كيف كشفت مواجهة التطرف عيوب جبهة الاعتدال؟

كيف كشفت مواجهة التطرف عيوب جبهة الاعتدال؟

مشاهدة

22/11/2021

يصدمنا أحد مؤسسي العلوم السياسية؛ غايتانو موسكا، بالقول "مهما كان الهدف الذي أنشئت المنظمات من أجله، لا مفر عاجلاً أم آجلاً من أن تسعى إلى تحقيق مصالح شخصية للقائمين عليها"، ما يعني بالضرورة أنّ كثيراً من الأعمال والمؤسسات يجب أن ترتبط بمهمة واحدة ثم تختفي، وفي مجالنا هذا فإنّ جهود مكافحة التطرف إذا طال بها الزمن وتكرّست كمؤسسات فإنّها تأخذ صفة دائمة تجعل بقاء التطرف مصلحة لها، بل وربما تتحول من مواجهة التطرف إلى صناعته.

محاربة المتطرفين لا تعني الاعتدال وربما تكون تطرفات تواجه بعضها بعضاً

والحال أنّ جهود ومتواليات مواجهة التطرف والكراهية في عالم العرب والمسلمين أظهرت منظومة واسعة من الأزمات والاختلالات في معسكر المواجهة؛ فمحاربة المتطرفين لا تعني الاعتدال، وربما تكون تطرفات تواجه بعضها بعضاً، ولكن ليست هذه الأزمة الوحيدة في معسكر مواجهة التطرف؛ فالاعتدال والتطرف يبدوان اسمين غير واضحين أو محددين في خطاب "الاعتدال ومواجهة التطرف والكراهية"، أو لا يعبران بوضوح عن المسميات! ليس فقط لأنّ الأسماء لا تعبر دائماً بكفاءة عما تسمّيه، ولكن لأنّها تسمية تكاد تكون غير حقيقية أو غير مطابقة في عالم العرب والمسلمين حتى وهم يواجهون المتطرفين ويحسبون أنفسهم في مواجهة مع التطرف.

 


وعندما يتشكل وعي بالاعتدال مطابق للحقيقة أو يقترب منها، فإنّه اعتدال بطبيعته وبما هو كذلك يعاني مما يبدو أو يظن أنّه هشاشة بالنسبة إلى تماسك التطرف وثقته بنفسه؛ فالاعتدال في واقع الحال يعكس عدم اليقين والنسبية في الأفكار وتقدير الصواب، ويقوم على عمليات عقلية وفكرية لا يمكن الجزم بصوابها، وقابلة على نحو متواصل للتغير والمراجعة، وبغير ذلك لن تكون اعتدالاً، هكذا وعلى نحو ما، فإنّ الاعتدال يكاد يكون النسبية وعدم اليقين والمراجعة والتغير في الأفكار؛ والتطرف هو ثبات ويقين وتماسك وراء الأفكار والمشاعر والمعتقدات يصعب تغييره أو المساس به.

 

اقرأ أيضاً: هل مواجهة التطرف تعني الانحياز إلى المعتدلين؟
والمأزق الرابع يتمثل في أنّ مواجهة التطرف هو محصلة غير مباشرة لعمليات صعبة ومعقدة من الازدهار الاقتصادي والإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي، وما من مواجهة مباشرة أو فاعلة مع التطرف سوى التقدم والتنمية الإنسانية.
وخامساً، فإنّ خطاب التطرف يعتمد على المصادر الفكرية والتراثية والتجارب التاريخية التقليدية المعتمدة أيضاً لدى الخطاب الفكري والديني السائد في المؤسسات الدينية والتعليمية الرسمية والمجتمعية، ومن ثم فإنّ المؤسسة الدينية والإرشادية تواجه الجماعات والأفكار المتطرفة بالخطاب نفسه الذي يستند إليه كلا الطرفين، ويستمدان منه تصوراتهما وتطبيقاتهما للدين وفهمه، والخلاف في هذه الحالة هو صراع على اللغة والتأويل والاستدلال، ليس أكثر من صراع على اللغة، وليس المفاهيم والأخلاق والأيديولوجيات والقيم المحفزة للاتجاهات والعمل والتفكير.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
وسادساً، فإنّ المؤسسة السياسية والدينية هي نفسها أنشأت حالة من الأفكار والمناهج في التعامل مع الدين والتراث تنشئ التطرف والكراهية، وتمنع الفكر الحر والنقدي في التعامل مع المصادر والتراث والتاريخ.
كما أنشأت منظومة من الخطاب المضاف إلى الدين تعسفاً أو بتوسع في التقديس للمنجزات السياسية والفقهية، مثل الأسلمة الواسعة أكثر مما يريد الدين أو تحتمل النصوص والغايات الدينية في قضايا الحكم والاقتصاد والتعليم والتشريعات والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعاقبة المخالفين في الفكر والاعتقاد (أحكام الردة) كما لو أنّ ذلك واجب ديني، بل يمكن القول إنّ المؤسسة السياسية والدينية أضافت إلى الدين "ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله" مما ليس فيه أو أكثر من القدر الذي أراده الدين، واليوم فإنّ الجماعات الدينية المتطرفة تُطبق المفاهيم والمنظومات الدينية التي أنشئت وطورت في المؤسسات الدينية والجامعات والمجالس التشريعية.

 


سابعاً: أنشأت المؤسسة السياسية والدينية شرعية للحكم وهيمنة النخب مستمدة من خطاب ديني وأحكام فقهية وعقائدية وتطبيقات واسعة، وفي عجزها عن تمثل هذه الشرعية؛ فقد نافستها جماعات معارضة تبدو أكثر التزاماً وتمسكاً بالخطاب الذي وضعته السلطة والنخب لنفسها، وصارت تنافسها الشرعية والقبول، وتقدم نفسها للمجتمعات والناس على أنّها تمثل الشرعية الدينية والتزاماً أفضل بالدين، وبدت السلطات السياسية والدينية في نظر الناس تتخلى عن الدين بل وتعاديه، وتحول الصراع في الحقيقة إلى صراع على الدين والشرعية الدينية وليس صراعاً بين التطرف والاعتدال، بل وصارت المؤسسات الدينية والسياسية تتوسع في خطابها الديني، وتحاول أن تنافس الجماعات المعارضة والمتمردة على التطرف الديني، وفي ذلك فقد أنشأت ملاذات آمنة وقانونية للتطرف والتعصب.

 

مواجهة التطرف محصلة غير مباشرة لعمليات صعبة ومعقدة من الازدهار الاقتصادي والإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي

ثامناً: لقد دخلت الجماعات المتطرفة في تحالفات اجتماعية واسعة مع فئات اجتماعية تشهر بالتهميش والقهر، تشارك الجماعات في التمرد وتحتمي بها أيضاً لأجل مواجهة السلطة السياسية أو للمطالبة بحقوقها السياسية والاجتماعية أو رداً على ما تتعرض له من إساءة واضطهاد.
تاسعاً: إنّ تكريس الاعتدال والتنوير لن يكون خاصاً بالشأن الديني في حالة تشكله من خلال فكر حر ونقدي (ليس من طريقة أخرى لتكريس الاعتدال والوعي)؛ فالمواطن الذي يؤمن بالاعتدال من خلال تجربته الذاتية الفكرية والعقلية، سوف يكون بطبيعة الحال ناقداً للسياسات والاتجاهات الحكومية والمجتمعية والشركاتية، ولن يؤيدها تلقائياً.

الصفحة الرئيسية