لماذا يمضي مقتدى الصدر في التلاعب بعواطف أنصاره؟

لماذا يمضي مقتدى الصدر في التلاعب بعواطف أنصاره؟

مشاهدة

18/07/2021

يبدو أنّ مواقف زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الآخذة بالتناسل والتكرار قبل أيّ استحقاق انتخابيّ عراقيّ، قد ظهرت هذه المرّة مبكّراً، وقد سبق موقفهُ "السلبيّ" من الانتخابات مجمل مواقف الزعامات والقوى السياسية، التقليديةِ منها أو الناشئة.

إعلان الزعيم السياسي الشاب، الخميس الماضي، انسحابهُ من الانتخابات التشريعية العامة، المزمع إجراؤها في 10 حزيران (أكتوبر) المقبل، جاء متناغماً مع حالة السخط الشعبي من الواقع السياسي، التي أخذت تتصاعد بعد مقتل وإصابة نحو 192 شخصاً، نتيجة حريق اندلع في مركز صحّي لعزل مصابي كورونا بمدينة الناصرية، جنوب العراق، الثلاثاء الماضي، وهو الحريق الثاني من نوعه في أقلّ من 3 أشهر.

وتعيش البلاد أزمةً حادّة في القطاعين الصحي والكهربائي، وإخفاق الوزارتين المحسوبتين على التيار الصدري في إتاحة أدنى المستلزمات الخدمية للعراقيين الذين يعيشون أوضاعاً صعبة تضاف إلى أوضاعهم المتردية على الجانبين الاقتصادي والأمني، فضلاً عن ضعف الدولة في إثباتِ وجودها قبال سلطة الميليشيات المتحكّمة في كلّ مفصلٍ فيها.
التنصّل من المسؤولية
 

دائماً ما ينفي التيار الصدري مشاركتهُ في حكومة مصطفى الكاظمي، ومسؤوليتهُ عن الوزارات المناطة به، وهو أسلوب تكتيكي اعتمدتهُ أغلب القوى السياسية بعد شيوع مفهوم "التكنوقراط" في حكومة حيدر العبادي (2014-2018)، الذي طالبَ حينها باستبدال الوزراء السياسيين بآخرين فنيين من أبناء الوزارة.

وقد خرجت وقتها توليفة جديدة تحت مسمى "التكنوقراط السياسي"؛ أي الوزير المتخصص الذي تختبىء حولهُ الجهة السياسية التي تأتي بهِ مرشحاً لوزارتها بعد توافق سرّي بينهما.

وزير الكهرباء المستقيل ماجد حنتوش

وللصدريين في الحكومة الحالية حصة الأسد من الوزارات الخدمية، ولعلّ أبرزها وزارتَا الصحة والكهرباء، ودفع فشل الوزارتَين في أزمتي كورونا والطاقة الشارع العراقي إلى السخريةِ من التيار الصدري الطامح لرئاسة الحكومة القادمة، بعد إعلانهِ ذلك في برنامجه الانتخابي المبكر.

اقرأ أيضاً: مقتدى الصدر يشن هجوماً على الميليشيات العراقية الموالية لإيران.. ماذا قال؟

التذمر المحلي من الأداء الصدري، بعد انهيار القطاعَين الخدميَّين، وسقوط عدة ضحايا نتيجة الفشل في إدارتهما، دفع زعيم التيار إلى فضّ شراكته مع الحكومة، قائلاً: "أعلن سحب يدي من كلّ المنتمين لهذه الحكومة، الحالية واللاحقة، وإن كانوا يدّعون الانتماء لنا، فالجميع إما قاصر أو مقصّر أو يتبجح بالفساد، والكلّ تحت طائلة الحساب"، وهي خطوة يراها مراقبون "محاولة للتنصّل من المسؤولية ومن الحكومة التي يشارك فيها".
محاولة لإعادة التموضع

