لماذا تحارب الإمارات جماعة الإخوان؟

لماذا تحارب الإمارات جماعة الإخوان؟

لماذا تحارب الإمارات جماعة الإخوان؟


07/06/2026

هاني سالم مسهور

لماذا تحارب الإمارات جماعة الإخوان المسلمين؟ سؤال يتكرر كثيرا، وغالبا ما تأتي الإجابات عنه من بوابة السياسة الضيقة، فيُقال إنها معركة نفوذ، أو صراع على السلطة، أو تنافس على أدوار إقليمية، هذه إجابات تصلح لعناوين الأخبار اليومية، لكنها لا تفسر إصرار الإمارات على موقفها منذ عقود، ولا تفسر لماذا استمرت هذه المواجهة رغم تغير الإدارات والحكومات والتحالفات والخرائط السياسية.

لفهم المسألة يجب العودة إلى نقطة مختلفة تماما، يجب العودة إلى ذلك الصباح الذي اهتز فيه العالم على وقع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، في ذلك اليوم لم تسقط الأبراج فقط، وإنما سقطت أوهام كثيرة حول طبيعة الخطر الذي يواجه العالم العربي والإسلامي، كان من السهل مطاردة الإرهابيين، لكن السؤال الأصعب كان مِن أين جاء هؤلاء؟ ومن أيّ بيئة فكرية خرجوا؟ وكيف تحولت مجتمعات تمتلك دينا عظيما يدعو إلى الرحمة والعلم والعمران إلى بيئة تنتج جماعات تعيش على فكرة الصدام الدائم مع العالم؟

هنا بدأت الإمارات التفكير بطريقة مختلفة، لم تنظر إلى الإرهاب باعتباره مشكلة أمنية فحسب، وإنما باعتباره نتيجة نهائية لمسار فكري طويل، فالرصاصة لا تولد وحدها، والقنبلة لا تنفجر من تلقاء نفسها، والإرهابي لا يستيقظ فجأة ليقرر قتل الأبرياء، هناك دائما فكرة تسبق الفعل، وخطاب يسبق الجريمة، ومنظومة فكرية تمنح صاحبها شعورا زائفا بأنه يحتكر الحقيقة ويملك حق الوصاية على الآخرين.

من هذه الزاوية يمكن فهم الموقف الإماراتي من جماعة الإخوان المسلمين، فالإمارات لم تنظر إلى الجماعة بوصفها حزبا سياسيا عاديا، وإنما باعتبارها التعبير الأكثر تنظيما عن أزمة أيديولوجية أعمق، فالجماعة لم تقدم نفسها يوما كحزب وطني طبيعي يعمل داخل الدولة، وإنما كتنظيم عابر للدول يرى نفسه أكبر من الحدود وأوسع من الأوطان وأسبق من المؤسسات الوطنية.

كانت الدولة الوطنية بالنسبة إلى الإخوان مجرد محطة، وكما قال أحد منظريهم عن قضية الدولة الفلسطينية إنها “مجرد سواك”، بينما كانت الجماعة هي الغاية، وكان الوطن مجرد جغرافيا مؤقتة، بينما التنظيم هو الهوية الحقيقية، ولهذا لم يكن غريبا أن تظهر فكرة البيعة للمرشد وهي الصفة الأعلى بمثابة الخليفة والإمام، وأن يتحول التنظيم إلى دولة موازية تعمل داخل الدولة نفسها، هذه ليست منافسة سياسية، وإنما مشروع ينازع الدولة على الشرعية والولاء والانتماء.

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في التنظيم وحده، وإنما في المنابع الفكرية التي غذته لعقود طويلة، وهنا نصل إلى النقطة التي يتجنب كثيرون الاقتراب منها، فالأزمة لم تكن في القرآن الكريم، ولن تكون فيه أبدا، القرآن هو النص الوحيد الذي تكفل الله بحفظه، وهو المرجعية الإسلامية العليا التي لا يملك أحد حق العبث بها، أما بقية الكتب فهي نتاج بشري خالص، كتبها رجال عاشوا في ظروف تاريخية مختلفة، وتأثروا بصراعات زمانهم ومشكلاته وأسئلته.

المشكلة أن تيارات واسعة من الإسلام السياسي، ومعها قطاعات من السلفية التقليدية، تعاملت مع هذه الكتب وكأنها نصوص مقدسة موازية للوحي، تحولت المراجعة إلى تهمة، وتحول النقد إلى خروج عن الدين، وأصبح الاقتراب من بعض المرويات أخطر من الاقتراب من الثوابت نفسها، هكذا جرى تعطيل العقل العربي لعقود طويلة، وهكذا نشأت أجيال تربت على الحفظ أكثر من التفكير، وعلى النقل أكثر من الاجتهاد، وعلى استدعاء معارك الماضي أكثر من صناعة المستقبل.

ومن رحم هذه البيئة خرجت جماعة الإخوان، خرجت وهي تحمل تصورا يرى أن الحل في العودة إلى نماذج سياسية قديمة، وأن إدارة الدولة الحديثة يمكن أن تتم بعقلية التنظيم العقائدي المغلق، وعندما وصلت إلى السلطة في بعض الدول العربية انكشف خواؤها الفكري والسياسي سريعا، التجربة المصرية تبدو أنموذجا كاشفا، رفعت شعارات كبرى عن النهضة والمشروع الإسلامي والتمكين، لكنها لم تقدم نموذجا ناجحا في الإدارة أو الاقتصاد أو التنمية أو بناء الدولة.

لهذا لم تخض الإمارات معركتها مع الإخوان عبر الأدوات الأمنية فقط، لو كانت القضية أمنية لانتهت منذ زمن، ما فعلته الإمارات كان أعمق من ذلك بكثير، لقد اختارت أن تواجه الفكرة بالفكرة، اختارت أن تعيد فتح ملف تجديد الخطاب الديني، وأن تعيد الاعتبار لقيم التسامح والتعايش، وأن تعيد التمييز بين الوحي الإلهي المعصوم وبين التراث البشري القابل للنقد والمراجعة.

من هنا جاءت المبادرات التي نظر إليها البعض باعتبارها مشاريع منفصلة، بينما هي في حقيقتها حلقات ضمن مشروع واحد، مجلس حكماء المسلمين، ووثيقة الأخوة الإنسانية، وبيت العائلة الإبراهيمية، وسياسات التسامح، والانفتاح على الثقافات والأديان المختلفة، كلها تعبير عن قناعة راسخة بأن حماية المستقبل تبدأ من تحرير الدين من قبضة الأيديولوجيا.

ولهذا السبب أيضا أصبحت الإمارات الهدف الأول في السردية الإخوانية، من مصر إلى اليمن، ومن ليبيا إلى السودان، لا تتغير الرواية كثيرا، فالإمارات بالنسبة إلى هذه الجماعات ليست مجرد خصم سياسي، وإنما نموذج يهدد وجودها الفكري، إنها دولة أثبتت أن التنمية لا تحتاج إلى وصاية أيديولوجية، وأن التقدم لا يحتاج إلى جماعات تدّعي احتكار الدين، وأن النجاح يمكن أن يتحقق عبر دولة وطنية منفتحة على العالم ومتصالحة مع عصرها.

معركة الإمارات مع الإخوان ليست معركة ضد التدين، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما معركة ضد تسييس الدين، وليست مواجهة مع الإسلام، وإنما مع الذين حاولوا اختزال الإسلام في مشروع حزبي ضيق، وليست حربا على التراث، وإنما دعوة إلى إعادة قراءة التراث بعين نقدية تحترم الماضي دون أن تتحول إلى أسيرة له.

لهذا تحارب الإمارات جماعة الإخوان، لأنها ترى في مشروعها خطرا على فكرة الدولة الوطنية، وترى في خطابها امتدادا لأزمة فكرية عطلت المجتمعات العربية لعقود طويلة، وترى أن الطريق إلى المستقبل يمر عبر تحرير العقل من سلطة الأيديولوجيا وإعادة الدين إلى مكانه الطبيعي بوصفه قوة أخلاقية وإنسانية تدفع الناس إلى البناء لا إلى الصراع، وهذه ليست معركة سياسية عابرة، وإنما واحدة من أهم المعارك الفكرية التي شهدها العالم العربي في العقود الأخيرة.

العرب



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية