لماذا عجزت الألتراس عن تنظيم روابطها سياسياً؟

لماذا عجزت الألتراس عن تنظيم روابطها سياسياً؟

مشاهدة

28/06/2021

برزت روابط الألتراس، بصورة لافتة ومؤثرة، في سنوات ما بعد الربيع العربي؛ إذ صعدت إلى ميادين السياسة، وانخرطت في الحوادث المختلفة التي جرت تباعاً، كما ارتبطت بها بعض مشاهد العنف، وقد تعرضت لإدانات وأحكام قضائية في مصر. كان الظهور الأول والرسمي لهذه المجموعات الشبابية بمصر، عام 2007، مع احتفال النادي الأهلي بمئويته الأولى، ثم مع اندلاع الثورة المصرية، في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2011، ظهرت هذه القوى التي لم يسبق لها أيّ نشاط سياسي معلن في الفضاء العام، ضمن الاحتجاجات بميدان التحرير، الأمر الذي بعث جملة من الأسئلة حول طبيعة وماهية هذه القوى الشبابية، وارتباطاتها، ومعرفة تكويناتها، ومدى تجانسها السياسي والاجتماعي.

الألتراس.. مستقبل روابط التشجيع

"ألتراس" باللغة اللاتينية تعني التشجيع المفرط والانتماء والولاء الشديدَين، لكن هل يمكن أن تكون هذه المعاني التي تعكس درجة غير محدودة من الحماسة ومن الانفعال الذي لا يهدأ، لمدة تسعين دقيقة متواصلة، خلف حركة الكرة الدائرية في ملعب أخضر مستطيل، وحدها السبب في اصطدام الشباب المنتمين لروابط الألتراس مع قوى الأمن بصورة متكررة وتقليدية؟

بدأ الظهور الأول والتأسيسي لمجموعات الألتراس، في أربعينيات القرن الماضي، مع الدوري البرازيلي

كما أنّ هناك أسئلة أخرى تتصل بالهتافات السياسية التي عبّر عنها بعض هؤلاء، بعد أن كانت تحليلات بعض المراقبين تشير إلى أنّ انبعاث هذه المجموعات، التي تبدو عفوية، بمثابة نفور من السياسة، وتعكس، بالدرجة نفسها، غياب فعالية وتأثير التنظيمات التقليدية، في حين يراها آخرون ردّ فعل من قوى الهامش والأطراف على المركز وهيمنته، بسردياته وقوانينه.

للألتراس هيكل تنظيمي خاص يفرض النظام على أعضائه داخل المدرج وخارجه، وعلى رأسه 3 قادة يسمون "كابوهات"، يحركون المدرج بالهتافات ويتولون الأمور المالية وتنظيم العضوية

تاريخياً، بدأ الظهور الأول والتأسيسي لمجموعات الألتراس، في أربعينيات القرن الماضي، مع الدوري البرازيلي، ثم في ستينيات القرن الماضي في إيطاليا، وبعدها توزعت الظاهرة في كافة أنحاء أوروبا وأمريكا الجنوبية. وفي الشرق الأوسط، سجلت، في تونس، أول رابطة لمشجعي كرة القدم، في التسعينيات، ومن بين التعريفات التي ارتبطت بها "مجموعات المتطرفين والمتعصبين".

اقرأ أيضاً: الألتراس.. مدرجات الملاعب إذ تصدح بصوت المقهورين

في كتابه "دولة الألتراس"، للصحفي المصري الدكتور ياسر ثابت، يلفت إلى أنّه في أعقاب الربيع العربي، في نسخته المصرية، برزت روابط التشجيع الرياضية باعتبارها تجربة مزجت بين الرياضة والسياسة، موضحاً أنّه "منذ ذلك الحين، تحوّلت ظاهرة الألتراس في مصر من ظاهرة رياضية تجمع مشجعي الأندية الرياضية وترغب في مساندة فرقها، إلى ظاهرة سياسية بامتياز، واكتسبت المنافسات الرياضية نكهة سياسية واضحة، ليس فقط بين الجماهير، بل بين مجموعات الألتراس المختلفة، من ناحية، وقوات الشرطة المصرية، من ناحية أخرى".

الربيع العربي ومحاولات أسلمة الألتراس

ويلمح ثابت إلى محاولات توظيف الألتراس، وتعبئة عناصرهم في اتجاهات سياسية أو أيدولوجية معينة، لتحقيق أغراض محددة؛ وهو الأمر الذي تكشف مع المعلومات التي تحدثت عن استقطابهم بهدف أسلمة هذا التيار، مضيفاً أنّ "مصر شهدت، تدريجيـاً، ظهور مجموعات حاولت الربط بين الألتراس وقوى وأحزاب الإسلام السياسي، كما سعت إلى إخضاع مستقبل الألتراس لتجاذبات ذلك التيار".

غلاف كتاب "دولة الألتراس"، للصحفي المصري الدكتور ياسر ثابت

ومن بين هذه القوى الإسلاموية التي حاولت جذب الألتراس لها، بحسب الصحفي المصري؛ حركة "حازمون"، التي استهدفت "وايت نايتس"، وهي رابطة ألتراس التي تشجّع نادي الزمالك المصري، بينما استهدفت جماعة الإخوان "ألتراس أهلاوي".