ولم يبدِ عراقيّون كثيرون استغرابهم من انسحاب التيار الصدري من الانتخابات، بل عدّه البعض محاولة من قبل مقتدى الصدر "لإعادة التموضع السياسي" لتياره المدان شعبياً، كما أنّ للصدر مواقف متكررة، من قبيل اعتزالهِ السياسة وعدم خوض الانتخابات العامة، لا سيما في المواسم الانتخابية، عام 2006، التي شارك فيها بشكلٍ ظلّي مع "الائتلاف العراقي الموحّد"، ونالَ حينها 30 مقعداً، وانتخابات عام 2014، التي عدل فيها عن قرار الاعتزال السياسيّ، وآخرها انتخابات عام 2018، التي رفع فيها راية الإصلاح عبر تحالفه مع الحزب الشيوعيّ، الذي انفكّ عنهُ لاحقاً.

مقتدى الصدر يعلن انسحابه من الانتخابات في خطوة يشوبها الشكّ لتكرارها أكثر من مرة ومراقبون يتساءلون: لماذا لم ينسحب التيار الصدري قبل الإغلاق؟

ويقول مدير المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية، الدكتور غازي فيصل، إنّ "شخصية مقتدى الصدر، شخصية شعبوية تميل دائماً  كي تكون قريبة من نبض الشارع"، مضيفاً لـ "حفريات"؛ أنّ "انسحابه من الانتخابات يأتي كمحاولة لاستعادة الدور الشعبي أو الخطاب الشعبوي له باعتباره زعيماً لتيار جماهيري".

أما الكاتب هيوا عثمان، فيرى أنّ "إعلان انسحاب الصدر قد يكون محاولة لدفع الانتخابات لفترة أبعد من حزيران المقبل، أو قد يكون تكتيكاً، كما حصل في السنوات السابقة، لجلب الانتباه لمرشّحي التيار الصدري، وبعد ذلك العدول عنه كما حصل في السابق، بالعموم؛ فإنّ مصداقية الانسحاب من عدمه تتجلى في الموعد الانتخابي المقبل".
مفوضية الانتخابات: لم يردنا أيّ طلب بالانسحاب

وبعد توالي الانسحابات من قبل مرشحي التيار الصدري الذين تقدّمهم نائب رئيس البرلمان، حسن الكعبي، من السباق الانتخابي، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات، أنّها لم تتسلّم أيّ طلب رسمي من قبل المرشحين المنسحبين.

المتحدثة باسم المفوضية، جمانة الغلاي، قالت إنّ مفوضيتها "استقبلت الترشيح في 13 حزيران (يوليو)، وأغلقته في 20 من الشهر نفسه، فضلاً عن استقبالها 103 انسحابات من الانتخابات فقط"، مضيفةً أنّ "المفوضية أنهت قرعة المرشحين وصادقت عليهم وهي بصدد تصميم ورقة الاقتراع".
وأكّدت أنّ "الأبواب مغلقة أمام الانسحاب من العملية الانتخابية، وأنّ مجلس المفوضين ملتزم بالتوقيتات الزمنية لإجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر"، وبشأن قرار انسحاب التيار الصدري من المشاركة في الانتخابات المقبلة، قالت "لم يردنا أيّ طلب بالانسحاب".

اقرأ أيضاً: ميليشيات الصدر تثير حالة رعب... ما هدف انتشارها؟

ويدرك الصدريّون عدم إمكانية انسحابهم من السباق الانتخابي الذي حددتهُ مفوضية الانتخابات بعد منتصف الشهر الماضي "وإلا أين كانوا قبل موعد التسجيل والإغلاق لدى المفوضية؟"، هكذا تساءل عثمان، الذي أبلغ "حفريات" أنّ "انسحاب التيار الصدري، إذا حصل، سيسبّبُ إرباكاً للعملية الانتخابية في جانبيها الإداري والفني".
مطالبات بالعدول عن قرار المقاطعة
وفي الإطار ذاته، طالبت عدة شخصيات رئاسية، وأخرى سياسية، زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، بالعدول عن انسحابهِ من الانتخابات النيابية المقبلة، مؤكّدين حاجة العراق إلى التكاتف السياسي و"معالجة الأخطاء عبر الممارسة الديمقراطية".

