لإضاءة خيامهم.. نازحون في غزة يخاطرون بحياتهم لإعادة تدوير البطاريات التالفة

لإضاءة خيامهم.. نازحون في غزة يخاطرون بحياتهم لإعادة تدوير البطاريات التالفة

لإضاءة خيامهم.. نازحون في غزة يخاطرون بحياتهم لإعادة تدوير البطاريات التالفة


31/07/2025

يواجه الفلسطيني أنس الشرفا، البالغ من العمر (39) عامًا، الذي نزح من مخيم جباليا إلى حي الرمال وسط مدينة غزة، صعوبة كبيرة في التعامل مع انقطاع الكهرباء المستمر في القطاع المدمر بسبب الحرب، ولم يكن أمامه سوى استخدام بطارية تالفة بقوة 50 أمبير لإضاءة خيمة أسرته في الليل.

أضاف الشرفا لـ (حفريات): "أنفقت (900) شيكل (322 دولارًا) على البطارية القديمة، بعد أن صدمت من الأسعار الباهظة للبطاريات الجديدة".

ومنذ أن شنت إسرائيل هجومها على قطاع غزة في السابع من تشرين  الأول (أكتوبر) 2023، أصبحت البطاريات المستعملة المصدر الرئيسي للطاقة لسكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، بسبب الانقطاع الكامل والمستمر للكهرباء.

أنس الشرفا، نازح من جباليا، يستخدم بطارية تالفة بقوة 50 أمبير لإضاءة خيمته، بعد عجزه عن شراء واحدة جديدة.

لكن مع لجوء الغزيين إلى بطاريات قديمة أو مجددة لتلبية احتياجاتهم الأساسية من الكهرباء، فإنّهم يواجهون مخاطر كبيرة من الحوادث والتأثيرات الصحية السلبية الناتجة عن المواد الكيميائية الموجودة في البطاريات، لا سيّما أولئك الذين يعملون في صيانتها.

وقد أدت الحرب الإسرائيلية إلى نزوح معظم السكان مرارًا وتكرارًا، وتحويل المباني والبنية التحتية إلى أنقاض، وقطع إمدادات الكهرباء والمياه داخل هذا الشريط الساحلي الضيق.

وخلال فترة الصراع، فرض الجيش الإسرائيلي قيودًا شديدة على دخول الإمدادات الأساسية، بما في ذلك معدات الطاقة والبطاريات اللازمة لإضاءة الخيام وما تبقى من منازل.

منذ اندلاع الحرب في غزة، أصبحت البطاريات المستعملة المصدر الرئيسي للكهرباء، رغم مخاطرها الصحية على السكان والعاملين في صيانتها.

ولا تعمل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة منذ (21) شهرًا بسبب عدم وصول الوقود وعدم توفر المعدات اللازمة لإصلاح الأعطال الفنية التي أصابت البنى التحتية، وللتعويض عن غياب الكهرباء من الشبكة، تعتمد كثير من العائلات على بطاريات تشحن بألواح الطاقة الشمسية أو التي يتم شحنها بوساطة محطات الشحن التي تشحن مقابل مبالغ مالية.

لكنّ الوصول إلى هذا المصدر المحدود للطاقة يكلف السكان المنهكين من الحرب أعباء مالية وصحية ثقيلة.

تسرب الأحماض

أكد الشرفا الذي يعمل موظفاً حكوميًا: أنّ "البطارية التي تبلغ قوتها 100 أمبير تكلف الآن أكثر من 5,000 شيكل إسرائيلي (1,790 دولارًا)، وهو مبلغ يعادل ثلاثة أضعاف راتبي الشهري".

محطة الكهرباء الوحيدة في غزة متوقفة منذ 21 شهراً، ما أجبر العائلات على استخدام البطاريات المشحونة بألواح شمسية أو محطات شحن تجارية

وأضاف: "قبل الحرب، كنا نعيش في منزل مجهز بنظام طاقة شمسية، ولم نكن نشعر بانقطاع الكهرباء، لكن اليوم أصبح البحث عن بطارية صغيرة أمرًا في غاية الصعوبة". 

وأوضح: "اضطررت لإعادة صيانة البطارية لتعزيز كفاءتها إلى نحو 70%، لكنني لاحظت بعد أسبوع من استخدامها تسرب سائل رائحته كريهة وكان عبارة عن (حمض الأسيد)، وعلى الرغم من المخاطر الصحية، إلا أنني ما زلت أستخدمه أيضًا للإنارة، في ظل انعدام أيّ بدائل أخرى". 

مصدر طاقة بديل

أمّا الفلسطيني ناصر حجازي، من حي النصر بمدينة غزة، فقد قرر هو الآخر شراء بطارية مستعملة، لعدم قدرته على شراء بطارية جديدة بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار، في ظل استغلال التجار حاجة الناس الماسة.

حجازي، البالغ من العمر (37) عامًا ويعيل أسرة مكونة من خمسة أفراد، أوضح لـ (حفريات): "أطفالي لا يستطيعون النوم دون وجود ضوء في الليل، وكان من الضروري العثور على مصدر طاقة بديل من أجل البقاء في ظل هذه الحياة الصعبة".

تسرب حمض الأسيد من البطاريات التالفة يشكّل خطرًا صحيًا حقيقيًا، ومع ذلك يواصل السكان استخدامها لغياب البدائل.

وأضاف: "اشتريت بطارية مستعملة بقدرة 40 أمبير مقابل 1,000 شيكل (358 دولارًا)، وهذا مبلغ كبير، لكن لا توجد خيارات أخرى في ظل هذه الظروف القاسية". 

وأوضح: "الأسعار قفزت منذ بدء الحرب، حيث يعتمد السكان في غزة على بطاريات قديمة مرتبطة بألواح شمسية، لتشغيل المصابيح الموفرة للطاقة (LED) وأضواء الـ USB التي تعمل بالطاقة الشمسية".  و"عادة ما أتردد في شراء البطاريات القديمة، لأنّها قد تنفجر بسبب غياب المعدات المناسبة لإصلاحها".

تسمم بالرصاص

من جانبه، أوضح شكري البنا (50 عامًا)، وهو صاحب ورشة لإصلاح البطاريات القديمة في حي اليرموك شرق مدينة غزة خلال حديثه لـ (حفريات): أنّ "البطاريات الجديدة أصبحت نادرة منذ بدء الحصار الإسرائيلي، ممّا فتح المجال أمام سوق البطاريات المستعملة".

وأضاف البنا: "قبل اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، كان قطاع غزة يستورد أنواعًا متعددة من البطاريات من الهند والصين وتركيا عبر معبر كرم أبو سالم شرق مدينة رفح جنوب القطاع، إلا أنّ عمرها الافتراضي لا يتجاوز عامين فقط، وتضعف جودتها مع مرور الوقت". 

التعرض المزمن للرصاص الناتج عن البطاريات يهدد أطفال غزة بتأخر النمو واضطرابات سلوكية، وسط غياب رقابة حكومية وإحصاءات رسمية.

وأوضح: "بطاريات الرصاص الحمضية القديمة يعاد إصلاحها حاليًا لإعادة استخدامها، مشيرًا إلى أنّ "سعر الكيلوغرام الواحد من الحمض ارتفع أربعة أضعاف ليصل إلى 800 شيكل (286 دولارًا) منذ بداية الحرب".

وتابع: "إصلاح البطاريات لا يخلو من المخاطر الصحية، وقد أصبت قبل عامين بتسمم في الدم، ورصد الأطباء حينها بعد إجراء التحاليل المخبرية ظهور نسبة من مادة الرصاص في جسمي أعلى بأربع مرات من الحد المسموح به طبيًا، وما زلت أعاني من صداع شديد وتشنجات حتى اليوم".

مخاطر صحية كبيرة

الفلسطيني تيسير صافي، البالغ من العمر 37 عامًا، ما يزال يعمل على إصلاح البطاريات في ورشة صغيرة بمدينة غزة لمدة 11 عامًا، لكنه بدأ يلاحظ مشكلات صحية خطيرة قبل ثلاث سنوات، منها تشنجات مفاجئة واضطرابات في الجهاز العصبي، وتم تشخيص حالته لاحقًا بتسمم بالرصاص".

وأضاف صافي لـ (حفريات): "العمل في هذه المهنة يفتقر إلى معايير السلامة والرقابة، لا أحد يستعمل كمامات أو قفازات أثناء العمل، ممّا يؤدي إلى مزيد من المشكلات الصحية".

د. عبد الجليل العمصي يحذر من أن إعادة استخدام البطاريات بشكل غير آمن يؤدي إلى أمراض خطيرة مثل الفشل الكلوي واضطرابات المناعة.

"ورغم ذلك، لا يستطيع صافي ترك المهنة أو البحث عن عمل آخر، بسبب ندرة فرص العمل في غزة، وهذه المهنة رغم خطورتها تظل مصدر دخله الوحيد" حسبما قال.

أمراض خطيرة وقاتلة

يرى الدكتور عبد الجليل العمصي، اختصاصي جراحة الأعصاب في مستشفى العودة خلال حديثه لـ (حفريات): أنّ "طريقة التعامل مع البطاريات خلال الحرب تعرّض السكان بغزة لمواد خطيرة مثل الرصاص والكادميوم والزئبق والليثيوم، ممّا قد يؤدي إلى مشكلات عصبية وفشل كلوي واضطرابات في جهاز المناعة، وقد يصل الأمر إلى الوفاة".

وأضاف العمصي: "عند تلف البطاريات أو إعادة استخدامها بشكل غير صحيح، تنبعث منها أبخرة سامة مثل أكاسيد الكبريت والنيكل، ممّا قد يسبب تهيجًا في الرئة والجلد، والربو، وأمراض تنفسية مزمنة، بالإضافة إلى حالات تسمم".

تيسير صافي، فنّي بطاريات، أُصيب بتسمم بالرصاص بعد 11 عامًا من العمل دون أي وسائل وقاية صحية أو رقابة.

وأوضح: "الأطفال هم الأكثر عرضة لهذه المخاطر، لأنّ  التعرض المزمن للرصاص يؤدي إلى الإصابة بتأخر في النمو واضطرابات سلوكية".

ورغم تزايد المخاطر الصحية على سكان غزة الذين يضطرون للاعتماد على البطاريات القديمة والمعاد تدويرها لتوفير الطاقة، أشار الطبيب العمصي إلى أنّه "لا توجد إحصاءات رسمية حول عدد المتضررين من هذه الأمراض، لأنّ جمع البطاريات التالفة يتم بشكل عشوائي وغير رسمي".

وتابع: "الطرق المستخدمة حاليًا في جمع ومعالجة البطاريات تنتهك المعايير البيئية المنصوص عليها في اتفاقية بازل لعام 2002 بشأن التخلص من النفايات الخطرة".

وأكد الطبيب العمصي: "جمع البطاريات ومعالجتها يجب أن يتم بأمان على يد مختصين، وفي مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية