لماذا تدعم إيران التنظيمات السنيّة المتطرفة؟

إيران

لماذا تدعم إيران التنظيمات السنيّة المتطرفة؟

مشاهدة

12/11/2017

سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، منذ تأسيسها العام 1979، إلى اختراق الدول العربية عبر إقامة علاقات مشبوهة مع التنظيمات المتطرفة، لتكون أداة لاستخدامها ضدّ أنظمة الحكم القائمة، مستغلة الدين الإسلامي، وشعار الوحدة الإسلامية في مواجهة "الاستكبار العالمي"، وسيلةً لاستقطاب الجماعات المسلحة السنيّة، وتوظيفها في بثّ الرعب في نفوس الشعوب العربية، وزعزعة الاستقرار الاجتماعي فيها، وبثّ بذور التفرقة بين الإخوة في المجتمع الواحد.

وتحاول الجمهورية الإيرانية بتقاربها مع هذه التنظيمات نشر التعصب المذهبي والكراهية والفرقة والحقد، ونشر ثقافة ولاية الفقيه الهادفة إلى إسقاط الأنظمة العربية، وإقامة الإمبراطورية الفارسية على أنقاضها.

القاعدة في رحاب الملالي
زار أيمن الظواهري بعد تسلمه زعامة جماعة الجهاد الإسلامي إيران العام 1991، طالباً من الإيرانيين تقديم الدعم لجماعته لإسقاط الحكم في مصر، وقد وافقت إيران آنذاك على منح الجماعة مليون دينار، وبدأت بتدريب أعضائها على الأراضي الإيرانية والسودانية.
التقى الظواهري في زيارته إلى إيران عماد مغنية، الذي صار القيادي العسكري الأبرز في حزب الله، فأثمر اللقاء عن ترتيب تدريبات لأعضاء من جماعة الجهاد الإسلامي المصرية في لبنان.

سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها إلى اختراق الدول العربية عبر إقامة علاقات مشبوهة مع التنظيمات الإرهابية المتطرفة

بعد مبايعة أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن نهاية التسعينيات؛ استغلّ علاقاته بإيران ليعقد اتفاقاً غير رسميّ بين تنظيم القاعدة الإرهابي وإيران، لتدريب أعضاء التنظيم، والحصول على مساعدات إيرانية لتنفيذ عمليات تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وفق ما تذكر دراسة بعنوان "إيران والتنظيمات السنية المتطرفة" أنجزها المكتب العربي الأوروبي للأبحاث والاستشارات السياسية – فرع لبنان.
وقدّمت إيران الدعم اللوجستي للقاعدة في أفغانستان، ودرّبت أعضاءً في التنظيم، وكانت معبر الإرهابيين إلى العالم؛ إذ كان المقاتلون يعبرون الحدود الإيرانية دون ختم جوازاتهم، بتعليمات عُليا صادرة إلى حرس الحدود الإيراني.

زار أيمن الظواهري بعد تسلمه زعامة جماعة الجهاد الإسلامي إيران العام 1991 طالباً تقديم الدعم لجماعته لإسقاط الحكم في مصر

في العام 2002 سمحت إيران لتنظيم القاعدة بإنشاء "مجلس إدارة عُليا" لرفد القيادة في باكستان بالدعم الإستراتيجي، وضمّ المجلس عدداً من قيادات تنظيم القاعدة، ووفرت إيران مقرّات متعددة لهم، ومخيمات التدريب العسكري، بحسب تقرير "زواج المصلحة: تطوّر التعاون التكتيكي بين القاعدة وإيران" الذي أجراه الدكتور "أساف موغدام" بعد دراسة بريد أسامة بن لادن وتحليله، إضافةً للوثائق التي كانت بحوزته في مقرّ إقامته الأخير قبل اغتياله داخل المدينة الباكستانية "أبوت آباد".
 

إيران وداعش.. مصالح مشتركة
أكّد الناطق الرسمي باسم تنظيم داعش أبو محمد العدناني، الذي قُتل في آب (أغسطس) 2016، في كلمةٍ بثها أحد المواقع التابعة لتنظيم داعش، حملت عنوان "عذراً أمير القاعدة"، أنّ داعش امتنعت عن توجيه أيّة ضربات لإيران، امتثالاً لأمر القاعدة، حفاظاً على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران.

