لماذا خرج إخوان سوريا عن خط الدعم الإخواني لإيران؟

لماذا خرج إخوان سوريا عن خط الدعم الإخواني لإيران؟

لماذا خرج إخوان سوريا عن خط الدعم الإخواني لإيران؟


22/03/2026

أثارت الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية على إيران التي بدأت في شهر شباط/فبراير الماضي ردود فعل داخل جماعة الإخوان في مصر، حيث أصدرت جبهات الجماعة الثلاث بيانات تدين الاعتداء على الجمهورية الإيرانية وزيادة النفوذ والتمدد الأمريكي/الإسرائيلي في المنطقة، لكنّ جماعة الإخوان في سوريا خرجت عن هذا الخط الذي اتخذته الجماعة الأم في مصر، فقد أصدرت بيانًا عبّرت فيه عن موقفها المعارض لطرفي الحرب واصفة إيّاهما، إسرائيل وإيران، بأنّهما "طرفا الإجرام في المنطقة".

هذا الموقف لإخوان سوريا يثير التساؤل حول أسباب الخلاف بينهم وبين موقف جماعة الإخوان الأم في مصر، وهو السؤال الذي نحاول الإجابة عنه من خلال هذه المساحة.

العلاقة التاريخية بين الإخوان وإيران

على الرغم من الخلاف المذهبي بين جماعة الإخوان كحركة إسلامية سنّية وبين نظام ولاية الفقيه الحاكم في إيران الذي يمثل حركة إسلامية تعتنق المذهب الشيعي، إلا أنّه يوجد العديد من المشتركات الفكرية والتنظيمية بين الحركتين، ويوجد علاقات شخصية بين رموز الحركتين تعود جذورها إلى زمن حسن البنا، ويوجد كذلك علاقات تأثر متبادلة فيما بينهما؛ فوفقًا لما ذكره الباحث محمد الدابولي في دراسته حول الجذور المشتركة بين جماعة الإخوان وإيران، فإنّ أول لقاء تم بين رموز من كلا الجانبين كان ذلك الذي تم في ثلاثينيات القرن العشرين بين البنا والخميني أثناء زيارة الأخير للقاهرة، حيث جمع بينهما بعض المشتركات التي جعلت الحركة الإسلامية في إيران تتأثر بجماعة الإخوان، وتحاول أن تسنسخ تجربتها التنظيمية، ومن أبرز هذه المشتركات أنّ كليهما يسعى إلى تغيير المجتمع انطلاقًا من إيديولوجيا دينية ويسعى إلى إقامة دولة إسلامية، كما أنّ كليهما له أهداف توسعية تتمثل في أن تمتد تلك الدولة لتشمل كامل العالم الإسلامي، وقد تعددت اللقاءات فيما بعد بين رموز من جماعة الإخوان والحركة الدينية في إيران كان أبرزها لقاء رجل الدين الشيعي نواب صفوي بسيد قطب في بداية خمسينيات القرن العشرين.

ومن مظاهر تأثر الحركة الإسلامية في إيران بجماعة الإخوان على مستوى الفكر أنّ الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" نقل العديد من أفكار البنا حول الدولة الإسلامية، وقام المرشد السابق للثورة الإيرانية علي خامنئي بترجمة ثلاثة كتب لسيد قطب إلى الفارسية، هي: في ظلال القرآن، ومعالم في الطريق، وهذا الدين، ومن مظاهر التأثر على مستوى التنظيم قيام نواب صفوي بتأسيس منظمة "فدائيان إسلام" على نحو يتشابه بشكل كبير مع تنظيم جماعة الإخوان. 

وقد ازدادت هذه العلاقة بين جماعة الإخوان والحركة الدينية في إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية في العام 1979م، حيث رأى العديد من التيارات والحركات الدينية في ذلك الحين، ومنها جماعة الإخوان، أنّ هذه الثورة هي نجاح للنموذج الذي تسعى إليه هذه الحركات، وأنّها تمثل مصدر إلهام لها تمنحها الأمل في أنّ الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه، وهو نموذج الدولة الإسلامية، يمكن تحقيقه في الواقع، وكانت تلك الحركات تعوّل بشكل كبير على النظام الجديد في إيران ليكون داعمًا لها على اعتبار أنّهم ينتمون إلى إيديولوجيات تحمل العديد من المشتركات فيما بينهم، كما كان وفد جماعة الإخوان من أوائل الوفود التي وصلت إلى إيران بعد نجاح الثورة من أجل التهنئة وتعزيز العلاقة مع النظام الجديد، واستمر هذا التقارب مع الوقت، لكنّه تأثر طوال تلك الفترة بسبب بعض ممارسات إيران في المنطقة العربية وبعض أفكارها التي كشفت عن عمق الخلاف الديني بين السنّة والشيعة، إلا أنّ الأمر لم يتحول إلى قطيعة أو عداء مع جماعة الإخوان باستثناء إخوان سوريا.