الناشط حسن الزيدي لـ "حفريات": مقتدى الصدر شخصية سياسية بلا كوابح ويتلاعب بالرمزية المقدّسة لجمهوره، فهو يتكئ دائماً على آل الصدر والانتماء لهذه العائلة

وكان رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، المعلّق الأول على انسحاب الصدر، وقال إنّ "الوطن يحتاج إلى تكاتف الجميع؛ الشعب، والقوى السياسية التي تشارك في الانتخابات بتنافس شريف دون تسقيط"، عادّاً "التيار الصدري شريحة مهمة في المجتمع، ولا يمكن تصوّر عدم مشاركته في الانتخابات، العراق أمانة في أعناق الجميع".
أما رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي، فقد خاطب مقتدى الصدر بكنيتهِ المعروفة شعبياً "أبا هاشم ما زال أمامنا الكثير والعراق في حاجة إلى أبنائه الغيارى المخلصين ليرفعوا رايته ويوحّدوا صفوفه ويخدموا شعبه
ويصونوا كرامته". 

اقرأ أيضاً: هل ينجح مقتدى الصدر في إخماد انتفاضة العراقيين؟
من جهته، طالبَ رئيس تحالف عراقيون، عمار الحكيم، زعيم التيار الصدري بـ "العدول عن قراره بالانسحاب من الانتخابات المرتقبة، ومواصلة الجهد الوطني المشترك، وعدم إخلاء الساحة من قطب جماهيري مهمّ وفعّال، كما أنّ العراق يمرّ بانعطافة أقلّ ما توصف بالحساسية والخطير"، مؤكّداً على ضرورة "الحفاظ على الممارسة الديمقراطية وعدم الانكفاء عنها هو السبيل الأوحد لمعاجلة الإخفاقات وتعزيز الإيجابيات وإنصاف الشعب المتطلّع إلى نيل الحقوق المشروعة والمعطلة". 
سرديّة "القتل" و"الشهادة
"

دائماً ما يطلّ مقتدى الصدر على جمهور تياره بسرديةٍ تتحدثُ عن قربِ قتلهِ أو "شهادته"؛ عام 2017، أيام التظاهرات المطالبة بالإصلاح، أعلن الزعيم الصدريّ، وسط ساحة التحرير البغدادية، أمام حشدٍ بالآلاف من أنصاره؛ أنّه "معرَّض للاغتيال"، خاتماً حديثهُ بـ "أسالكم الدعاء والفاتحة"، وهو ما تسبَّب بشدٍّ عاطفي كبير بين الصدريين.

وفي 6 تموز (يوليو) الجاري، جدّد الصدر سرديّة الاغتيال القريب، عبر بثّ في مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وهو ما جعل أنصاره يحتشدون من كلّ المدن العراقية أمام داره في مدينة النجف (200كم جنوب بغداد).

المراقب السياسي حسن الزيدي، يعتقد أنّ "الصدر شخصية سياسيّة بلا كوابح ويتوقّع منه ما لا يتوقع من غيره"، مبيناً أنّه "يتلاعب بالرمزية المقدّسة لجمهوره، فهو يتكئ دائماً على آل الصدر والانتماء لهذه العائلة، وهذا الاتكاء عالٍ من ناحية المضامين، عطفاً على تعامله مع أشخاص يمضي عليهم ما يمضي على غيرهم".

يضيف الزيدي لـ "حفريات"؛ "الصدر يتلاعب بعواطف أتباعه كما يشاء، وهو يدرك سرّ التعامل معهم، لهذا يغذيهم بخطابات تجعلهم أكثر التصاقاً به، بل أحياناً يمارسون العنف الاجتماعي نحو من ينتقده".

الصفحة الرئيسية