لماذا تصريحات تركيا "الناعمة" تجاه مصر "غير مقنِعة"؟

لماذا تصريحات تركيا "الناعمة" تجاه مصر "غير مقنِعة"؟

مشاهدة

20/09/2020

استنكر المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية حديث وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، مع قناة "سي إن إن ترك"، الذي تضمن "تناولاً سلبياً حول ما شهدته مصر من تطورات سياسية اتصالاً بثورة 30 حزيران (يونيو) 2013". وقال المتحدث، في بيان أصدرته وزارة الخارجية المصرية، أمس السبت، إنّ هذا "يؤكد استمرار التشبث بادعاءات منافية تماماً للواقع بهدف خدمة توجهات أيديولوجية"، حسب وكالة الأنباء الألمانية.

اقرأ أيضاً: تركيا ترغب في التقارب مع مصر... وهذا عرضها

وأكد المتحدث الرفض الكامل لهذا النهج، لافتاً إلى أنّ "الاستمرار في الحديث عن مصر بهذه النبرة السلبية، وفي الوقت نفسه بهذا القدر من التناقض، إنما يكرس افتقار المصداقية إزاء أي ادعاء بالسعي لتهيئة المناخ المناسب لعلاقات قائمة على الاحترام والالتزام بقواعد الشرعية الدولية".

وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو

يذكر أنّ أنقرة أطلقت، في الفترة الأخيرة، تصريحات "ناعمة" تحاول بها استمالة مصر، كان أبرزها وأكثرها إثارة للدهشة تصريحات ياسين أقطاي، مستشار رئيس حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي الحاكم في تركيا، التي قال فيها إنّ "علاقات تركيا مع مصر يجب أن تستمر، وأن يكون هناك تواصل بينهما، سواء بالنسبة لأزمة شرق المتوسط أو ليبيا، بغض النظر عن الخلاف السياسي بين (الرئيس رجب طيب) أردوغان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي". وذهب أقطاي، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط"، أبعد من ذلك، ليصف الجيش المصري بأنّه "جيش عظيم"، و"لا يمكن لتركيا أن تحاربه في ليبيا لأنّه جيش الشعب المصري".

محاولات الاستمالة

أما القاهرة فردّت على محاولات الاستمالة التركية بأنّها "لا تعير اهتماماً للأقوال، وإنما تنظر إلى الأفعال على الأرض"، حسب ما قاله وزير الخارجية المصري سامح شكري الذي ذكّر بأنّ التصريحات التركية "تكرّرت بصور مختلفة في السنوات السابقة، لكن الأفعال على الأرض كانت مناقضة تماماً للتصريحات"، وفقاً لـ"الشرق الأوسط".

ردّت القاهرة على محاولات الاستمالة التركية بأنّها لا تعير اهتماماً للأقوال، وإنما تنظر إلى الأفعال على الأرض

في سياق ذي صلة، قال ديفيد إغناتيوس، الكاتب في صحيفة "واشنطن بوست" إنّ بعض القادة العرب بات ينظر الآن إلى تركيا على أنها تهديد أكبر من إيران للاستقرار الإقليمي. وأضاف في تحليل نشرته الصحيفة الأمريكية أول من أمس أنّ الأتراك والقوات العميلة لهم كانوا في حالة تأرجح - في سوريا وليبيا والعراق.

 وكان وزير الخارجية المصري، سامح شكري، صرح أمام جامعة الدول العربية في 9 أيلول (سبتمبر) الجاري أن الممارسات والتدخلات التركية الصارخة في العديد من الدول العربية هي أهم التهديدات الناشئة على الأمن القومي العربي اليوم.

وزير الخارجية المصري سامح شكري

وعلى ما يبدو أنّ حكومة أردوغان تحاول، من خلال الحديث عن مباحثات مع مصر (لم تتوفر شروطها الجدية في الحقيقة)، إحداث شق في الجبهة الإقليمية والدولية الموحدة ضد أنقرة سواء في ليبيا أو في شرق المتوسط.

أين أصدقاء تركيا؟

وبحسب تحليل نشرته صحيفة "المونيتور" الأمريكية أول من أمس، فقد تركت السياسة الخارجية التركية في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان-القائمة على استخدام الإسلاميين-علاقات أنقرة مع العالم العربي في حالة من الفوضى؛ فلقد ولت الأيام التي افترض فيها أردوغان وأعضاء حزب "العدالة والتنمية" (AKP)  أنّ أيديولوجيتهم الإسلاموية ستقرب تلقائياً بين تركيا والأنظمة العربية.

ديفيد إغناتيوس: بعض القادة العرب بات ينظر الآن إلى تركيا على أنها تهديد أكبر من إيران للاستقرار الإقليمي

وأضافت الصحيفة: "استهدفت سياساته المنطقة في أعقاب الربيع العربي، والتي استندت في الغالب إلى دعم جماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها. وباستثناء قطر، التي من الواضح أنّ لديها أسباباً براغماتية للتقرب من تركيا، لم يتبق لأردوغان اليوم أي أصدقاء بين القادة العرب. وفي غضون ذلك، تضاعف عدد الأعداء والخصوم العرب لتركيا مقارنة بالوضع قبل عام 2002، عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة لأول مرة".

