مؤتمر برلين: فرصة للسلام أم تأزيم الأوضاع في ليبيا؟

ليبيا

مؤتمر برلين: فرصة للسلام أم تأزيم الأوضاع في ليبيا؟

مشاهدة

02/01/2020

يرى مراقبون أنّ حل الأزمة الليبية لم يعد في أيدي الأطراف الليبية سيما في ظلّ عدم حسم الصراع حول العاصمة طرابلس بين قوات الجيش الليبي الوطني، ضدّ الميليشيات المسلحة المؤيدة لحكومة فايز السراج، وفي ظلّ فشل المساعي لحلّ سياسي يعيد مؤسسات الدولة، فضلاً عن إصرار تركيا على جعل ليبيا ساحة حرب بالوكالة.

اقرأ أيضاً: عام ليبيا واليمن وسوريا

لهذا توجّهت الأنظار وانعقدت الآمال على مؤتمر برلين، ليضع حلّاً جذرياً للوضع المتأزم في ليبيا؛ فعندما أعلنت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في أيلول (سبتمبر) 2019، نيّة بلادها استضافة مؤتمر دولي حول ليبيا تحت رعاية أممية، بحضور غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، وبحضور مصر وفرنسا وإيطاليا، توقّع كثيرون أن يسهم المؤتمر في استقرار الأوضاع في ليبيا.

غير أنّ تلك البادرة سرعان ما بدّدها التلكؤ الأوروبي، فلم يجرِ الإعلان عن موعد المؤتمر وأجنداته والأطراف المشاركة فيه، وتوقّع البعض أن يعقد في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2019، وانقضى الشهر ولم يحدث ذلك، ليأمل آخرون أن يعقد في نهاية كانون الثاني (يناير) 2020.

اقرأ أيضاً: أردوغان في تونس محاولة لإنقاذ إخوان ليبيا

ويرى مراقبون أنّ التكتم الشديد، الذي فرضته الإدارة الألمانية حول المؤتمر، إضافة لطول فترة الإعداد له وعدم تحديد موعده بدقة، يعطي فسحة من الوقت لتركيا لتدبر أمرها لتتمكن من تعزيز تدخلها في ليبيا.

يرى مراقبون أنّ التلكؤ في عقد مؤتمر برلين يعطي فسحة من الوقت لتركيا لتعزيز تدخلها في ليبيا

ومن الواضح أنّ تركيا لم تدّخر جهداً لتعزيز تدخلها في الشأن الليبي، فعقدت اتفاقاً لترسيم الحدود، واتفاقاً أمنياً آخر مع حكومة الوفاق الوطني، في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، وبناءً عليه أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أنّه سيعرض على البرلمان الموافقة على إرسال قوات عسكرية إلى طرابلس، في الثالث من كانون الثاني (يناير) الجاري، في جلسة استثنائية، للحصول على تفويض لإرسال قوات إلى ليبيا، بحسب ما نقلت وكالة "الأناضول" عن مصادر داخل حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، في خطوة مستعجلة؛ حيث كان من المقرر أن ينظر البرلمان في هذا الطلب يومَي 8 و9 كانون الثاني (يناير) الجاري، وقد صرّحت أنقرة بأنّ هذه الخطوة تأتي استجابة لطلب رسمي تقدمت به حكومة الوفاق الليبية بطرابلس، للحصول على دعم عسكري تركي، جوي وبري وبحري، وهي الخطوة التي يراها المراقبون والمتابعون للشأن الليبي ستزيد الوضع تعقيداً، وأنّ التدخل العسكري المباشر في ليبيا من خلال المشاركة بقوات عسكرية، بمثابة المغامرة، متسائلين عن مدى إدراك أردوغان للعواقب السياسية والعسكرية، التي قد تطال بلاده.

صورة من طلب الرئيس التركي من البرلمان التفويض بإرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا بحسب موقع روسيا اليوم

لم يكتفِ أردوغان بهذا؛ بل قام بزيارة مفاجئة لتونس يبدو، بحسب المتابعين، أنّها لطلب الانضمام إليه في مؤتمر برلين، وتكوين محور مؤيد له، كما تمكّن من إرسال سفن محملة بالأسلحة، وحمل عناصر من الجماعات الإرهابية لدعم مثيلاتها في ليبيا، وذلك بحسب تصريحات الناطق الرسمي للجيش الليبي، اللواء أحمد المسماري، وفق ما أوردت صحيفة "الوطن" المصرية.

اقرأ أيضاً: ما هي عواقب التدخل التركي في ليبيا؟
إنّ تجميد مؤتمر برلين وضعف التحركات الأمريكية والأوروبية لاحتواء الأزمة، التي لم تتجاوز سوى بعض بيانات "القلق والإدانة والدعوة إلى ضبط النفس"، أو "تشجيع المساعي الهادفة إلى تسريع الحلّ السياسي"، ساهما في إطالة زمن الأزمة، وبقاء الوضع على ما هو عليه لصالح حكومة السراج والميليشيات المتحالفة معها، لا لصالح الدولة الليبية أو الشعب الليبي.

تجميد مؤتمر برلين وضعف التحركات الأمريكية والأوروبية لاحتواء الأزمة ساهما في إطالة زمن الأزمة

كما أنّ الاتحاد الأوروبي لم يحسم موقفه حتى الآن، ففي بيان له عبر حسابه الرسمي، أكّد الحلّ السياسي واستبعاد الحلّ العسكري، ومما جاء في البيان: "في ضوء التصعيد المستمر في ليبيا، خاصة في المناطق المُحيطة بطرابلس، يعيد الاتحاد الأوروبي التأكيد على دعوته لجميع الأطراف الليبية لوقف جميع الأعمال العسكرية واستئناف الحوار السياسي، لا يوجد حلّ عسكري للأزمة في ليبيا، ولا بدّ من أن تكون الطريقة الوحيدة لحسم هذه المسألة هي حلّ سياسي يتمّ التفاوض بشأنه على أساس المقترحات التي قدمتها الأمم المتحدة مؤخراً".
وطالب البيان "جميع أعضاء المجتمع الدولي بمراقبة واحترام حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، مؤكداً دعمه بقوة جهود المبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة، ومؤتمر برلين، الذي يسعى لتنظيمه من أجل حلحلة الأزمة الليبية، باعتباره السبيل الوحيد نحو إعادة إطلاق العملية السياسية الليبية وإعادة بناء دولة مسالمة ومستقرة وآمنة".

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال استقبالة لرئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج
وقد يعود عدم حسم موقف الاتحاد الأوروبي لوجود خلافات داخله حول تقييم الأزمة الليبية، فالموقف الفرنسي مثلاً؛ يرى، بحسب ما أورد موقع "العربية"، ضرورة حسم الخلاف الليبي، وإنهاء الانقسام وعودة مؤسسات الدولة، وأنّ حكومة السراج باتفاقها مع الميليشيات المسلحة أخلت بمهامها ومسؤولياتها.

اقرأ أيضاً: ليبيا وتونس واختيال أردوغان
أما إيطاليا فموقفها يشوبه الكثير من الغموض؛ إذ صرّحت نائبة وزير الخارجية الإيطالي، مارينا سيريني، بقلق بلادها من تدهور الأوضاع في ليبيا، مؤكدة أنّ الملف الليبي على رأس أولويات روما ضمن الملفات الدولية، ونقلت وكالة "آكي" الإيطالية أنّ الاتصالات الأخيرة التي أجراها وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، ورئيس الوزراء جوزيبي كونتي، مع قادة أكثر البلدان المعنية بالشأن الليبي، تؤكّد الحاجة الملحّة لالتزام المجتمع الدولي بأسره للتوصل إلى وقف إطلاق النار وكبح تدخلات الجهات الفاعلة من خارج ليبيا، بما في ذلك التدخلات العسكرية، والتي من شأنها زيادة الاضطراب في البلاد، مؤكدة أنّ إيطاليا هي الأكثر اهتماماً بمنع التدهور الأمني في ليبيا.

اقرأ أيضاً: إدلب وليبيا..جبهة واحدة؟
وحتى الموقف الألماني، صاحب الدعوة لمؤتمر برلين، غير حاسم، ويتضح ذلك من رسالة وزير الخارجية الألماني التي بعث بها لوزير الخارجية، محمد سيالة، بحسب "الأوبزرفر" الليبية قائلاً: إنّه "من المهم جداً التواصل مع الليبيين وإبلاغهم بمسار ومجريات مؤتمر برلين، وذلك سيمكّن المؤتمر من وضع الأطر العامة لعملية مصالحة ليبية داخلية ناجحة"، دون إشارة واضحة لموقفهم من التدخل التركي أو التحالف مع الميليشيات الإرهابية المسلحة.


يمكن القول إنّ الدولة الراعية قد تسببت بفشل مؤتمر برلين، بتباطؤها في عقده، وإطالة أمد الصراع وترك ليبيا رهينة المحور التركي الذي يسعى لنشر الفوضى في البلاد وخلق حكومة ضعيفة موالية له طمعاً في ثروات ليبيا.

اقرأ أيضاً: تركيا تتدخّل في ليبيا من أجل الغاز.. و"الإخوان"
وتكمن خطورة عدم حسم الصراع في ليبيا بتداعياته؛ سواء على المجتمع الليبي، بارتفاع حصيلة الضحايا المدنيين، أو المجتمعات العربية المجاورة لليبيا؛ بانتقال المسلحين الإرهابيين لمهاجمة حدودهم، أو على دول الاتحاد الأوروبي؛ بضعف إمداداها بموارد الطاقة من البترول والغاز الليبي، إضافة إلى عدم تأمين الحدود البحرية وتزايد خطر الهجرة غير الشرعية.
وبناء على ما سبق يمكن قراءة السيناريوهات المستقبلية المتوقعة على النحو التالي:
الأول:
فشل المفاوضات وعدم حسم الصراع سواء سياسياً أو عسكرياً؛ وهذا يعني استمرار تدفق السلاح والميليشيات الإرهابية الهاربة من سوريا وغيرها من مناطق الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط، ما يخلّف مزيداً من الاضطرابات وسقوط ضحايا مدنيين، وتوفير أجواء تسمح بإقامة دولة انفصالية في الجنوب تستوعب تلك الفصائل أو المتحالفة معها.
الثاني: حسم الصراع عسكرياً لصالح الجيش الليبي ودخول العاصمة؛ وهو تصعيد يشوبه الكثير من المخاطر، فالسلاح الذي في أيدي الميليشيات الإرهابية، والذي يقدَّر بـ 22 مليون قطعة، يمكن أن يتحوّل لصدور المدنيين، وهجمات على المصالح الحكومية ومهاجمة الكمائن وتفجير الصراع الداخلي بشكل أكثر ضراوة.

اقرأ أيضاً: المغامرة التركية في ليبيا.. هل تكون آخر معارك أردوغان في المتوسط؟

لذا؛ ليس على المجتمع الدولي إلا العمل لعودة مؤسسات الدول الليبية بقوة، والاعتراف بسقوط اتفاق الصخيرات، والعمل على عقد اتفاق أكثر وضوحاً وأكثر جدية في مطاردة الميليشيات المسلحة، فضلاً عن تجريم إمداد الميليشيات الإرهابية بالعتاد العسكري ومنع عناصر الجماعات الإرهابية من القدوم إلى ليبيا، وتوجيه رسالة شديدة اللهجة للمحور التركي لإصراره على تحويل ليبيا إلى ساحة حرب.

الصفحة الرئيسية