبة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر

كما يوحي العنوان، هذا كتاب لسياسيّ واقعيّ يركّز بالّليزر على محاولة الصّين السّيطرة على آسيا باعتبارها التّهديد الأكثر أهميّة في القرن الحادي والعشرين. جميع التّحديات الأخرى ثانويّة: يمكن إدارة الإرهاب من خلال "عمليّات ذات أثر أصغر"، والتّركيز الليبراليّ في عهد ترامب على فلاديمير بوتين أخطأ عندما نظر إلى عرض جانبيّ على أنّه الحدث الرّئيس، والتّركيز الجمهوريّ طويل الأمد على الدّول المارقة، مثل إيران وكوريا الشّماليّة، مضلّل بالقدر نفسه.

فقط الصّين هي الّتي تُهدّد المصالح الأمريكيّة بشكل عميق، من خلال توطيدٍ لقوّة اقتصاديّة في آسيا تُهدّد ازدهارنا، وهزيمة عسكريّة يمكن أن تحطّم نظام تحالفنا؛ لذلك، يجب تنظيم السّياسة الأمريكيّة لحرمان بكين من الهيمنة الإقليميّة وردع أيّة مغامرة عسكريّة، أوّلاً وقبل كلّ شيء، من خلال التزام أقوى بالدّفاع عن جزيرة تايوان.

حقبة ما بعد 11 سبتمبر

يقدّم كتاب "إستراتيجيّة الإنكار" نسخة غير عاطفيّة بشكل خاصّ لما يعتقده كثيرون من النّاس الذين يحاولون تشكيل سياسة خارجيّة لحقبة ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وليس فقط الجمهوريّين الأصغر سنّاً من أمثال كولبي.

 يتمتّع البيت الأبيض في عهد بايدن بنصيبه من صقور الصّين الأكثر ليونة في كلامهم، ويعكس خروجه من أفغانستان، وحمائميّته النّسبيّة نحو روسيا الرّغبة في إعطاء الأولويّة لسياسة الصّين أكثر من إدارة هيلاري كلينتون، على سبيل المثال.

يتمتّع البيت الأبيض في عهد بايدن بنصيبه من صقور الصّين الأكثر ليونة في كلامهم

لكن هذا لا يمثّل إجماعاً بأيّ حال من الأحوال، تشير حالة الذّعر المؤسّسيّ بشأن انسحاب بايدن من أفغانستان إلى المدى الذي تبدو فيه السّياسة الخارجيّة المُركَّزة الّتي تتمحور حول الصّين أوّلاً، وكأنّها تراجع بالنّسبة إلى الدّيمقراطيّين والجمهوريّين الذين اعتادوا المزيد من الطّموحات العالميّة وغير المحدودة.

في هذه الأثناء، ثمّة مجموعة مختلفة تماماً من مفكّري حقبة ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ترى في الموقف الصّقوريّ من الصّين نبوءة تُحقّق ذاتها بشكل خطير، طريق للتّعثّر، مثل المحافظين الجدد في عهد بوش الذين انتقدهم كولبي في السّابق، في حرب غير ضروريّة وكارثيّة . بدلاً من سياسة الحدّ الأقصى للمؤسّسة القديمة، فإنّهم يفضلون سياسة الحدّ الأدنى، ووضع حدّ حتّى لأشكال الطّائرات الحربيّة خفيفة الأثر الّتي هاجمها صمويل موين من جامعة ييل، في كتابه الجديد "إنسانيّ"، وهو عبارة عن مرافقة وطِباق مثيرين للاهتمام لكتاب كولبي، وتراجع متعمّد عن الإمبراطوريّة (فكرة أن تغيّر المناخ يتطلّب مصالحة مع الصّين تلوح أيضاً في الأفق بالنّسبة إلى البعض في هذه المجموعة).

ثمّة مجموعة مختلفة تماماً من مفكّري حقبة ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ترى في الموقف الصّقوريّ من الصّين نبوءة تُحقّق ذاتها بشكل خطير

تتمتّع مجموعة سياسة الحدّ الأدنى بالنّفوذ الأقلّ في واشنطن، لكنّ شكوكها بشأن صناعة الحرب تحظى بالكثير من الدّعم الشّعبيّ، بما في ذلك التّشكّك في الحرب مع الّصين، حتّى مع تزايد عدوانيّة بكين وتستّرها على فيروس كوفيد، وجدت دراسة استقصائيّة أجريت في صيف عام 2020 أنّ 41 في المئة فقط من الأمريكيّين يفضّلون القتال من أجل تايوان، وهو ما أكّده الافتقار إلى الحماسة في استطلاعات الرّأي غير الرّسميّة لكلّ شخص أعرفه تقريباً.

لكنّ خيارات بكين الخاصّة ستشكل أيضاً إستراتيجيّتنا. إنّ صيناً تتراجع إلى حدّ ما، بعد الكوفيد، عن العداوة والمناوشات الحدوديّة من شأنها أن تُفسد حجّة صقور الصّين إلى حدّ ما.

من ناحية أخرى، فإنّ صيناً تنظر إلى الفوضى الأمريكيّة ونافذة الفرص الخاصّة بها وتقرّر التحرّك بعدوانيّة يمكن أن تترك صديقي القديم في المكان نفسه الذي تركته فيه حقبة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، مع تحليله الإستراتيجيّ المُبرَّر، للأسف، بهزيمة أمريكيّة.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

روس دوثات، "نيويورك تايمز"، 11 أيلول (سبتمبر) 2021



الصفحة الرئيسية