اقرأ أيضاً: اكتشاف حقل مصري جديد للغاز في المتوسط... هذه مكاسبه

وتابعت "المونيتور" بالقول: "إنّ القرارات الأخيرة التي اتخذتها الإمارات العربية المتحدة والبحرين لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ليست سوى أحدث انتكاسات لأنقرة في المنطقة التي كانت تهدف في السابق إلى لعب دور قيادي فيها". وبحسب الصحيفة الأمريكية، "تخشى أنقرة الآن من خسارة المزيد من الأرض السياسية في المنطقة؛ بالنظر إلى احتمال أن تختار دول عربية أخرى الانضمام إلى الإمارات والبحرين؛ على الرغم من أنّ تركيا اعترفت بإسرائيل منذ عام 1949 وأقامت علاقات دبلوماسية معها، وهي حتى الآن في عهد أردوغان تواصل إقامة علاقات على مستوى السفراء مع إسرائيل".

وفي إشارة ربما إلى تقصّد حكومة أردوغان العداء ضد دولة الإمارات قالت "المونيتور": "الغريب أنّ أنقرة لم يكن لديها تعليق رسمي على قرار البحرين اتباع الإمارات العربية المتحدة في إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل".

وتضيف "المونيتور" أنه "ليس من الصعب تخيل أنّ العديد من الأنظمة الحالية في الشرق الأوسط تعتقد أنّ أنقرة ستحاول دائماً استغلال أي فرصة تطرح نفسها لإحداث تغيير في النظام في المنطقة بما يتناسب مع مصالحها. كما دفع النفور المتزايد من تركيا مصر والإمارات للانضمام إلى التحالف الدولي المناهض لتركيا الذي ظهر في شرق البحر المتوسط، حيث تتنازع أنقرة وأثينا على حقوق التنقيب عن الطاقة"، بحسب الصحيفة.

اقرأ أيضاً: مغازلات تركيا لمصر: مبادرة مصالحة أم هروب من الخطر؟

وتنقل "المونيتور" عن أحمد تاسجيتيرين (Ahmet Tasgetiren) ، المعلق السياسي المخلص الذي دعم أردوغان في السابق لكنه يعارضه الآن، إلى أنّ "الإسلاموية" هي نهج أيديولوجي صالح للاستخدام بالنسبة لأردوغان، ومع ذلك، فإنه يتساءل عما إذا كان على تركيا، كدولة، أن تتبنى هذا النهج كأساس لسياستها الخارجية. ويضيف: "الإسلاموية على مستوى الأفكار يمكن أن توجد دائماً… ومع ذلك، يجب أن تكون لغة السياسة الخارجية أكثر مرونة". وكتب تاسجيتيرين في عموده في صحيفة "كرار" اليومية "من المهم أن تكون قادراً على الالتقاء والتحدث مع الجميع". وأضاف تاسجيتيرين: "بالتأكيد ليس بعلامة صحية أن تصبح دولة إسلامية بعيدة عن الدول الإسلامية التي تطور علاقاتها تدريجياً مع إسرائيل".

الإسلام الراديكالي

في السياق ذاته، قالت المحللة ليلا جليبرت في مقال نشره "معهد هدسون" تحت عنوان: (هل تأتي معاهدات السلام بالحرية الدينية في الشرق الأوسط؟) إنّ "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يواصلان مسيرتهما العدائية - وفي بعض الأحيان بالتعاون مع بعضهما بعضاً- في مواجهة أعدائهما والسعي لتحقيق ما يبدو أنه رؤيتهما المتميزة: إيران، من أجل "تصدير ثورة 1979"، وتركيا لإقامة خلافة عثمانية جديدة. إن عداءهم الذي لا يرحم وعدوانهم الذي لا هوادة فيه يشكل خطراً على كل من يعارضهم"، بحسب المحللة.

وتردف جليبرت بالقول إنّ هذا "يكشف عن حقيقة قاسية: تنتهي الحرية الدينية في الشرق الأوسط حيث يبدأ الإسلام الراديكالي، سواء كانت الأيديولوجيا متجذرة في تقاليد شيعية أو سنية. وما تزال الإبادة الجماعية للمسيحيين واليزيديين والأقليات الأخرى، دليلاً قبيحاً على هذه الحقيقة". وتضيف المحللة: "بينما يواصل القادة الأتراك والإيرانيون الغضب والتشدق بشأن الاتفاقات الإسرائيلية العربية الجديدة، فإنهم مستمرون في السعي إلى بناء إمبراطوريتهم الإسلاموية الفتاكة".

الصفحة الرئيسية