كيف نقرأ زيارة الرئيس التونسي إلى مصر؟

كيف نقرأ زيارة الرئيس التونسي إلى مصر؟

مشاهدة

11/04/2021

لقيت زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مصر صدى واسعاً داخل الدولتين، فإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها كلّ دولة للأخرى، فإنّ توقيت الزيارة أضفى عليها أبعاداً ومنافع خاصة، كانت الدولتان كلتاهما في حاجة إليها في ظل ظروف محورية تمرّان بها.

وبين أوضاع داخلية متأرجحة في تونس، وأزمة ممتدة منذ شهور وتتسع بين الرئيس من جهة وحركة النهضة الإخوانية من جهة أخرى، وبين مرحلة مفصلية تعيشها مصر في أزمة سد النهضة، جاءت الزيارة، التي تُعدّ الأولى من نوعها، لتوجّه رسائل إيجابية ودعماً مباشراً وغير مباشر لكلتا الدولتين.

ففي تونس، عُدّت الزيارة منغصة لحركة النهضة، في ظل التجربة المصرية التي استطاعت إقصاء جماعة الإخوان المسلمين، وحكمهم بعد عام واحد، وعُدّت زيارة الرئيس التونسي في أوج خلافه مع الحركة، ورفضه الرضوخ أمامها أو مهادنتها، تقوية لموقفه وتأكيداً على ثباته واستمراريته.

ولعل في تعليق الرئيس التونسي السابق المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، المنصف المرزوقي، على زيارة سعيد إلى القاهرة، مؤشراً على ما تركته تلك الزيارة من إزعاج.

وقد قال المرزوقي، في تدوينة له: إنّ سعيد لم يعد يمثل الثورة التي سمحت له بالوصول إلى السلطة، ولا يمثل استقلال تونس، ووحدة دولتها ومصالحها وقيمها، والأهمّ من هذا كله شرفها الذي هو أغلى ما يملكه إنسان أو شعب"، متذكّراً الرئيس المصري الإخواني المعزول محمد مرسي.

تفتح الزيارة أفقاً جديداً أمام التونسيين المتأزمين من أوضاع بلادهم، بوعود بزيادة التعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدين، وتوحيد التوجهات لمواجهة الإرهاب

وتفتح الزيارة أفقاً جديداً أمام التونسيين المتأزمين من أوضاع بلادهم، بوعود لزيادة التعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدين، وتوحيد التوجهات لمواجهة الإرهاب، والجماعات الإرهابية بكافة أشكالها وإيديولوجيتها، وسدّ الثغرات التي تتسلل منها لاستقطاب الشباب.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن خلال المؤتمر الصحفي مع الرئيس التونسي في القاهرة أمس عن الاتفاق على تعزيز "أطر التعاون وآليات التشاور والتنسيق بين البلدين على كافة المستويات، سواء فيما يتعلق بالموضوعات الثنائية أو بالنسبة إلى القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز التقارب بين البلدين والشعبين الشقيقين، مع الأخذ في الاعتبار التحديات المشتركة التي تواجه مصر وتونس، وفي مقدمتها تحقيق التنمية الشاملة، ومواجهة التدخلات الإقليمية السلبية في المنطقة، ومنع تقويض الدولة الوطنية، ومكافحة الإرهاب والفكر المتطرف".

وأضاف: إنّ للثقافة دوراً مهمّاً في التصدي لمخاطر التطرف الفكري التي تواجهها دول المنطقة، واتفقنا على أن يكون عام 2021-2022 عاماً للثقافة المصرية التونسية من خلال تفعيل الأنشطة الثقافية والفنية المشتركة بمختلف مناحيها في كل من مصر وتونس، بما يعكس التاريخ المشترك بين الشعبين والتواصل القائم بينهما.

وإلى جانب الرسائل المباشرة، فقد عزّزت زيارة الرئيس التونسي إلى القاهرة الثقة فيه، وبمكانته التي تحاول جماعة الإخوان النيل منها، بصفته ممثلاً لتونس في الخارج، ورئيساً شعبوياً.

 

السيسي: للثقافة دور مهم في التصدي لمخاطر التطرف الفكري التي تواجهها دول المنطقة، واتفقنا على أن يكون عام 2021-2022 عاماً للثقافة المصرية التونسية

 

وقد جال الرئيس التونسي في منطقة الحسين التاريخية، والتقط الصور مع المارّة، وزار ضريح الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وهو أول رئيس مصري يخوض مواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين، عقب محاولة اغتياله في حادث المنشية الشهير في العام 1954.

ورأى كثيرون أنّ ما دوّنه الرئيس سعيد في دفتر تذكاري عقب زيارة الضريح يحمل رسالة أخرى إلى حركة النهضة، وكتب سعيد: "بسم الله الرحمن الرحيم، وقفت اليوم أمام ضريح الزعيم جمال عبد الناصر مترحّماً على روحه الطاهرة، ومتذكراً مواقفه ومناقبه. كنا في تونس نتابع خطبه، وما زال العديد من مواقفه حاضراً إلى حدّ اليوم في أذهان الكثيرين، رحمه الله رحمة واسعة، وألحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً... رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد"، وقد تمّ تداول تلك الكلمات على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

أمّا بالنسبة إلى القاهرة، فإنّ الزيارة تكتسب بُعداً خاصاً في ظل أزمة سد النهضة، في الوقت الذي يتوقع فيه مراقبون توجّه مصر والسودان إلى مجلس الأمن، كتصعيد متوقع في ظل إصرار إثيوبيا على المضي قُدماً في الملء الثاني للسد في تموز (يوليو) المقبل، قبل التوصل إلى اتفاق.

 

أعرب الرئيس التونسي عن رفض بلده المساس بالأمن المائي لمصر، وذلك على خلفية زيادة التوترات بشأن ملف سد النهضة، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس السيسي

 

وتونس هي الدولة العربية الوحيدة في مجلس الأمن حالياً، لذا فإنّ زيارة رئيسها إلى القاهرة، وتأكيده من أراضيها دعم مصر في حقوقها المائية، يحمل رسالة دعم وورقة جديدة للضغط على إثيوبيا التي قد تجد نفسها أمام قرار من مجلس الأمن حول السد.

وأعرب الرئيس التونسي عن رفض بلده المساس بالأمن المائي لمصر، وذلك على خلفية زيادة التوترات بشأن ملف سد النهضة، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس السيسي.

وشدّد سعيد خلال المؤتمر على أنّ "موقف مصر في أيّ محفل دولي حول المياه هو موقف تونس"، مضيفاً: "لن نقبل بالمساس بالأمن المائي المصري".

ومن جانبه، أكد المتحدث باسم الرئاسة المصرية بسام راضي في بيان له أنّ الرئيسين السيسي وسعيد تطرّقا خلال المفاوضات إلى عدد من الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، منها قضية سد النهضة، مضيفاً أنّ الرئيس التونسي "ثمّن الجهود المخلصة التي تبذلها مصر للتوصل إلى اتفاق عادل وشامل بشأن قواعد ملء وتشغيل السد لحفظ حقوقها المائية التاريخية في مياه النيل".

قضايا مشتركة

وإلى جانب القضايا الحيوية بالنسبة إلى كلّ دولة، والتي دعمتها الزيارة على نحو مباشر أو غير مباشر، تأتي قضايا أخرى تمثل المحورية نفسها لكلتا الدولتين، ومنها القضية الليبية التي تضرب في العمق المصري والتونسي على النحو ذاته.

وعلى الرغم من أنّ الزيارة تأتي بعدما استقرت الأوضاع نسبياً في ليبيا، غير أنّ التأكيد على تضافر مواقف الدولتين الجارتين لليبيا يدعم المسار السياسي، وينقضّ على آمال دول أخرى في تقويضه وعودة التوترات لخلق مساحة لها.

وقال السيسي خلال المؤتمر الصحفي: تناولنا أنا وأخي الرئيس قيس سعید تطورات الأزمة الليبية، وأكدنا على ضرورة تفعيل الدور العربي إزاء هذه الأزمة، ورحّبنا بما تم التوصل إليه مؤخراً من تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا، وأكدنا على استعدادنا لتقديم كافة أشكال الدعم لها بما يمكنها من أداء دورها في إدارة المرحلة الانتقالية، وعقد الانتخابات في موعدها المقرر نهاية العام الجاري، وإنهاء التدخلات الخارجية، وخروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين والإرهابيين الأجانب من ليبيا، بما يضمن استعادتها لاستقرارها الكامل والمنشود، ويصون سيادتها ووحدة أراضيها ومقدّرات الشعب الليبي الشقيق.  

 

الصفحة الرئيسية