لماذا يصرّ الإنسان على اللجوء إلى العنف؟

لماذا يصرّ الإنسان على اللجوء إلى العنف؟

مشاهدة

02/07/2020

جميع الذين وَصفوا الإنسان بأنّه "حيوان عاقل" أو "حيوان اجتماعي" أو "حيوان سياسي"، كانوا يشيرون إلى أنّه كائن طبيعي، معرَّف بالحياة، أنتجته الطبيعة على صورتها ومثالها، وحملته جميع تناقضاتها من غضب البراكين والزلازل والعواصف والبروق والرعود إلى النسائم الرقيقة والهدوء المسالم.

وفي مقابل هذا التناقض زوّدته بملكة التفكير والحكم؛ أي بالحكمة والعقل، وبملكة التحسن الذاتي؛ بهاتين الملكتين نظّم الإنسان حياته، وصار يعبر عن خصائصه الطبيعية بطريقته الخاصة، وصار الغضب والعنف والرقة والسلام من نسيج حياته الاجتماعية.

الصراع من أجل البقاء مازال قائماً لكنه بطريقة مختلفة ومتطورة بفعل الفكر والمصلحة التي تقتضيها الحياة

فمن نحن؟ نستعير هذا السؤال من الفيلسوف الفرنسي "إدغار موران"، ونستعير منه أيضاً "أين نحن، ومن أين أتينا، وإلى أين نحن ذاهبون؟"، تلك الأسئلة التي تستحق البحث والاستقصاء لمعرفة الهوية البشرية أولاً، وعلاقة الإنسان بالطبيعة ثانياً، فأسئلة "موران" لا تعني معرفة الإنسان فقط؛ إنّما تأخذنا إلى أبعد من ذلك؛ أي إلى معرفة موقع الإنسان في الكون وعلاقته به، مع أنّ "باسكال" سبقه إلى تحديد موقع الإنسان في الكون تحديداً دقيقاً بين متناهيين، "الفيزياء، والكيمياء"؛ أي الإنسان الطبيعي أو (الفيزيائي)، وتفاعله مع الكون (الكيميائي) من ثم.

اقرأ أيضاً: الخطاب التربوي القائم على الإلغاء.. هل يولد العنف؟

منذ ثلاثين عاماً والفيلسوف الفرنسي "إدغار موران" يبحث في علم الكون والعلوم الإنسانية ليتوصل إلى الهوية البشرية المجردة، ليخبرنا بنتيجة مفادها بأنّ "الكون خلقنا على صورته"، فهل ترسبت الصورة العنفية للكون في جبلَّة البشر وفطرتهم، أم أنّ البشرية لا ترغب في تنظيم ذاتها على نحو ما تفعل الطبيعة؟

عند سؤال أحد الأشخاص من أنت؟ يبدأ بتعريف ذاته، على أنّه فلان، يعمل في حقل السياسة أو الاقتصاد أو فقيه دينيّ، أو في حقل الثقافة على سبيل المثال، ذلك التعريف لا يفضي إلاّ إلى هوية سياسية أو اقتصادية أو دينية، أو ثقافية أيضاً، كالفنان/ة والكاتب/ـة والشاعر/ة، متناسياً الهوية البشرية/الإنسانية الأولى الخالية من كل هذه المحمولات والسابقة عليها.

اقرأ أيضاً: منابع التطرف الثقافية.. عندما يتحول العنف إلى فولكلور قاتم

نحن نعتبر الهوية الإنسانية من المسلّمات؛ كالحياة التي صارع فيها الإنسان القديم من أجل البقاء بفعل الغريزة، وما زال ذلك الصراع قائماً حتى الآن، لكنه بطريقة مختلفة ومتطورة بفعل الفكر والمصلحة التي تقتضيها الحياة، فالحياة ليست مقولة "مجازية"، إنّما هي فعل ورد فعل، وتفاعل؛ تفاعل الإنسان مع ذاته، وتفاعله مع الآخرين والأخريات ومع الطبيعة، من ثم، ونفترض أنّ الصراع القائم اليوم في العالم هو من رواسب صراع الطبيعة، فلم تعجز البشرية عن تنظيم ذاتها، إنّما أوجدت طرقاً عدة في الصراع لتصب في مصلحتها الذاتية، العنف القائم على المرأة مثلاً يصب في مصلحة الرجل ليتفوق بما تقتضيه مصلحته الخاصة، والاستبداد السياسي يصبّ أيضاً في مصلحة الحاكم ليتفوق على شعبه، وكذلك الاستبداد الديني والثقافي.

الأفراد لا يلجؤون إلى العنف حينما يختلفون إلا عندما يعجزون عن التواصل الإنساني

وقد يكون الاستبداد الاقتصادي السبب الرئيس في العنف القائم من البشرية على البشرية، ويتمثل هذا الاستبداد في تغول السوق الرأسمالية على الدول والمجتمعات في العالم، وصناعة الأسلحة أكبر دليل على ذلك؛ فلم يعد الصراع فقط من أجل البقاء (الحياة)، إنما تطور بشكل سلبي إلى الدمار وسيطرة الإنسان على الإنسان، وذلك بفعل الطاقة الحيوية التي يمتلكها الإنسان، والذكاء والوعي، قد يكون هذا الذكاء منبثقاً من الكون ذاته، يتلقاه الإنسان بذبذبات دماغية متصلة بالطاقة الكونية، فيستخدمها لمنافعه الشخصية.

القاسم المشترك بين الإنسان والطبيعة؛ هو العنف، لكن بفارق بسيط، فعنف الطبيعة غير مقصود، كالعواصف والزلازل والبراكين، وحرب النجوم والنيازك، والأوبئة والفيروسات، كما يحدث الآن في جائحة "كورونا" والتعاطي معها من قِبل الإنسان، وهنا تكمن علاقة الإنسان بالطبيعة، في طريقة التعاطي في حالات الحرب الطبيعية والسلم الطبيعي.

اقرأ أيضاً: تزايد العنف ضد المرأة في مصر في ظل رخاوة القوانين

قد يكون هذا العنف لإعادة التوازن الطبيعي، أو "التنظيم الذاتي" كما أسماها موران، لكنه تنظيم عشوائيّ "طبيعيّ"، لأنّ الطبيعة لا تمتلك عقلاً مدبراً أو مبدعاً، إنّما تمتلك القدرة على التحمل أو عدمه، أما العنف البشري؛ فهو مقصود بامتياز، باعتبار العنف بمختلف أشكاله هو "الرُّسابة الطبيعية (الغريزية) في الحياة المدنية، الرسابة المنقوشة في خافية الأفراد والجماعات، أو لا وعيهم، وفي ذاكرتهم "التاريخية" أيضًا" كما وصفه الباحث السوري جاد الكريم الجباعي.

ومن المعروف، في كل مكان وزمان أنّ الأفراد لا يلجؤون إلى العنف، حينما يختلفون، إلا عندما يعجزون عن التواصل الإنساني، ويفقدون القدرة على النقاش والحوار والتفاهم، للتوصل إلى حلول مناسبة لخلافاتهم، وهو نكوص من الحالة المدنية إلى البدائية أو إلى الحالة الغريزية المترسبة في اللاوعي الجمعي، وهذه العلاقة بين الإنسان والرواسب الطبيعة، هي علاقة معقدة وغامضة، وغير منسجمة، عدائية وهائجة، وإلاّ ما الذي يدعو الإنسان لقطع الأشجار في بعض المجتمعات، التي هي ثروة طبيعية مدهشة؟

عنف اليوم نتاج المجتمعات التي تستهين بالحياة وتعيد إنتاج الظلم الجور والاستبداد والاستغلال

جرائم الإنسان على الأرض لا تُعد ولا تحصى، وتغوّله على الآخر أيضاً بسبب مصالحه التي تعنيه أكثر من حياة البشر وسلامة البيئة، وإلا كيف نفسر استثمار الدول في النزاعات والحروب، على نحو ما تستثمر في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها، بدلاً من الاستثمار في التنمية البشرية والاقتصادية والثقافية، للحد من الفقر والجوع والمرض والجهل والبطالة؟ وكيف نفسر قيام الشركات العالمية بصناعة الأسلحة الفتاكة وأسلحة الدمار الشامل، وتستغل أكبر العقول البشرية وأكثرها ذكاءً في تلك الصناعة؟

اقرأ أيضاً: كيف تُستغل الثقافة السائدة لتبرير العنف المجتمعي؟

هل سيدرك الإنسان في يومٍ ما حجم أخطائه وجرائمه على هذه الأرض؟ وهل يستطيع تنظيم ذاته ليعود إلى الانسجام والسلام مع الطبيعة ومع ذاته؟ هل سيدرك الإنسان يوماً ما هويته الإنسانية الخالية من العنف والتسلط والتعصب والاستبداد؟ سيظل الرهان معقوداً على الممكنات الأخلاقية للأسرة والفرد، ومن ثم، للمجتمع ومؤسساته التربوية والتعليمية والثقافية، وعلى إمكانات التنمية الإنسانية المبنية على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.

العنف المتفشي في عالم الإنسان اليوم ليس عنف الطبيعة، وليس ذلك العنف المغروز في الطبيعة البشرية، أعني العنف الغريزي، بصفته تعبيراً بدائياً عن حفظ الحياة وحفظ النوع، بل هو نتاج المجتمعات التي تستهين بالحياة، وتعيد إنتاج الظلم الجور والاستبداد والاستغلال.



الصفحة الرئيسية