لماذا يتهم الرئيس التونسي "النهضة" وحلفاءها بالخيانة؟

لماذا يتهم الرئيس التونسي "النهضة" وحلفاءها بالخيانة؟

مشاهدة

28/10/2021

تزايدت حدة تصريحات الرئيس التونسي، قيس سعيّد، ضدّ بعض الأطراف الداخلية، من اللجوء للخارج، واتهمها بالخيانة، في محاولة وصفها بالـ" يائسة "لفرض ضغوط خارجية، تطالب سعيّد بالعودة إلى المسار الديمقراطي، وإعادة المؤسسات التشريعية للعمل بعد ثلاثة أشهر مضت على إعلانه إجراءات في مواجهة ما رأى أنّه خطر داهم يهدّد كيان الدولة.

اقرأ أيضاً: التونسيون يرحبون: 10 نساء في حكومة تقودها امرأة

ويتهم التونسيون حركة النهضة، والرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، الذي حكم تونس خلال فترة الترويكا التي تقودها النهضة، بالهرولة للاستقواء بأطراف أجنبية والضغط على الرئيس سعيّد للتراجع عن قرارات 25 تموز (يوليو)، وبالعودة إلى المسار الديمقراطي، وإعادة المؤسسات التشريعية للعمل والسماح بعودة عمل البرلمان، معتبرين أنّ تتالي دعوات النهضة الإسلامية وحليفها قلب تونس إلى التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي للبلاد، إنما من أجل إعادتها إلى سدة الحكم أو فرض حلول لا تخدم مصلحة الشعب، وهو ما يجعلها محلّ اتهام  بالعمالة واللاوطنية.

تحركات النهضة لدعم حلفائها

وتسعى حركة النهضة الإسلامية، بمساعدة حلفائها، عبر تضخيم حملاتها الدعائية ضدّ الرئيس التونسي، للترويج إلى أنّ سعيّد انقلب على الدستور وعطل مؤسسات الدولة، ولم ينجز شيئاً سوى منح نفسه المزيد من الصلاحيات، فيما وصف الرئيس الأسبق، المنصف المرزوقي، النظام الرئاسي بتونس، خلال وقفة احتجاجية في فرنسا السبت الماضي، بـ "الدكتاتوري".

ودعا المرزوقي  الحكومة الفرنسية للتصدي لما وصفه بـ ''الانقلاب''، وحثّ على ضرورة إلغاء القمة الفرنكوفونية في تونس، التي كان يُفترض تنفيذها في تشرين الثاني (نوفمبر)، وقال في حوار مع "فرانس 24": ''أنا أفتخر بنجاحي في إحباط عقد القمة الفرنكوفونية ''، معتبراً أنّه تمّ تخوينه في عهد بورقيبة ثمّ في عهد بن علي وتمّ تخوينه في عهد سلطته.

وعقب هذه التصريحات، أعلن الرئيس قيس سعيّد؛ أنّه سيسحب جواز السفر الدبلوماسي من المرزوقي، وقال في اجتماع لمجلس الوزراء: "تعلمون كيف ذهب أحدهم إلى الخارج يستجديه لضرب المصالح التونسية، وأقولها اليوم، الذي قام بهذا سيُسحب منه جواز السفر الدبلوماسي لأنّه في عداد أعداء تونس"، وذلك في إشارة إلى المرزوقي.

ودانت 22 جمعية تونسية، في بيان مشترك؛ "استمرار تحريض دول أجنبية على التدخل في الشؤون التونسية وتصاعد الاعتداءات على الصحفيين"، وحذّرت الجمعيات في بيان مشترك من تمادي عدد من الأحزاب والشخصيات السياسية، آخرها الرئيس الأسبق، منصف المرزوقي، أثناء مظاهرة في العاصمة الفرنسية، في تحريض دول أجنبية على التدخل في شؤون تونس وانتهاك سيادتها، بسبب ما وصفته ﺑ "انقلاب" الرئيس قيس سعيّد على الدستور، وجُنوحه إلى "الانفراد بالسلطة".

اقرأ أيضاً: هل أعلن قيس سعيّد وفاة مشروع الإسلام السياسي في تونس؟

ولفت البلاغ إلى ما "قامت به حركة النهضة وحلفاؤها، وما تزال تقوم به، من حملات متواصلة لتضليل وتأليب الرأي العام العالمي، خاصة الكونغرس والإدارة الأمريكية ضدّ تونس"، فيما لفت عضو المكتب السياسي لحركة الشعب، حافظ السواري، إلى أنّ هؤلاء لا تعنيهم الديمقراطية كنمط حكم إنما تعنيهم كوسيلة للسيطرة والابتزاز، مشدّداً على أنّ الديمقراطية التونسية لها شعب يحميها ولن يرضى بعودة القمع وتكميم الأفواه.

وقال السواري: كلّ القوى التي راهنت على التدخلات الأجنبية لحسم خلاف سياسي في تونس انقرضت من الساحة السياسية، وما تقوم به حركة النهضة، بمعية حلفائها الموضوعيين، هو دفع نحو الصراع إلى منتهاه، والاستعانة بالأجنبي هي استخفاف بمشاعر التونسيين وبتاريخهم المقارع للاستعمار والتبعية التي لم تخلّف إلا الذلّ والهوان، بحسب تعبيره.

وأكّد أنّ الدعوات الصادرة من هنا وهناك من أجل الضغط على تونس ووصلت حدّ طلب منع المساعدات الطبية لشعبنا، الذي يواجه جائحة كرونا، تعدّ قمة العمالة والولاء الأعمى للقوة الدولية، معتبراً أنّ هذه الدعوات ليست خوفاً على الديمقراطية، إنّما طلب حماية وهرب من المحاسبة لما اقترفوه طيلة سنوات من نهب وتخريب الاقتصاد الوطني وتمييع الحياة السياسية .

وكان النائب المجمد أسامة الخليفي، عن حزب قلب تونس، قد زعم في مداخلة، خلال أعمال المؤتمر العالمي الخامس لرؤساء البرلمان، المنعقد في النمسا؛ أنّ "تونس تعيش على وقع انحراف دستوري وقانوني خطير"، في إشارة إلى إجراءات تصحيح المسار التي اتخذها الرئيس التونسي، في الخامس والعشرين من تموز (يوليو) الماضي.

المنظمة الشغيلة تحذّر النهضة

تبعاً لذلك، وجّه الأمين العام لاتحاد الشغل، نور الدين الطبوبي، خطاباً شديد اللهجة لراشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، داعياً إياه إلى عدم الاستهانة بالشعب التونسي، معتبراً أنّ "الشعب التونسي هو صاحب السيادة وصاحب الإرادة وأنّ الانتخابات هي وسيلة من وسائل ممارسة هذه الإرادة".

كما حذّر الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية) مما وصفه بـ "الاستقواء بالأجنبي" على خلفية دعوة نائبين كلفهما راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، بالمشاركة في أعمال الاتحاد البرلماني الدولي بالنمسا، إلى التدخل العاجل لتقويض قرارات الرئيس قيس سعيّد بتجميد البرلمان.

الاتحاد العام التونسي للشغل: التدخلات الأجنبية مساس بالسيادة الوطنية وتكريس لنزعة استعمارية بائدة تسعى إلى تقديم دروس فاشلة في الديمقراطية

ودان الاتحاد، في مناسبة سابقة، لجوء قيادات من حزب حركة النهضة إلى الاستقواء بجهات أجنبية وتحريضها ضدّ البلاد، وصلت حدّ الدعوة إلى قطع إمدادها باللقاحات. وعبّر عن رفضه لتدخل بعض الدول في الشأن الداخلي التونسي بمنطق الوصاية.

ويرى في هذا السياق المحلل السياسي، عبد الجبار المدوري، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ الاتهامات التي وجهها قيس سعيّد لبعض خصومه السياسيين، خاصّة الرئيس الأسبق، المنصف المرزوقي، بالاستقواء بالأجنبي، تعكس حجم الضغوطات الخارجية التي باتت تتصاعد على نظامه، منذ 25 تموز (يوليو) الماضي، لإجباره على الاستجابة لمطالب معارضيه بضرورة العودة للحياة الدستورية ووضع ضمانات بعدم الاستمرار إلى ما لا نهاية في الوضع الاستثنائي.

 المحلل السياسي، عبد الجبار المدوري: الاتهامات التي وجهها قيس سعيّد لبعض خصومه السياسيين، خاصّة الرئيس الأسبق، المنصف المرزوقي، بالاستقواء بالأجنبي، تعكس حجم الضغوطات الخارجية التي باتت تتصاعد على نظامه

و شدّد المدوري على أنّ بعض القوى العالمية والإقليمية تحاول استغلال الضغوط الخارجية لإجبار سعيّد على تغيير موقفه من التطبيع مع الكيان الصهيوني؛ لأنّ هذه القوى لا تهمها الديمقراطية في تونس بقدر ما تهمها رعاية مصالحها في المنطقة.

وأضاف المدوري: غضب قيس سعيّد من استقواء البعض بالأجنبي وسعيهم لضرب مصالح تونس في الداخل والخارج يعبّر عن اتساع رقعة جبهة المعادين له نتيجة تباطئه وعدم وضوحه وجنوحه للتهجم على معارضيه، وعدم تفاعله مع دعوات الحوار، بما في ذلك الصادرة عن بعض الأحزاب والقوى السياسية المساندة له.

أعداء الوطن وحرب الوصاية

هذه الاتّهامات بالخيانة والعمالة، والاستقواء بالخارج، والدعوات لسحب الجنسية وجواز السّفر، رآها أنصار حركة النهضة وحلفاؤها خلطاً متعمّداً بين التّآمر على مصالح البلاد ومعارضة خيارات الماسك بكلّ السلطات، غير أنّ أنصار قيس سعيّد يرون أنّ التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي خيانة للدولة التي خنقتها يد المافيا والفساد طيلة عقد من زمن حكم حركة النهضة حيث انتشر الإرهاب و الفقر والبطالة.

المحلل السياسي عبد الجبار المدوري لـ"حفريات": بعض القوى العالمية والإقليمية لا تهمها الديمقراطية؛ بل تحاول استغلال الضغوط الخارجية لإجبار سعيّد على تغيير موقفه من التطبيع

من جانبه، رأى الاتحاد العام التونسي للشغل؛ أنّ التدخلات الأجنبية "مساس بالسيادة الوطنية وتكريس لنزعة استعمارية بائدة تسعى إلى تقديم دروس فاشلة في الديمقراطية، في حين أنّها تصمت أمام ما تتعرض له تونس من تفقير وتداين، ومن تهديدات إرهابية في ظلّ حكم التحالف الحاكم الذي استجار بالدول الخارجية بدعوى الدفاع عن الديمقراطية".

 المحلل السياسي، بسام حمدي: التدخلات الأجنبية سواء كانت من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية التي تناصر جرحى إجراءات 25 تموز (يوليو) الماضي، كانت مغلفة بغايات سياسية

ويعتقد المحلل السياسي، بسام حمدي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ التدخلات الأجنبية سواء كانت من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية التي تناصر جرحى إجراءات 25 تموز (يوليو) الماضي، كانت مغلفة بغايات سياسية؛ حيث إنّ الوعود التي تلقتها واشنطن من الأحزاب التي كانت تحكم في الفترة السابقة بإمكانية تطبيع تونس مع الكيان الصهيوني، هو ما يدفع أمريكا للانتصار لحركة النهضة وحلفائها.

وفيما يخصّ تدخل الاتحاد الأوروبي، يضيف حمدي؛ أنّ غاياته الكبرى مرتبطة بمصالحها الاقتصادية باعتبار أنّ كثيرين ممن تقلدوا مناصب الدولة كانوا يخدمون مصالح هذه الدول، سواء من حيث تقديم الخدمات للمستثمرين، أو عبر منح أولوية لدول الاتحاد الأوروبي وغلق الباب أمام التنين الصيني، فيما تتظاهر بأنّ تونس هي الشريك المتميز للاتحاد الأوروبي، والحال أنّ تونس لا تستفيد بما يكفي من هذه الشراكة. 

ويؤكد حمدي؛ أنّ التدخلات الأجنبية كانت محاولة لتطويع رئيس الجمهورية التونسي من أجل مواصلة فرض الخيارات والإملاءات التي كانت تفرضها هذه القوى الأجنبية على تونس منذ زمن حكم الراحل، زين العابدين بن علي، مشيراً إلى أنّ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية يخشيان من توجه حكومة الرئيس التونسي في سياسته الدبلوماسية الاقتصادية إلى الصين وبعض الدول الاقتصادية الأخرى.



الصفحة الرئيسية