 قدّمت إيران الدعم اللوجستي للقاعدة في أفغانستان ودرّبت أعضاءً في التنظيم وكانت معبر الإرهابيين إلى العالم

وورثت داعش عن القاعدة تحالفها مع إيران؛ حيث أدار زعيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي الذي كان مقيماً لفترة طويلة في إيران عدداً من العمليات الإرهابية في دول عدّة، ونال دعماً إيرانياً كبيراً، قبل أن ينفصل عن التنظيم ويتحوّل مع جماعات أخرى إلى تشكيل نواة "داعش"، الذي حقق بقيادة أبو بكر البغدادي، سلسلة انتصارات مكّنته من السيطرة على ثلثي مساحة العراق، وبعض المناطق- تضمّ محافظتين كبيرتين- في سورية.

 

جذور تاريخية مع الإخوان المسلمين
أيّدت جماعة الإخوان المسلمين الجمهورية الإسلامية في 1979؛ وعدّتها نصراً لرؤية الجماعة، وأنها أول حكومة إسلامية منذ انهيار الخلافة العثمانية، وارتبطت مع إيران بجميع فروعها في البلدان العربية بعلاقةٍ وطيدةٍ كُشفت بعد "الربيع العربي".
جمعت الإخوان المسلمين بإيران علاقة لها جذور تاريخية تعود إلى تأسيس جماعة الإخوان، المصنفة لدى الكثير من الدول أنّها جماعةٌ إرهابيةٌ؛ فإيران تحافظ على علاقة جيدة مع جماعة الإخوان المسلمين في العديد من البلدان، وتسمح لفرعها في الجمهورية الإسلامية، الذي يترأسه عبد الرحمن بيراني، بممارسة نشاطاته دون أيّة محاذير.

أيّد الإخوان المسلمون قيام الجمهورية الإسلامية العام 1979 وعدّوه نصراً لرؤية الجماعة

اقترب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا من الشيعة بشكل كبير، ولم يخفِ مرشد الإخوان السابق مهدي عاكف علاقته الجيدة بالشيعة؛ ففي معرض تعليقه على كشف السلطات الأمنية المصرية خلية حزب الله، قال: "من واجب مصر أن تشكر حزب الله لا أن تحقق معه"، وكان في رأيه "من حقّ إيران أن تفعل ما تشاء".
تجلّت حقيقة العلاقة بين الإخوان وإيران، خلال زيارة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد مصر، بدعوةٍ من الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي، ومنح نجاد فرصة أن يخطب في الأزهر، وزيارة مرسي لطهران العام 2012؛ حيث كان أول رئيس مصري يزورها بعد 34 عاماً، وفق دراسة للمكتب العربي الأوروبي للأبحاث والاستشارات السياسية بعنوان "إيران والتنظيمات السنية المتطرفة: الغاية تبرر الوسيلة". 

 

 

 

ومن الأدلة على أنّ علاقة الإخوان بإيران لا تقتصر على الجانب السياسي؛ أعلنت وزارة الداخلية المصرية في العام 2017 عن ضبط ألغامٍ أرضيةٍ مضادة للأفراد عليها عبارات مكتوبة باللغة الفارسية، وقنابل F1 يدوية، وكميات كبيرة من المعدات التي تُستخدم في تجهيز العبوات الناسفة، وأعلنت، أيضاً، عن اعتقال ثلاثة عشر عنصراً إخوانياً إرهابياً بمحافظتي دمياط والإسكندرية.
وبحسب تقرير لموقع قناة "العربية نت" بعنوان "كيف وصلت أسلحة إيران لخلايا الإخوان الإرهابية بمصر؟" نُشر بتاريخ 16 نيسان (ابريل) 2017؛ أكّد الخبير الأمني خالد عكاشة، أنّ الأسلحة الإيرانية التي ترسلها طهران لجماعة الإخوان بمصر تصل إلى الجماعات الإرهابية، وتندرج ضمن سياسة طهران الرامية لإشعال مناطق الصراعات، بهدف التمدد، والتوسع، وفرض مناطق نفوذ لها.

 اعتبر راشد الغنوشي في كتابه "الحركة الإسلامية والتحديث" أنّه بنجاح الثورة في إيران بدأ الإسلام دورة حضاريةً جديدة

ولفت الخبير المصري إلى أنّ تهريب السلاح من إيران للإخوان يتمّ عبر الحوثيين بحراً، ومن خلال شواطئ غزة، أو عبر الأنفاق بين غزة وسيناء، وخلال السنوات الماضية اكتشف الأمن المصري سفناً محملة بالأسلحة الإيرانية كانت مهربة عبر البحر في طريقها إلى سيناء وليبيا.
 

حركة النهضة تتغزل بالنموذج الإيراني
بعد الثورة الإيرانية العام 1979؛ زاد نشاط الحركات الإسلامية في تونس، ليُعلن عن إنشاء حركة النهضة الإسلامية في 1981، بإيعازٍ إيراني؛ إذ لم يخفِ زعيم النهضة راشد الغنوشي إعجابه بالإمام الخميني، وقربه من النظام الإيراني، في مقالة بعنوان: "الرسول ينتخب إيران للقيادة"، كتب فيها "إنّ إيران اليوم بقيادة آية الله الخميني، القائد العظيم والمسلم المقدام، هي المنتدبة لحمل راية الإسلام".

بعد الثورة التونسية حرصت حركة النهضة الإسلامية على إقامة علاقات ودّ وصداقة مع الإيرانيين

وعدّ راشد الغنوشي في كتابه "الحركة الإسلامية والتحديث" أنّه "بنجاح الثورة في إيران بدأ الإسلام دورة حضاريةً جديدةً"، وأنّ مصطلح الحركة الإسلامية "ينطبق على ثلاثة اتجاهات كبرى، هي: الإخوان المسلمون، الجماعة الإسلامية بباكستان، وحركة الإمام الخميني في إيران"، مؤكّداً في إحدى مقالاته أنّ الخلاف بين السنّة والشيعة ما هو إلا خلافٌ وهمي.
وبعد الثورة التونسية؛ حرصت حركة النهضة الإسلامية، التي يترأسها راشد الغنوشي، على إقامة علاقات ودّ وصداقة مع الإيرانيين، ومع حزب الله، وصرّح في مقطع فيديو أنّه "لا يمكن لأحدٍ الحكم على حزب الله بأنّه حزب إرهابي".

 

 

موطئ القدم الإيراني في فلسطين
تأسّست حركة الجهاد الإسلامي بُعيد انطلاق ثورة الخميني في إيران العام 1979، على يد فتحي الشقاقي– المتأثّر أيضاً بتلك الثورة- رغم أنّ بناءها العقائدي انطلق متأثراً بفكر الإخوان المسلمين.
إيران وجدت في حركة الجهاد وحماس موطئ قدمٍ لها في الساحة الفلسطينية، فنسجت معهما علاقات وثيقة علنية، وخصّصت لهما ميزانية سنوية مكّنتهما من استقطاب العناصر والمقاتلين.
ودرّبت طهران مئات الناشطين الفلسطينيين على مختلف الوسائل والأساليب القتالية في معسكرات الحرس الثوري في إيران، ومعسكرات حزب الله في لبنان.

إيران وجدت في حركة الجهاد وحماس موطئ قدمٍ لها في الساحة الفلسطينية وخصّصت لهما ميزانية سنوية مكّنتهما من استقطاب العناصر والمقاتلين

استمرت علاقة إيران بحماس والجهاد الإسلامي دون اضطراب حتى قيام الثورة السورية العام 2011؛ إذ وقفت إيران بقوة مع حليفها السوري، ورفضت انهياره، في حين رفضت حماس تأييد ما يقوم به الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه، الأمر الذي جعلها تخرج من سورية لتنأى بنفسها عن هذه الجدلية، لكنّ إيران حاولت بكلّ الأساليب إقناع حماس بغير ذلك، حتى تدهورت الأوضاع إلى حدٍّ كبير، رغم ذلك استمرت العلاقة الإيرانية بحركة الجهاد الإسلاميّ حتى اختلت هي الأخرى في بدايات 2015، خصوصاً مع أخذ المعارك في المنطقة منحىً جديداً، وحاولت إيران اختراق صفوف حماس، والتواصل مع جناح دون آخر، وهو ما نجحت فيه في نهاية المطاف.
لقد طلبت إيران صراحةً من الجهاد الإسلامي، في لقاء جمع رمضان شلح بالقيادة الإيرانية، مشاركة الجهاد بعناصر للقتال بجانب الأسد في سورية، إلا أنّ الأخير رفض، كما طلبت منها بياناً واضحاً ينتقد السعودية والدول المشاركة في عاصفة الحزم، فلم توافق حركة الجهاد على ذلك، ما أدّى إلى تأزم الأمور.
عندما أوقفت إيران دعمها المالي مؤقتاً لحماس والجهاد الإسلامي، فإنه وفق دراسة للمكتب العربي الأوروبي للأبحاث والاستشارات السياسية بعنوان "إيران والتنظيمات السنية المتطرفة: الغاية تبرّر الوسيلة"، استمرت في تقديم الدعم لـ"حركة الصابرين" التي يتزعمها القيادي السابق في حركة الجهاد الإسلامي هشام سالم، وتقوم بنيتها الأساسية على أفراد زاروا إيران وتأثروا بالفكر الشيعي.
 

الصفحة الرئيسية