لماذا يزداد الطلب على الفتوى في رمضان؟

941
عدد القراءات

2018-05-20

تتنوعُ المقارباتُ التي تُناقِشُ كيفيات مواجهة التطرف الديني، ويبدو شهر رمضان الكريم فرصة مواتية للتوظيف الجاد والمنهجي باتجاه تقديم نماذج من شأنها تحسين مضامين الخطاب الديني، وتعريضه لجرعات من الإصلاح القائم على أساس توسيع مساحات الحرية والعقلانية والبعد الأخلاقي والإنساني في الخطاب والمعرفة الدينية.

هذا التفاؤل بفرصة رمضان منوط بالمؤسسات الدينية ومنصات الوعظ والإرشاد والإفتاء، وكثيرٌ مما يصدر عنها يؤكد حاجتها الماسّة للإصلاح والمعالجة والمراجعة. هذا القول مرده إلى تصاعد الفردية في السنوات الأخيرة في المنطقة العربية، وتعدد أنماط التدين لدى الناس، والوعي بالتأويلات المتشعبة للنصوص والتعليمات الدينية. والحقيقة أنه ينبغي الاعتراف بأنّ ثمة قصوراً في استجابة السياسات الدينية الرسمية السائدة لهذا الصعود في الفردية وذاك الوعي المتشكل- في شكل أولي- باتجاه تنوع الخيارات التأويلية. الأمر بالطبع وثيق الصلة بفك الاشتباك في العلاقة ما بين التدين وزيادة الطلب على الفتوى؛ إذْ يتبدى أنّ تزايد الطلب على الفتوى في رمضان وكأنه يعكس تصاعداً في الحالة الإيمانية لدى شرائح كثيرة من المسلمين، وهذه الملاحظة ليست مُسَلَّمة، وإنما هي فرضية تتطلب التأمل والحوار والنقاش والأخذ والردّ.

التساؤل عن فتوى لكلّ خطوة يأتيها الإنسان يؤسس لتمديد تدخلات السلطة الدينية في الحيز الفردي للمواطنين

والواقع أنّ غَمْر الحياة بالفتاوى والتعليمات والأوامر والنواهي وتكييف الطبيعة الإنسانية وفقاً لها إنما يقف على الضدّ من تحرير الإنسان والثقة به، وهو مقصد أيّ إصلاح ديني حقيقي.  ومن يتابع البرامج الدينية التي تعرضها الشاشات والإذاعات العربية في شهر رمضان، وخصوصاً تلك المتعلقة بالفُتيا وإجابات المشايخ والمفتين عن استفسارات الجمهور، قد يخرج بنتيجة تذهب إلى أنّ التساؤل عن فتوى لكلّ خطوة وحركة وسكنة يأتيها الإنسان، والتساؤل عن النوايا وما قبل النوايا، إنما يؤسس لتمديد تدخلات السلطة الدينية في الحيز الفردي للمواطنين، ويُرسخ عقدة "التأثيم" و"الشعور الدائم بالذنب" لدى المتدينين، وهو ما يتعاكس أيضاً مع مقصد الإصلاح الديني المرتجى منه حماية الإنسان من سوء استخدام السلطة أو استبدادها (دينية أو سياسية أو اجتماعية)، والمرتجى منه أيضاً أن يتجه الإنسان لأن يكون أخلاقياً ومدبّراً وجاداً ونزيهاً ولا يضرّ نفسه والآخرين أكثر من اتجاهه لأن يكون طقوسياً فقط، مُفرِّطاً بالقيم الكبرى السابقة الذكر.

ويمكن القول إنّ جزءاً مطلوباً من إصلاح السلطات والمجتمعات للمؤسسات الدينية الرسمية يكمنُ في إشاعةِ مفهومٍ للإيمان لا يُربَطُ تصاعُدُه بزيادةِ الطلبِ على الفتوى في كلّ صغيرة وكبيرة، وبما يعطّل الطبيعة والعقل والإرادة الإنسانية، بل يُربَطُ بمتانة الوازع الضميري والجانب الأخلاقي والذوق الإنساني والمحبة والتضامن والخيرية والإنجاز.

أميلُ إلى الاعتقاد بأنّ التديّنُ الوِسواسيّ يُكثِرُ الطلبَ على الفتوى، والمؤسسةُ الدينيةُ التي لا يضيرها ذلك السلوك الديني، بل تراه ترسيخاً لسلطتها ومكانتها ودورها، غيرُ مؤهلةٍ للتجديد الديني، وهي عقبة أمامه؛ لأنها تُقدّمُ فهماً للإيمان والتديّن يقومان على الهشاشة وعدم الثقة بعقل الإنسان وقلبه؛ لدرجة أنه لا يعرف إذا ما كانت فرحة الأطفال ولعبهم، مثلاً، في "حق الليلة" (ليلة المنتصف من شعبان التي يحتفل بها الأطفال الخليجيون) جائزة أم لا، أو إذا ما كان تقديم التهنئة بمجيء شهر رمضان وقول "رمضان كريم" مباحاً أم خارج المسِطرة الدينية!!

أليس يَبتدِئُ التشددُ والتطرفُ الدينيّ بالرغبة في محاسبة الناس على سلوكهم وتطويعهم على مثالٍ ونسخةٍ واحدة ووحيدة في التديّن؟ أليس التطرفُ إيماناً بأنّ ثمة طرفاً واحداً هو فقط من يملك الحقيقة والطريق إلى الهُدى؟ أليس التطرفُ إعادة محاكمةٍ لكلِّ ما هو عاديّ وفطريّ ويتشارك أصحاء العقول على وصفه بالبديهي؟

غَمْر الحياة بالأوامر والنواهي يقف على الضدّ من تحرير الإنسان والثقة به، وهو مقصد أيّ إصلاح ديني حقيقي

إنّ  فرصة رمضان، بما هو شهر للرحمة والمغفرة والتكافل والسمو الروحي ونشر المحبة والسكينة، تستدعي دفع المؤسسات الدينية لتبني خطابٍ ديني يبتعد عن الترويج لصورة الإنسان القاصر والمُصاب بالوسوسة من الذنب، والجاهل بما ينفعه وغير القادر على معرفة الصواب من الخطأ، والجميل من القبيح.

الإنسانُ القاصِرُ يُنتِج إيماناً خَداجاً ينجذب لقيمٍ دينية قد تؤسس للاستبداد والعنف والكراهية والطفولة الفكرية. والإيمانُ الراشدُ، يُسهم في إنتاجه مؤسسةٌ دينيةٌ راشدةٌ تقول للناس إنّ الإيمانَ الأكثرَ يكمن في أنْ يكونوا إنسانيين أكثر... وأحراراً أكثر.

اقرأ المزيد...

الوسوم: