
في خطوة حاسمة تعكس تحوّلاً في مقاربة شرق أفريقيا لملف الإسلام السياسي، أعلنت الحكومة الكينية في أيلول (سبتمبر) الماضي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير ضمن الكيانات الإرهابية، بموجب قانون مكافحة الإرهاب رقم (59) لعام 2012. القرار الذي نُشر في الجريدة الرسمية تحت اسم الإشعار القانوني رقم (157) جرّم الانضمام إلى الجماعتين أو دعمهما بأيّ شكل، سواء كان الدعم مالياً أو إعلامياً أو تنظيمياً. وبذلك، انضمت نيروبي إلى مجموعة من الدول العربية والأفريقية التي صنفت الإخوان تنظيماً إرهابياً، في محاولة لقطع الطريق أمام تمدد الفكر الإسلاموي في القارة.
خلفيات القرار: أمن مهدد وواقع متفجر
منذ أكثر من عقدين تخوض كينيا حرباً مفتوحة ضد التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها حركة الشباب الصومالية الموالية لتنظيم القاعدة، التي نفّذت عشرات الهجمات داخل الأراضي الكينية، أبرزها الهجوم على مركز "ويستغيت" التجاري عام 2013 وجامعة "غاريسا" عام 2015. هذه الأحداث تركت أثراً عميقاً في الوعي العام، ودفعت الحكومة إلى تشديد الرقابة على الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي.
وبحسب مصادر أمنية كينية، فإنّ أجهزة المخابرات رصدت خلال السنوات الأخيرة تمدداً لخطاب جماعة الإخوان في بعض الجمعيات والمدارس الإسلامية على الساحل الشرقي، لا سيّما في مومباسا ولامو، حيث يتم الترويج لأفكار سياسية تحت غطاء العمل الدعوي والخيري. ومع تزايد القلق من تأثير هذا الخطاب على الشباب، خصوصاً في المناطق الفقيرة، قررت الحكومة التحرك بشكل استباقي لإغلاق المجال أمام أيّ نشاط يمكن أن يُستغل لنشر التطرف الفكري أو التحريض على الدولة.
أبعاد قانونية: تجريم فكري قبل أن يكون أمنياً
اعتمدت نيروبي في قرارها على المادة الثالثة من قانون مكافحة الإرهاب الكيني، التي تخوّل وزير الداخلية إدراج أيّ كيان يُشتبه في ارتباطه بأنشطة تهدد الأمن القومي ضمن قائمة المنظمات الإرهابية؛ ويترتب على هذا التصنيف تجميد أصول الجماعة ومصادرة ممتلكاتها ومنع اجتماعاتها ونشر أفكارها في الإعلام.
ويُعدّ هذا الإجراء سابقة في شرق أفريقيا من حيث استهداف جماعة ذات طابع سياسي ـ ديني تعمل في معظم أنشطتها بشكل غير مسلح. إلا أنّ الحكومة بررت القرار بأنّه إجراء وقائي، يهدف إلى منع انتشار البنية الفكرية التي تغذي الإرهاب، وليس مجرد مواجهة لجماعة محددة. وقد صرّح متحدث باسم وزارة الداخلية بأنّ "الإخوان المسلمين يمثلون الممر الآمن الذي تعبر منه أفكار التطرف إلى العقول، ومن هنا وجب التصدي لهم قانونياً".
بين الفكر والعمل: قراءة في دوافع نيروبي
يأتي الحظر في لحظة تشهد فيها أفريقيا تنافساً متصاعداً بين مشاريع الإسلام السياسي وحركات التطرف المسلح. فبينما تحاول دول مثل السودان أو نيجيريا احتواء التيارات الدينية المتشددة بعد أن استنزفتها لعقود، اختارت كينيا طريق المواجهة المبكرة. ويرى محللون أنّ القرار لم يكن ردّ فعل لهجمات مباشرة، بل نتيجة لقراءة استراتيجية أوسع لتطورات الإقليم، إذ باتت نيروبي تخشى أن تتحول إلى قاعدة جديدة لحركات الإسلام السياسي بعد انحسارها في الشرق الأوسط.
وقد لفتت تقارير أمنية، نقلتها صحيفة (The Standard)، إلى وجود دعم مالي خارجي يصل إلى بعض المؤسسات التعليمية والخيرية ذات الصلة بفكر الإخوان، قادم من منظمات في تركيا وقطر. هذه الأموال تُستخدم، وفق التقارير، لتمويل منح دراسية وبرامج دعوية تستهدف فئة الشباب الجامعي، وهو ما اعتبرته الحكومة محاولة لبناء قاعدة اجتماعية للفكر الإخواني في الداخل الكيني.
البُعد الإقليمي: اصطفاف أفريقي ضد الإسلام السياسي
قرار كينيا بحظر الإخوان لا يمكن فصله عن المناخ الإقليمي العام في أفريقيا. فقد شهدت السنوات الأخيرة تشدداً متزايداً تجاه الحركات الإسلاموية في القارة، خصوصاً في دول شمال وشرق أفريقيا. فبعدما صنّفت مصر والسعودية والإمارات الجماعة منظمة إرهابية، تبعتها دول مثل السودان بعد سقوط نظام البشير، لتبدأ موجة من إعادة تقييم علاقة الدولة بالدين في المجال العام.
وتسعى نيروبي من خلال قرارها إلى تأكيد انتمائها إلى هذا التيار الإقليمي الرافض لتسييس الدين، وإرسال رسالة واضحة إلى القوى الخارجية الداعمة للإخوان بأنّ المجال الديني الكيني لن يكون ساحة مفتوحة لنفوذها. ويشكّل القرار خطوة لتعزيز التعاون الأمني مع دول الخليج، لا سيّما الإمارات والسعودية، في إطار مكافحة التطرف وتمويلاته العابرة للحدود.
ردود الفعل: جدل بين الأمن والحريات
لم يمرّ القرار دون إثارة جدل داخلي، فقد أعربت منظمات حقوقية كينية عن تخوفها من أن يؤدي توسيع تعريف الإرهاب إلى المساس بحرية المعتقد وحرية التنظيم. وأشارت بعض الأصوات في المجتمع المدني إلى أنّ الحظر قد يفتح الباب أمام استخدام قانون الإرهاب ضد المعارضة السياسية أو الجمعيات المستقلة.
لكنّ الحكومة الكينية بدت حازمة في موقفها، مؤكدة أنّ القرار لا يستهدف الإسلام كدين، بل جماعة سياسية تستغل الدين كأداة للنفوذ. وفي هذا السياق أطلقت وزارة الشؤون الإسلامية حملة وطنية بالتعاون مع مجلس الأئمة والدعاة لتوضيح الفارق بين الإسلام الوسطي والإسلام السياسي، مع التركيز على تحصين الشباب ضد الخطابات المؤدلجة التي تُبرّر العنف أو تعادي الدولة.
مواجهة الفكر بالفكر: استراتيجية جديدة
من اللافت أنّ نيروبي لا تكتفي بالمواجهة الأمنية، بل تتجه نحو بناء مقاربة فكرية ومجتمعية لمحاصرة فكر الإخوان. فبدلاً من الاعتماد على الحظر القانوني وحده، تسعى الدولة إلى دعم خطاب ديني بديل يعيد الثقة بين الحكومة والمجتمع المسلم، ويركّز على قيم التعايش والانتماء الوطني.
وتقوم الخطة الجديدة على إشراك القيادات الدينية المحلية في برامج تدريبية، وتنظيم خطب توعوية داخل المساجد والمدارس الإسلامية، إضافة إلى مراقبة المناهج التعليمية الدينية لضمان خلوّها من مضامين تحضّ على الكراهية أو تدعم فكرة "الخلافة الإسلامية" التي يتبنّاها الإخوان وحزب التحرير. ويقول أحد خبراء التطرف في نيروبي: إنّ الحكومة "تتعلم من تجارب الآخرين، فقد أدركت أنّ الفكر لا يُقهر بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى بديل فكري متين يملأ الفراغ".
التحديات المقبلة: من السرّية إلى إعادة التشكّل
رغم أهمية القرار، يدرك صانعو القرار في كينيا أنّ حظر الإخوان لا يعني نهاية نفوذهم. فالجماعة تمتلك خبرة طويلة في العمل السرّي والقدرة على التكيّف مع الضغوط. ومن المرجح أن تنتقل أنشطتها إلى واجهات جديدة تحمل أسماء مختلفة، أو تعمل عبر منظمات غير ربحية يصعب ربطها قانونياً بالتنظيم الأم.
ويخشى الخبراء من أن يؤدي الضغط الأمني غير المصحوب بإجراءات تنموية إلى خلق فراغ تستغله الجماعة مجدداً لتجنيد الشباب عبر شبكات إلكترونية أو منصات خارجية. لذلك يرى كثيرون أنّ نجاح الحظر مرهون بقدرة الدولة على تقديم بدائل اقتصادية وتعليمية للشباب المسلم، وإشراكه في الحياة العامة بما يقطع الطريق على دعاة الكراهية.
كينيا تعلن نهاية مرحلة التسامح
يُعبّر قرار كينيا بحظر الإخوان عن إدراك سياسي جديد في القارة الأفريقية، مفاده أنّ التسامح مع الإسلام السياسي يحمل كلفة أمنية باهظة. فالخبرة التاريخية، من مصر إلى السودان مروراً بتونس وليبيا، أثبتت أنّ الجماعة لا تعمل ضمن أطر الدولة، بل تسعى دائماً إلى إعادة تشكيلها وفق مشروع إيديولوجي عابر للحدود.
اختارت نيروبي أن تكون استباقية، معتبرة أنّ المواجهة الفكرية المبكرة أفضل من انتظار لحظة الانفجار. ومع أنّ القرار قد يثير جدلاً حول الحريات العامة، إلا أنّه يكشف بوضوح عن تحوّل أعمق في إدراك الدولة الأفريقية المعاصرة لطبيعة التهديد الذي تمثله التنظيمات الإسلاموية. فكينيا لم تحظر جماعة بعينها بقدر ما أعلنت، في جوهر الأمر، حظر مشروع الإسلام السياسي برمّته بوصفه الخطر الأخطر على استقرار المجتمعات والدول.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