ويرى ثابت في كتابه أنّ "مدى نجاح تلك المساعي يظلّ في حاجة إلى مزيد من الوقت للحكم على مدى نجاحه أو فشله، في وطن يعيش مرحلة إعادة ترتيب البيت من الداخل، وإعادة رسم التحالفات في ضوء التغيرات المتلاحقة التي نصحو على وقعها في مصر كل صباح. ولعل الصراع الدائر بين تياري الإسلام السياسي والمدني لاستقطاب روابط الألتراس، هو أبرز التحديات التي ينتظر أن تواجهها حركات الألتراس في مصر خلال الفترة المقبلة".

اقرأ أيضاً: التعصب الأعمى: كيف أفسدت ثقافة "الألتراس" الحياة الاجتماعية المصرية؟

ومنذ نشأتها، تحرص مجموعات "الألتراس" في مصر على تصدير صورة أنّها حركة رياضية مخصصة لتشجيع فريقها، وليست لها أيّة اتجاهات سياسة، وفق الصحفي المصري، أحمد البرديني، موضحاً لـ "حفريات": "لكنّها فتحت الباب أمام أعضائها لممارسة السياسة بشكل مستقل، وجاء هذا التأكيد قبل تظاهرات 25 يناير لعدم الدخول في صدام مع أجهزة الأمن".

الألتراس ليس بديلاً عن الأحزاب

ولذلك تبقى عودة "الألتراس" إلى المدرجات من جديد مرهونة بقبولها شروط الدولة في عدم إقحامها السياسة داخل المدرجات، بحسب البرديني.

ويردف: "للألتراس هيكل تنظيمي خاص يفرض النظام على أعضائه داخل المدرج وخارجه، وعلى رأسه 3 قادة يسمون "كابوهات"، يحركون المدرج بالهتافات ويتولون الأمور المالية وتنظيم العضوية مع رؤساء "السكاشن"، أي الأقسام، هؤلاء يتم توزيعهم بحسب الأحياء".

الباحث المصري في العلوم السياسية محمد ربيع الديهي

ويقول الباحث المصري في العلوم السياسية، الدكتور محمد ربيع الديهي: "في البداية يجب أن نعلم أنّ ظاهرة الألتراس ارتبطت في بداية ظهورها بالرياضة وتشجيع الأندية، سواء كان هذا الأمر في مصر أو في مختلف أقطار العالم؛ ولكن مع الربيع العربي بدأت عناصر قوية تتدخل في منظومه عمل الألتراس، بينما تحاول بشكل أو بآخر جرّ هذه العناصر والقوى التي تقوم بالتشجيع والهتاف الرياضي إلى أبواب وساحات السياسة، على اعتبار أنّ أغلب  أعضاء الألتراس هم من قوى الشباب التي يمكن استغلالها وتحريك الغضب في المجتمعات العربية".

الباحث المصري محمد ربيع الديهي لـ"حفريات": الألتراس لم تؤدِ دوراً سياسياً بالمفهوم الحقيقي داخل أيّة دولة عربية، حتى الآن، بالرغم من وجود رابطة تنظيمية للأعضاء

وبحسب الديهي، فهذه الروابط المشجعة لنواديها، وتبرز درجة قصوى من التعصب "لم تؤدِ دوراً سياسياً بالمفهوم الحقيقي داخل أيّة دولة عربية، حتى الآن، بالرغم من وجود رابطة أو حركة تنظيمية للأعضاء، كما أنّهم لم يلعبوا أيّ دور سياسي قوي يذكر لهم، سوى المشاركة في بعض الاحتجاجات وأعمال العنف في بعض الدول".

ومن هنا "يمكن لنا أن نرجح أنّ هذه الظاهرة، والتي يمكن أن تستغل سياسياً، يصعب عليها تبني الدور الذي تلعبه الأحزاب والتكتلات السياسية الأخرى في حياة سياسة خاصة، كما أنّ الأحزاب والتكتلات السياسية لها طبيعتها التنظيمية المختلفة، وأدبيات مغايرة، وآليات عمل ونشاط في المجال العام، تجعل من الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين مؤثرين بصورة مختلفة.

ويلفت الباحث المصري إلى أنّ الأجواء العامة الراهنة، محلياً، لا تساهم في صعود جديد للألتراس، إنما تشهد التجربة أفولاً تامّاً؛ إذ ارتبط اسم "الألتراس" لدى المواطن العادي والنخبة السياسة بأعمال شغب وعنف؛ وهو الأمر الذي يقلل من فكرة أن يتمكن الألتراس من الحصول على تعاطف أو يجد حاضنة مجتمعية تدعمه، بالتالي، لن يكون بمقدوره تشكيل أيّ بديل سياسي أو اجتماعي، ولكن من المحتمل أن يتم استغلاله وتوظيفه في بعض الدول ليشكل ضغوطاً على الدولة، أو أن يدعم ويساند فصيل معين.

الصفحة الرئيسية