العداء بين إخوان سوريا وإيران

أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بيانًا في الثامن من شهر آذار/مارس 2026م تدين فيه الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن، وكان لها بيانات سابقة خلال الهجوم الإسرائيلي على إيران في شهر حزيران/يونيو من العام 2025م، حيث أعلنت تبرؤها من دعم جماعة الإخوان في مصر لإيران في هذه الحرب واصفة النظام الإيراني بأنّه يمتلك مشروعًا إجراميًا تسبب في تدمير العراق والشام واليمن وتهجير ملايين العرب والمسلمين، ووصفت إسرائيل وإيران بأنّهما "طرفا الجريمة"، وأنّهما يتصارعان على النفوذ والهيمنة في المنطقة لإذلال الناس وتبديل دينهم.

ويعود هذا الموقف الذي يتخذه إخوان سوريا إلى خصوصية التجربة السورية فيما يخص علاقتها مع إيران، فهذا الموقف له جذور تاريخية تعود إلى الفترة التي تلت نجاح الثورة الإيرانية في العام 1979م وتشكل على إثرها نظام حاكم جديد ينتمي إلى المذهب الشيعي ويقيم دولته على أساس ديني، فرغم أنّ الطائفة العلوية، وهي طائفة شيعية، هي التي كانت تحكم سوريا منذ عهد حافظ الأسد حتى عهد بشار الأسد، إلا أنّ هذا الأمر لم يكن هو العامل الرئيس في ذلك التقارب والدعم المتبادل الذي كان بين النظامين السوري والإيراني، حيث كان يجمع بينهما مصالح سياسية أخرى، فقد كانت سوريا أول دولة عربية تعترف بالحكومة المؤقتة لرئيس الوزراء مهدي بازركان بعد الإطاحة بالشاه، وبعدها تم عقد مجموعة من الاتفاقيات الثنائية بين الدولتين بشأن النفط والتجارة، واتفاقية سرية بشأن الشؤون العسكرية، وكان هناك دعم متبادل بين الدولتين خلال الحرب الأهلية اللبنانية والحرب الإيرانية العراقية، وظلت إيران مستمرة في دعمها لنظام الأسد بعد مجزرة حماة ضد جماعة الإخوان في العام 1982م ولم تقم بإدانتها ودعم الجماعة كما كانت تتوقع حينها، وهو ما كان له أثر كبير في تغير موقف الإخوان في سوريا من إيران وصل إلى مرحلة من العداء، وازداد عمقه بعد الممارسات الإيرانية في سوريا بعد الثورة في العام 2011م.

في كتابه "الخمينية شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف" يقدّم أحد أبرز قيادات ومنظري جماعة الإخوان في سوريا سعيد حوّى انتقاداته إلى النظام الحاكم في إيران بعد الثورة الإسلامية بصورة تكشف عن طبيعة الموقف الإخواني في سوريا من النظام الإيراني، فيقول: "أعلن الخميني في الأيام الأولى من انتصاره أنّ ثورته إسلامية وليست مذهبية، وأنّها لصالح المستضعفين ولصالح تحرير شعوب الأمة الإسلامية عامة ولصالح تحرير فلسطين خاصة، ثم بدأت الأمور تتكشف للمخلصين، فإذا بالخميني هذا يتبنّى كل العقائد الشاذة للتشيع عبر التاريخ، وإذا بالمواقف الخائنة للشذوذ الشيعي تظهر بالخميني والخمينية، فكانت نكسة كبيرة وخيبة أمل خطيرة".

وعلى ذلك يبدو منطقيًا هذا الموقف لجماعة الإخوان في سوريا من نظام ولاية الفقيه في إيران الذي يتسم بالعداء الشديد والمساواة بينه وبين إسرائيل في خطرها وضررها على الدول الإسلامية، والذي يمثل خروجًا عن الخط الرئيس لجماعة الإخوان في مصر الداعم لإيران، وهو ناتج عن خصوصية التجربة الإخوانية السورية من حيث العلاقة التاريخية بين إيران وسوريا التي كانت الجماعة أحد أبرز مكوناتها.   



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية