لاهوت الضحك بين عبوس الفقيه ومرح العامي (1-2)... جهامة الفقهاء وعبوسهم

 لاهوت الضحك بين عبوس الفقيه ومرح العامي (1-2)... جهامة الفقهاء وعبوسهم

لاهوت الضحك بين عبوس الفقيه ومرح العامي (1-2)... جهامة الفقهاء وعبوسهم


26/04/2026

في دهاليز دير إيطالي منعزل يعود إلى القرن الرابع عشر، نسج "أمبرتو إيكو" في روايته الشهيرة "اسم الوردة" لغزاً يتجاوز أبعاد الجريمة التقليدية؛ حيث تتمحور أحداثها حول سلسلة وفيات غامضة بين الرهبان، ليخلص المحقق "ويليام أوف باسكرفيل" إلى أنّ القاتل الفعلي ليس مجرد شخص، بل هو التوجس من المعرفة الذي هيمن على تلك المؤسسة العريقة. والمفارقة الساخرة، التي تثير الضحك والبكاء في آنٍ واحدٍ؛ تكمن في أنّ أمين المكتبة قد سمّم حوافّ صفحات الكتاب، ليغدو فعل "القراءة" بحد ذاته حكماً بالإعدام. كانت الكنيسة حينها تخوض معركة شرسة لمنع الوصول إلى مخطوط مفقود لأرسطو يتناول "الضحك"؛ خشية أن يهدم الضحكُ وقار القداسة، ويزعزع أركان السلطة التي تستمد قوتها من الرهبة المطلقة.

يمثل الراهب الضرير "خورخي دي بورغوس" في الرواية ذروة التيار الكنسي الكئيب الذي يخشى الضحك كخطر وجودي؛ فهو يرى أنّ الضحك يمسخ ملامح الإنسان ويشوه الوقار الإلهي فيه. لكنّ المحرك الأساسي لعدائه كان الخوف من زوال الخوف نفسه؛ فالدين، في وعي السلطة النصية المتشددة، يقوم على هيبة الشيطان ورهبة الله، وإذا ضحك الإنسان سقطت هذه الهيبة، وتهاوت معها قيود النظام الاجتماعي. لقد كان خورخي يقطر السم في صفحات كتاب أرسطو؛ لأنّ شرعنة الضحك من قبل سلطة معرفية كبرى، كسلطة أرسطو، كانت ستحول الهزل من مجرد سلوك شعبي بسيط إلى مذهب فكري يهدد ركائز المؤسسة. تحصن الراهب المتزمت بفرضية جامدة تزعم أنّ "المسيح لم يضحك أبداً"، في محاولة لتحويل الوجود إلى حقيقة مغلقة لا تقبل التعدد. وفي مقابل هذا التجهم المؤسسي، يبرز المحقق واللاهوتي المستنير، "ويليام أوف باسكرفيل"، ليمثل الحقيقة المفتوحة؛ تلك التي تضحك لكيلا تظل سجينة لأوهامها. آمن ويليام بأنّ الضحك هو أداة للتواضع الإنساني، يحمينا من التحول إلى طغاة، وهو وسيلة للبحث عن اليقين عبر بوابة الشك وتفكيك الأكاذيب.

لم تكن رواية "إيكو" مجرد عمل أدبي عابر، بل جاءت بمثابة ضربة مزدوجة هزت أركان السائد؛ إذ اتخذت من صفحاتها ساحة للاشتباك مع قضيتين جوهريتين: الأولى هي التعنت الديني في وقوفه المتصلب أمام زحف المعرفة، والأخرى هي الاحتفاء بالضحك، ليس بوصفه تسلية، بل كأداة نقدية مرحة تملك القدرة على تفكيك الجمود في حياة الشعوب. إنّ ظاهرة الضحك تطرح إشكاليات معرفية واجتماعية تتجاوز كونه مجرد استجابة بيولوجية عفوية للمرح، لتضعه في سياق الفعل الثقافي القادر على زعزعة الأطر الجامدة. فجدلية العلاقة بين الوقار المؤسساتي والهزل الشعبي تعكس صراعاً خفياً بين سلطة تنشد الانضباط عبر الجدية المطلقة، ووجدان جمعي يتخذ من الفكاهة أداة للمقاومة الرمزية وآلية للتكيف مع ضغوط الواقع وقسوة التابوهات. تتجلى هذه العلاقة الصدامية بين المقدس والهزل في البنية التاريخية للخطابات الدينية المتشددة، التي أحاطت نفسها بمنظومة من الصرامة الرسمية تهدف إلى إقصاء الضحك بوصفه "خفة" تهدد جلال الروح. بيد أنّ التحليل المعمق يكشف أنّ هذا النبذ لا ينطلق من منطلق أخلاقي فحسب، بل من إدراك وظيفي لخطورة الضحك؛ فهو الأداة الأكثر فعالية في تفكيك الرهبة وتقويض سلطة الخوف التي تبنى عليها الهيمنة في مناخات التشدد.

هذه الأجواء الخانقة، حيث يُحرق الكتاب ويُكفر العقل ويُحتكر التأويل، تجعل القارئ العربي يشعر كأنّه لا يقرأ ماضي الكنيسة الكاثوليكية، بل يطالع تشريحاً دقيقاً لحاضر الجماعات والمؤسسات الدينية المنغلقة في المنطقة العربية الإسلامية؛ حيث تتحول "الحقيقة" إلى ملكية خاصة، ويصبح النقد "هرطقة"، وتُشن الحروب على الفنون والعلوم باسم حماية العقيدة، تماماً كما كان يفعل رهبان "إيكو" وهم يطاردون شبح التنوير في ظلام العصور الوسطى. فإذا ما انتقلنا من فلسفة أمبرتو إيكو حول الضحك والدين في سياق مسيحي قروسطي إلى عالمنا "الإسلامي"، فسوف نجد أننا أمام حالة مشابهة في كيفية تأويل النصوص التراثية على يد التيارات الدينية، بل المؤسسة الدينية ذاتها. حيث يبرز انقسام حاد بين "لاهوت الوعيد" وبين سماحة "الفطرة الإنسانية". لقد ركزت التيارات المتشددة على أحاديث الوعيد، مثل قول الرسول: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"، وعملت على انتزاعها من سياق الخشوع التعبدي العارض لتحولها إلى نمط حياة دائم وشامل. 

يتجسد هذا التشدد بوضوح في الصراع المحتدم على المصادر المعرفية؛ حيث سعت التيارات المتطرفة داخل المؤسسات الدينية إلى إقصاء كتب "الأدب" و"النوادر" من المشهد الثقافي، فصنفت مؤلفات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي ضمن دائرة "اللغو" المفسد للقلب والقاطع عن ذكر الله. وعلى الرغم من التباين في مزاجي الرجلين؛ حيث غلب على التوحيدي الانكسار وعزلة الغريب، بينما اتسم الجاحظ بروح الدعابة، إلا أنّ كليهما مثلَ نموذجاً للمقاومة بالأدب. فالجاحظ، برغم حياة الضنك والشدة التي كابدها، لم ينهزم لمرارة الواقع، بل ظل داعيةً للاستبشار واقتناص أسباب الضحك، بل تعامل معه كفعلِ صمود. 

للأمانة، لم يكن موقف التيارات الإسلامية من الضحك والبهجة يصبّ في قالب واحد صلب، بل هو طيف فكري واسع تتعدد ألوانه بتعدد المرجعيات؛ فبينما يرى التيار الصوفي أنّ البهجة "حال" إيماني رفيع، يغدو الضحك والسرور عنده تجلياً للرضا العميق عن الله ومحبته، لتصبح الممارسات الروحية كالوجد والرقص الصوفي في المولوية نوعاً من البهجة التي تتسامى فوق حدود الجسد. فالمتصوفة يؤمنون بـ "بسط" النفس بدلاً من "قبضها"، والبهجة في عرفهم ليست مجرد تسلية دنيوية عابرة، بل هي حالة انجذاب للجمال الإلهي المنبثق في ذرات الكون. وفي مقابل هذا الحلول الروحي، حاول التيار "الحركي والإسلام الوسطي والتربوي "أدلجة" الضحك أو استخدامه كأداة دعوية هادفة؛ فعملوا على صياغة ما يُسمّى بـ "الفن الإسلامي البديل" عبر الأناشيد والمسرحيات الكوميدية التي تسعى لإثبات أنّ الإسلام دين حياة؛ قصد جذب الأجيال الجديدة، ومع ذلك يظل الضحك في هذا الإطار منضبطاً صارماً، محكوماً بغايات أخلاقية وتربوية، فهو وسيلة لا غاية، وفعل مقنن يبتعد عن العبثية ليخدم فكرة المشروع والمبدأ. وبهذا يكتمل المشهد ليرسم صراعاً خفياً بين بهجة تنشد "الجمال" لذاته كطريق للحق، وبهجة أخرى تستخدم "الفرح" كأداة للتمكين والإصلاح، وكلاهما يحاول القفز فوق جدار "التجهّم" الذي شيدته التيارات الأكثر انغلاقاً.  

تتسم رؤية التيارات المتشددة، ولا سيّما في أجنحتها السلفية الجهادية والحركية الأكثر راديكالية، بضيق أفق مروع تجاه الضحك؛ ينبع من تصورات إيديولوجية ترى في البهجة تهديداً لصرامة مشروعها. تسود لدى هذه التيارات ثقافة "الجد المعطل"، التي تفترض أنّ المسلم يعيش في "محنة" مستمرة وحالة حرب دائمة، ممّا يجعل الضحك يتنافى مع حالة الجد والصرامة المطلوبة لاستنهاض الأمة. إنّهم ينظرون إلى الضحك كمدخل لتمييع العقيدة وتقويض هيبة المتدين؛ لذا يعمدون إلى استحضار أحاديث الوعيد والزهد بشكل انتقائي متعسف، بل يذهب بعضهم إلى تحريم "النكتة" ذاتها بدعوى أنّها محاكاة محرمة، أو نوع من الكذب. وبناءً على هذه الرؤية المتجهمة، يُصنف المجتمع الضاحك في خطابهم كمجتمع غافل، فتصبح الابتسامة لديهم فعلاً مقيداً بشروط قاسية، ولا تظهر غالباً إلا في سياقات دموية مرتبطة بـ "بشرى الشهادة"، وهو ما يعزز الفجوة بين لاهوتهم المقبض وبين الفطرة الإنسانية. 

سطوة التجهم: كيف حول الإسلاميون "الوقار" إلى أداة قمع؟

لم تكن الجهامة التي يتسم بها المتشددون من رجال الدين وقبضايات التيارات الإسلامية مجرد سلوك عابر أو وقار شخصي، بل كانت تشكل إيديولوجية سلطوية كاملة الأركان. لقد وظفت تلك التيارات الدينية، الرسمية منها وغير الرسمية، الجدية الصارمة كأداة للترهيب، محتكرة ملامح الوجه العبوس واللغة الدموية الكئيبة، لتكريس شعور دائم بالخوف والذنب لدى العامة. هذا "الخوف المقدس" لم يكن عفوياً، بل كان استراتيجية لربط الوجود البشري بالموت والعقاب واليوم الآخر؛ فمن خلال تغييب الضحك، تضمن السلطة بقاء الفرد في حالة من الرهبة المستمرة التي تجعله طيعاً ومنقاداً. في هذا السياق جرى تصوير الضحك والفكاهة باعتبارهما من أعمال الشيطان، أو في أفضل الأحوال "لغواً" يفسد الروح. والسبب الجوهري لهذا العداء يكمن في طبيعة الضحك ذاتها؛ فهو بطبعه يُبدد الخوف، وإذا تحرر الإنسان من خوفه، فقدت السلطة المتجهمة هيبتها وقدرتها على السيطرة.

تتجلى الطبيعة الاستعلائية لهذا الوقار في كونه اللغة الوحيدة التي تتحدث بها السلطة الدينية لتدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة والنهائية. فالجدية الرسمية توحي بأنّ "الحقيقة" قد اكتملت ولا تقبل الجدال، بينما يمثل الضحك اعترافاً ضمنياً بالنقائص وسخرية من ادعاء الكمال. ويرسخ التجهم تراتبية جامدة تفصل بين "المقدس" الذي يمثله رجال التيارات الدينية بوقارهم المصطنع، و"المدنس" الذي يمثله الشعب بضحكه الفوضوي. وهنا يبرز الصراع التاريخي بين "المنبر" و"الساحة العامة"؛ فبينما تسود التيارات الدينية أجواء الصمت والصرامة والزمن الساكن، يضج التدين الشعبي بالضحك الكرنفالي والاحتفاء بالحياة. لقد سعت المؤسسة والتيارات الدينية دوماً، كما يقول "باختين"، إلى تأديب الساحة العامة وإخضاعها لجهامة المنبر، معتبرة أنّ الفرح الشعبي هو تمرد على النظام الإلهي الذي صوّرته كنظام صارم خالٍ من الفكاهة. هذا العداء للضحك هو في جوهره عداء للصيرورة والإبداع؛ فالتجهم الرسمي يمثل حالة من الموت الذهني التي ترفض التغيير وتدّعي الأبدية، في حين أنّ الضحك يعلن صراحة أنّ كل شيء مؤقت وقابل للزوال.

إنّ التيارات المتشددة لم تكن تجهل قيمة الضحك، بل كانت تخشاه بعمق؛ فالتجهم هو الدرع الذي يحمي الأفكار المتصلبة من التفكك، وبمجرد أن يضحك الإنسان من "المقدس الزائف"، فإنّه يتحرر من قيوده الإيديولوجية. لقد حاول هؤلاء الإسلاميون، بملامحهم الحادة وتجهمهم الدائم، تشييد جدار من الصرامة؛ ليس حماية للدين، بل حماية لسلطة الوقار الزائف التي تنهار أمام أول ضحكة عفوية تعيد الأمور إلى نصابها الإنساني البسيط؛ فما كان الضحك الشعبي يوماً إلا محاولة فطرية لحماية الروح من "جفاف النص".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية