كيف نتجنب تحويل الخلاف حول الحريات إلى صراع ديني؟

كيف نتجنب تحويل الخلاف حول الحريات إلى صراع ديني؟

مشاهدة

27/02/2021

"حرية الفكر لا تمثل خطراً على الإيمان؛ فالعقل هو أساس الإيمان، ولا تمثل خطراً على سلامة الدولة؛ فالعقل أيضاً هو أساس كل نظام سياسي تتبعه الدولة". سبينوزا

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تمنح جائزة سفير الحريات الدينية للشيخ عبدالله بن بيه

يقدم الخلاف حول قانون الأحوال الشخصية في دول عربية عدة، مناسبة لملاحظة كيف يتطور الخلاف العملي البسيط إلى صراع اجتماعي وسياسي معقد، يبدو فيه الخلاف كأنّه بين الدولة والحرية أو بين الدين وأعدائه، صحيح أنّ الخلاف يستند إلى مفاهيم وأسس من الحرية والقيم والفتاوى والأفكار الدينية، لكن ذلك لا يجعله صراعاً بين الحرية وأعدائها أو بين الدين وأعدائه، إنّ الدول والجماعات بذلك تديم الصراع وتعقده، ثم تحوله من غايته الأساسية وهي الحريات وتحسين حياة الناس وعلاقاتهم وتبسيط الحصول على الحقوق والمصالح، لتجعله جماعات وطبقات تسعى إلى إلغاء أو إقصاء بعضها بعضاً، ثم تتحول القيم والتشريعات والأفكار البسيطة إلى عقائد كبرى، ويتحول ما ليس ديناً إلى دين.

يعد الخلاف حول قانون الأحوال الشخصية في دول عربية مثالاً لكيفية تطور الخلاف العملي البسيط لصراع اجتماعي معقد

لا تحتاج السلطة السياسية والمؤسسات الرسمية كما الجماعات والمعارضات والتيارات السياسية والفكرية أن يظل الجدل والخلاف يبدو وكأنه بين السلطة والحرية، أو بين أنصار الدين وأعدائه، ففي هذا الادعاء؛ تعبر الـ"أنا" عن قيم الدين أو الحرية أو المصلحة العامة و"الآخر" يعادي الدين أو الحرية، ولا يتقدم الجدل خطوة واحدة.
الواقع، كما المفترض، أنّ أحداً لا يعادي الدين أو يعادي الحرية، وما نملكه بالفعل في الخلاف والجدل هو الحجج العقلية والمنطقية وراء كل موقف أو اتجاه، وليس غير ذلك يطور التشريعات والعلاقات والحياة السياسية والعامة، لكن أن تعتقد مؤسسات أو جماعات أو شخصيات أنّها الدين وأنّ معارضتها معارضة للدين، فهذا اعتداء على الدين أولاً؛ فالدين لله تعالى. بل ويحب أن نقاتل حتى يكون الدين لله "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (الأنفال39)، ولا يحق لأحد أن يعتبر أعمال البشر وجهودهم في الفقه وتفسير النصوص الدينية ديناً، وأما النص الديني المفترض أنّه قاسم مشترك بين جميع المؤمنين به، فهم يعرفونه جميعاً.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي التقليدي والديمقراطي وإشكالية الحريات

ثمة حاجة بالتأكيد لمعرفة علمية متخصصة يتفاوت فيها الناس، حسب تخصصاتهم وإمكانياتهم، لكن هذه المعرفة ليست ديناً، حتى عندما تكون صواباً فهذا لا يعني أنّها دين نزل من عند الله تعالى، فما نزل من عند الله تعالى كما يؤمن المسلمون هو "القرآن الكريم"، أما نظرية النسبية، على سبيل المثال، من المؤكد أنّها نظرية علمية صائبة غيرت في العلوم تغييراً عميقاً، لكنها ليست ديناً، ولا يطلب أحد أن يكون الإيمان بها واجب ديني وإنكارها أو رفضها كفر.

كما أنّ اعتقاد بعض الجماعات أنّها "الحرية" وأنّ من يخالفها ليس ديمقراطياً هو ادعاء باحتكار الحق والحرية التي يؤمن بها جميع الناس على مختلف اتجاهاتهم وأفكارهم ومواقعهم، وحتى منتهكو الحريات لا يقولون عن أنفسهم أنّهم أعداء الحرية.

اقرأ أيضاً: مؤتمر في واشنطن يربط الحريات الدينية بالسلم الاجتماعي

تتجادل الاتجاهات والمصالح والجماعات والطبقات والقوى السياسية والاجتماعية، وفي ذلك تقدم مسوغات عقلية وحججاً تفسر موقفها أو تدعو لمناصرتها وتأييدها، ولا يسمى ذلك نصرة أو معاداة للدين ولا نصرة أو معاداة للحريات والديمقراطية، فهما (الدين والحرية) مظلة لجميع الأطراف والاتجاهات بمن فيهم المخطئون.
على سبيل المثال، يمكن أن يحاجج أنصار السماح بالزواج في سن الخامسة عشرة بأنّ ذلك يساعد على نشر الفضيلة وبناء الأسرة والتفاهم أفضل من الكبار الذين تشكلت عقولهم وأساليب حياتهم على نحو يجعلهم غير قادرين على التنازل لبعضهم بعضاً، ويرد المعارضون بأنّ تكوين أسرة مسؤولية كبرى لا تقل عن الانتخابات العامة،  ويمكن أن يجادل أنصار حجب الحفيد الأنثى من الورثة ومنح الحفيد الذكر بأنّ الأسر تعتمد في إعالتها على الذكور وأن الإناث يجب أن يتلقين العون من ذويهن في جميع الأحوال، ويردّ المعارضون بأنّ الحياة تغيرت وأصبح من واجب كل شخص، ذكراً كان أو أنثى، أن يدبر مسار حياته ومصيره وموارده، ولا حاجة للاتهام بمعاداة الدين أو مناصرته، فلا أحد يرى المشكلة في الدين.

أن تعتقد مؤسسات أو جماعات أو شخصيات أنّها الدين وأنّ معارضتها معارضة له فهذا اعتداء على الدين أولاً

إنّ الإبقاء على التشريعات في تفاصيل وحالات تندرج في تنظيم المباحات وليست نصاً دينياً واضحاً غير قابل للتأويل والاجتهاد ليس ديناً وليس انتصاراً للدين، وفي المقابل فإنّ هذا التمسك بفتاوى وتقاليد اجتماعية أو دينية ليس عداء للحرية والديمقراطية، هكذا فإننا نبتعد بالمباراة عن قواعدها المفترضة وهي التأثير المتبادل والممكن لدفع التشريعات والسياسات باتجاهات ومصالح عملية واضحة وقابلة للتفاهم والتسوية، ثم القبول بالنتيجة.
بدون التقدم في الجدل إلى القضايا العملية والتفصيلية سنظل كما يحدث في قصة تروى عن شخص يظل يرد كل موقف أو تفسير إلى قصة الخلق الأولى، ويمضي في قصة الخلق وينتهي الوقت قبل أن تنتهي القصة، أو يتحول الجدل حول قصة الخلق وما يدور حولها من خلافات ولبس، وننسى القضية الأساسية أو المناسبة التي أنشأت عرض قصة الخلق،.. وفي إحدى المرات بدأ كعادته في القصة، فقال له مناظره لو أنك تبدأ من عند الطوفان.

الصفحة الرئيسية