لماذا يعمل بايدن على دفع تركيا إلى حضن إسرائيل؟

لماذا يعمل بايدن على دفع تركيا إلى حضن إسرائيل؟

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
08/05/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

تعدّ تركيا من الدول غير المعادية لإسرائيل، أكثر من بعض جيرانها العرب ممن تقيم معهم علاقات سلام، وعلى سبيل الفرق؛ فإنّ العلاقات الاقتصادية عميقة ومتطورة أكثر بكثير، والسياح الإسرائيليون يستقبلون فيها بالترحاب، ونتيجة لذلك ترى إدارة بايدن أنّ التعاون مع تركيا، يقدّم الكثير فيما يخص المسألة الإيرانية، وعلى الرغم من زّلات اللسان التي يتبعها أردوغان، تبقى ثمة حقيقة بأنّ أردوغان لم يتجاوز الخطوط الحمراء بعد، وكانت خطواته في أساسها علاقات عامة.

طوال السنوات الماضية كانت المعضلة الأساسية للإدارات الأمريكية متخوّفة، وكانت دائماً تتساءل: هل يساوي الاعتراف بإبادة شعب المسّ بالعلاقات مع تركيا

 في المقابل؛ تبدي أنقرة رغبتها في تحسين علاقاتها مع إسرائيل، في ظلّ نمو العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، واعتبار تركيا أحد الشركاء التجاريين الأهم لإسرائيل، لكن يرافق كل ذلك جمود تام على المستوى السياسي ويسعى الأتراك لحلّه الآن، ومع ذلك يبدو أنّ شيئاً ما يتحرك في تركيا، فقد تلقى وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتس دعوة من وزير الخارجية التركي للمشاركة في مؤتمر دولي يعقد في إسطنبول برعاية أردوغان، وتعدّ تركيا هذه الخطوة  مصلحة لتوثيق العلاقات مع إسرائيل.

لقد سقط حلم أردوغان في السيطرة على الشرق الأوسط، وانهارت طموحاته في العديد من الدول العربية، بعد أن هزمت حركات الإخوان المسلمين في العالم العربي، وفوتت تركيا قطار التعاون الإقليمي بين معظم دول المنطقة، بما فيها اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر، وبالفعل فإنّ إسرائيل، ودولاً أخرى، تستخرج الغاز من مياه البحر المتوسط، بل وتدفع إلى الأمام بتصدير الغاز إلى أوروبا، بينما بقي أردوغان في الخلف، وتلقي إدارة بايدن بظلالها على كلّ هذا، فالنبرة الرقيقة والمتصالحة تبقيها واشنطن للعدو الإيراني، بينما تضرب بحلفائها في المنطقة، مثل السعودية، وحان الآن دور أنقرة، فقد اعترفت الإدارة الأمريكية بإبادة الشعب الأرمني، وهي مسألة حساسة امتنعت كل الإدارات التي سبقتها عن ذكرها، لكنّ بايدن، بخلاف ترامب، يريد إعادة فتح القضية من جديد، وقبل اتخاذ خطوات يمكن أن تؤثر على علاقة الولايات المتحدة مع دول أخرى، يفصح الزعيم، جو بايدن، عن نواياه، وهذا ما حدث قبل أيام عندما تحدث مع فلاديمير بوتين، ليوضح له نية فرض عقوبات على روسيا، بسبب تدخّلها في الانتخابات الأمريكية، عام 2020، وهذا ما سيفعله مع الرئيس التركي أردوغان، لكنّ التخوف من خطوات واشنطن في المجال السياسي والأمني، وبالأساس الاقتصادي، يدفع أنقرة إلى اتجاه إسرائيل والبقاء على تحالف مصالح وثيق وحميم، وإقامة علاقات قوية تزامناً مع العزلة الدولية، وفي ظلّ كلّ هذا تبقى للدولتين موضوعات مشتركة عديدة يمكن التعاون فيها؛ ابتداءً من المسألة الإيرانية عبر المسألة السورية، وانتهاء بإنتاج الغاز من مياه البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: ماذا طلبت ميركل من أردوغان بما يتعلق بالمرتزقة في ليبيا؟

قبل عامين، صادق الكونغرس الأمريكي على بيان عدّ فيه المذبحة ضدّ الأرمن إبادة شعب، لكنّ الرئيس ترامب امتنع عن تبنّيه بذريعة أنّه قد يمسّ بعلاقة الولايات المتحدة مع تركيا، الرئيس باراك أوباما تعهّد في حملته الانتخابية بالاعتراف بإبادة الأرمن، لكنّه تهرّب في اللحظة الأخيرة، وفي الذكرى المئوية لمذبحة الأرمن، عام 2015، لم يستخدم هذا المصطلح، وقبل ثلاث سنوات اعتذر مستشاروه عن الخطأ، واعتقدوا أنّ هذا كان خطأ فادحاً، انتظر أردوغان محادثة بايدن الهاتفية أكثر من ثلاثة أشهر، والتي جرت قبل يوم من إحياء الذكرى السنوية الـ 106 للمذبحة، لم يتأخر الردّ في مجيء أردوغان، الذي عرف نية بايدن قبل تلك المحادثة.

 في المقابل تستمر تركيا في الدفاع عن الحقيقة ضدّ الكذب الذي يسمى مذبحة الأرمن، وضدّ الذين يؤيدون التشهير لأسباب سياسية، تحدّث وزير الخارجية التركي، مولود أوغلو، إذا كانت الولايات المتحدة تريد الإساءة للعلاقات بينها وبين تركيا فهذا هو قرارها، هذه ردود معتدلة نسبياً مقارنة بالردود التي أسمعها أردوغان للبابا، حين قرر، عام 2015، أنّها إبادة الشعب الأولى التي نفذت في القرن العشرين، ومقارنة أيضاً بالعقوبات التي فرضها أردوغان على فرنسا، وشملت منع هبوط الطائرات الفرنسية ورسو السفن الفرنسية في تركيا، بسبب قرار البرلمان الفرنسي اعتبار مذبحة الأرمن إبادة شعب، هدّد أردوغان في السابق بأنّ الاعتراف بإبادة الشعب الأرمني قد يؤدي إلى طرد نحو 25 ألف شخص من السكان الأرمن في تركيا، هؤلاء هم الذين هاجروا بصورة غير قانونية إلى تركيا بحثاً عن مصدر رزق ومكانتهم غير قانونية، الحديث وفق موقف تركيا الرسمي لا يدور عن إبادة شعب، بل عن قتل أتراك وأرمن أثناء الحرب، في المتحف العسكري في إسطنبول، الذي خصصت أحدى غرفه لأحداث تلك السنين، تظهر صور لجنود أتراك، بحسب الشرح، تم تعذيبهم وقتلهم من قبل الأرمن، وذبح الأرمن غير مذكور، كما يحدث في كلّ ذكرى سنوية لكارثة الأرمن، ورغم كلّ ذلك ترفض إسرائيل الاعتراف بإبادة الشعب الأرمني وهذا أمر يثير الاستغراب.

اقرأ أيضاً: أوهام أردوغان تُخرج تركيا من بعدها الاستراتيجي

 إذا كانت إسرائيل في السابق تمسّكت، مثل الولايات المتحدة، بضرورة الحفاظ على علاقة جيدة مع تركيا وعدم إغضاب أردوغان، فإنّها ذريعة لم تعد سارية المفعول، خصوصاً منذ قضية سفينة مرمرة، كما يبدو، لن تعترف إسرائيل، سواء مع أردوغان أو من دونه، بأيّة إبادة شعب أو كارثة حلّت بشعب آخر، هذه مسألة تتعلق بالملكية الحصرية لهذا المفهوم ومعناه، فقد كانت الكارثة واحدة في التاريخ، لكنّها ليست للأرمن، بالنسبة إلى الرئيس جو بايدن القصة مختلفة؛ العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة في أدنى الدرجات من تاريخها.

 بايدن في حملته الانتخابية اعتبر أردوغان مستبداً وديكتاتوراً، وقال إنّه يعرف كيف سيتعامل مع أردوغان، يعارض بايدن تدخّل تركيا في سوريا، وشراء الصواريخ المضادة للطائرات من طراز "إس 400" من روسيا، وعندما قرر وضع قضية حقوق الإنسان على رأس سلم الأولويات، فتح جبهة ساخنة مع تركيا، الاعتبارات التي وجهت للدعم الذي منحه ترامب لأردوغان فقدت جزءاً من وزنها، والخوف من أن تترك تركيا الناتو وتنتقل إلى الكتلة الروسية، لاحتواء التوتر الذي تطور بين روسيا وتركيا حول الجبهة السورية وقره باغ وأوكرانيا.

إذا كانت إسرائيل في السابق تمسّكت، مثل الولايات المتحدة، بضرورة الحفاظ على علاقة جيدة مع تركيا وعدم إغضاب أردوغان، فإنّها ذريعة لم تعد سارية المفعول

 لا يمكن لتركيا أن تهدّد بفرض عقوبات على الولايات المتحدة، في الوقت الذي تسعى فيه وراء مستثمرين أمريكيين كي ينقذوها من أزمتها الاقتصادية الشديدة الغارقة فيها، إذا كان أردوغان قد استفاد في عهد ترامب من الشرخ بين الاتحاد الأوروبي والبيت الأبيض، فهو الآن يدرك أنّ التحالف الأوروبي الأمريكي عاد إلى أيامه السعيدة، وهذا ليس في صالحه، في العقود الأخيرة عملت تركيا بصورة حثيثة وصارمة ضدّ أيّة نية دولية، أو أيّة دولة منفردة، للاعتراف بإبادة الشعب الأرمني، وقد فعلت ذلك من خلال التهديدات والعقوبات؛ وبدفع مليون دولار للإخوان المسلمين في مصر، مقابل إحراق الأرشيف القديم في القاهرة الذي أنشئ في فترة احتلال نابليون، وفيه وثائق متعلقة بقتل الأرمن، والتي كانت يمكن أن تستخدم كدليل إدانة، تركيا أزالت من الأرشيفات العثمانية التي بحوزتها كلّ وثيقة كانت تتضمن شهادات عن القتل، وحتى أنّها حدّثت "كتالوج" المتحف العثماني لطمس عملية إخفاء الوثائق.

طوال السنوات الماضية كانت المعضلة الأساسية للإدارات الأمريكية متخوّفة، وكانت دائماً تتساءل: هل يساوي الاعتراف بإبادة شعب المسّ بالعلاقات مع تركيا، وإمكانية أن تترك تركيا الناتو وتصبح حليفة لروسيا؟ دفع الثمن السياسي للاعتراف باهظ جداً، واعتراف بايدن بإبادة الشعب يأتي في فترة سياسية مريحة نسبياً، يكون فيها نظام العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة في الحضيض، والاتحاد الأوروبي يهدّد بفرض عقوبات عليها، وعلاقاتها مع روسيا متوترة أيضاً، في المقابل الأزمة التي تغرق فيها تركيا تلزمها بتعزيز علاقاتها مع مستثمرين محتملين، وكثيرون منهم في الولايات المتحدة، على هذه الخلفية يبدو أنّ ردّ تركيا في هذه الأثناء معتدل جداً، وسيتم التعبير عنه بخطاب حادّ ومصقول مع حدود واضحة، لا تهدّد تركيا بوقف العلاقات، مثلما فعلت مع فرنسا قبل عقد، ولا يمكنها فرض عقوبات على أمريكا مثلما هددت الفاتيكان، عندما اعترف البابا بإبادة الشعب الأرمني، ولا يمكنها التهديد بالانسحاب من الكتلة الغربية، والخوف التركي هو فتح أمريكا جرحاً عميقاً سيضرّ بالثقة والصداقة المتبادلة بين البلدين.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.israelhayom.co.il/opinion/873497

الصفحة الرئيسية