كيف سرقت عمامة الخميني أحلام الإيرانيين؟

كيف سرقت عمامة الخميني أحلام الإيرانيين؟

مشاهدة

17/03/2021

"سجاجيد الصلاة تحت أرجل المصلين كانت تحمل اسم الشاه، لكنّهم ذات يومٍ حملوا مسدساتٍ كتب عليها اسم الله، وثاروا ضد الشاه"، هكذا يلخص الكاتب السوري زهير مارديني، الثورة الإيرانية، مشيراً إلى الطابع (الديني) الذي أخذته الثورة رغم مشاركة فئاتٍ شعبيةٍ فيها منذ البداية، كالأكراد وأهل الأحواز واليساريين وغيرهم، غير أنّ الثورة تحولت إلى مشنقةٍ لهؤلاء فيما بعد، ولم ينفع التخلص من دكتاتورية الشاه في منع الثورة من إنتاج دكتاتورها الخاص وملاليها.

إعادة صناعة الاستبداد

وفقاً لكتاب مارديني "الثورة الإيرانية بين الواقع والأسطورة"، الصادر عن دار "اقرأ" العام 1986، فإنّ الإصلاح كان أكثر الكلمات الدارجة على لسان الجميع، بما فيهم الشاه محمد رضا بهلوي؛ الذي كانت بلاده تعاني من مشاكل خارجية متعلقة بعقود النفط وأسعاره غير العادلة، إضافةً إلى جهاز أمنه المرعب في الداخل (السافاك)، الذي كان يقوم بقمع المواطنين والمثقفين والطلاب بصورةٍ دائمة، لمطالبتهم بإصلاحاتٍ اقتصادية وديمقراطية.

لم يشارك الملالي في أي انتفاضة ضد الشاه قبل 1979 وكانوا يتدخلون لحماية مصالحهم الخاصة وأراضيهم فقط

من ناحيته، يؤكد الباحث الإيراني شابور حقيقات، في دراسة له عن الثورة الإيرانية، أنّه "منذ سقوط الحكومة الإصلاحية الوطنية لمحمد مصدق في العام 1953، سعت سلطة الشاه لتكميم الأفواه، وتقويض المؤسسات الديمقراطية في إيران، كما جمعت سلطات القضاء والحياة الحزبية في قبضتها".

وبحلول العام 1963، قام الشاه بمناورةٍ من أجل التخفيف من حدةٍ الاعتراضات الشعبية على سياساته، فأنجز ما سمي في حينه "الثورة البيضاء"، من أجل ما وصفه بالإصلاح الاجتماعي، ومرةً أخرى لم يتجاوز رأي رجال الدين في إصلاحات الشاه مصالحهم "حيث اعترض رجال الدين على إعادة توزيع الأراضي بعدالة؛ لأنّهم كانوا يملكون أكثر من ثلثها أصلاً"، في مناطق واسعة من إيران، بحسب الدراسة ذاتها، وحملت عنوان "إيران: من الشاه إلى آيات الله".

لوّح الخميني للشعب بيدٍ وقمع أحلامهم باليد الأخرى

ورغم أنّ توزيع الأراضي كان أفضل ما قام به الشاه آنذاك، إلا أنّ رجال الدين الشيعة اعتبروا عمله هذا "تدميراً للمجتمع التقليدي" الذي يحصلون فيه على حظوتهم ومصالحهم دون نقاش.
وباندلاع احتجاجات العام 1977 في إيران، "كان رجال الدين غير فاعلين، وتركّزت مهمتهم فقط في شيطنة أي تحركٍ لقوى اليسار، وبالقول إنّ هناك مؤامرة شيوعية تحيق بإيران"، وهو خطابٌ ربما يكون السافاك صاحبه أصلاً، وفقاً لقول شابور.

اقرأ أيضاً: الثورات الكاذبة.. الخميني نموذجاً

ولا يحمل (الملالي) أي تاريخٍ حقيقيٍ في مواجهة جهاز السافاك وسياسات الشاه عبر سنوات حكمه، إلا فيما يمثّل مصالحهم كما يبدو، ويرى الباحث نفسه، أنّ"رجال الدين بقوا متفرجين خلال اندلاع الثورة الإيرانية"، وأنّ كل ما فعلوه في النهاية كان وضع عباءةٍ على جسد الثورة وعمامة فوق رأسها، في شكلٍ أنتج دكتاتوراً جديداً، هو (آية الله الخميني).

جمهورية الله

لم يكن الخميني ضد تحرير النساء فقط، ولا ضد الموسيقى وحدها أيضاً، لكن الرجل الذي يصوّره النظام الإيراني كل مرةٍ على أنّه ثوريٌ مخلص، قال في إحدى المقابلات التلفزيونية له "لم آت في الأصل لمواجهة نظام الشاه، بل جئت من أجل إقامة جمهورية الله الإسلامية" بحسب ما كتبه شابور في دراسته المذكورة آنفاً.

عدم وجود تاريخٍ للديمقراطية سهّل على الخميني وأنصاره من رجال الدين استخدام القمع والقتل

وبهذا، أسقط الخميني مباشرة هذا التحالف الوطني الكبير، من ليبراليين وسنة وشيعة ويساريين وأكراد وغيرهم، لصالح خطابه المصلحي، المحمي بقدسية الله؛هذه الخطوة، شكّلت قفزةً عن مقوماتِ وأطراف الثورة، وجلبت مقصلة (روبسبيير) سريعاً إلى شوارع إيران.
الشعب الإيراني بتنوع أعراقه ودياناته وقواه السياسية، قابل قرارات الخميني بالرفض عموماً، لكن عدم وجود تاريخٍ للديمقراطية ومؤسساتها في طهران، سهّل على الخميني وأنصاره من رجال الحوزات الدينية في إيران، استخدام القمع والقتل أيضاً.

منذ 1979 أصبح إعدام المعارضين والوطنيين مشهداً متكرراً في إيران

وتمثل هذا جلياً، بعد تعيين "مهدي بارزكان" رئيساً لحكومة الثورة التي باتت مقدسة على يد الخميني، فبدأت مسيرة الإصلاح "بإعدام مئات المسؤولين السابقين والقادة العسكريين والمدنيين في حكومة الشاه المخلوع".

قمع الخميني كل من شارك بالثورة من غير رجال الدين وقُتل خلال عامين أكثر من 3000 ثوريٍ ومعارض

ويذكر موقع "الاشتراكي" في دراسةٍ موسعة عن الثورة الإيرانية، نشرت في العام 2009، أنّ "الأحزاب اليسارية كحزب توده الشيوعي، والقوى الشعبية المطالبة بالحقوق الاقتصادية والإنسانية، أخطأت بتحالفها مع الخميني ورجال الدين على أساس أنه عدوٌ للإمبريالية"؛ ذلك أنّ الخميني فيما بعد "حظر الحزب ووجه رجاله لإعدام واعتقال عشرات الآلاف من كوادره وأتباعه وإعدام قادته التاريخيين بعد تعذيبهم وإذلالهم بالظهور على شاشة التلفزيون للاعتراف أنّهم كانوا عملاء للسوفييت وأنّهم ارتكبوا جرائم لا تُغتفر ضد الخميني، بل وضدّ الإسلام".

أما على الصعيد الاجتماعي، فلم يسلم المثقفون والفنانون والنساء من القمع، كما أنّ "الحركات الفدائية" كما يصفها شابور، التي قامت في مدنٍ إيرانية عديدة ضد الشاه، تعرّض أفرادها إلى الاعتقال والإعدام بكل بساطة.
وضمن تقريرٍ موسع لموقع قناة "الغد" في كانون الثاني (يناير) 2017، يتجاوز عدد عمليات الاغتيال والإعدام بلا محاكمةٍ في الشوارع، إضافةً إلى مطاردة المعترضين على سياسات الخميني وقتلهم خارج إيران؛ 3000حالة.

موالاة "الشيطان الأكبر"

تتوالى الدلائل التي تكشف كم التآمر على الشعب الإيراني وثورته من قبل آيات الله وأعوانهم؛ ففي وثائق لجهاز المخابرات الأمريكي "سي آي إيه"، نشرها موقع "بي بي سي فارسي"  بتاريخ 3 حزيران (يونيو) 2016، جاء أن"الخميني أرسل رسالة إلى الحكومة الأمريكية، من خلال ميرزا خليل جامرائي، وهو أستاذ في كلية الدين بجامعة طهران، وناشط سياسي مقربٌ من الإسلامويين، يقول فيها إنّه لن يعارض المصالح الأمريكية في طهران، بل على العكس، عبّر عن اعتقاده بأنّ الوجود الأمريكي، ضروريٌ لإحداث توازن ضد الاتحاد السوفياتي".

اقرأ أيضاً: كيف غير الصفويون وجه إيران الديني والسياسي إلى الأبد؟

ولم يكتفِ الخميني بهذا، بل وحسب الوثائق "قدم عرضاً للرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر، فحواه: أنه يأخذ القادة العسكريون الإيرانيون بنصيحة الأمريكيين، بينما يتبع الشعب الإيراني أوامر الخميني. وهكذا يمكن لرئيس أمريكا أن يستخدم نفوذه على الجيش الإيراني لتسهيل الانقلاب، بينما يتولى الخميني تأمين المصالح الأمريكية".
وتضيف الوثائق، أنّه في الفترة السابقة للثورة "نجح الرئيس الأمريكي كارتر في إقناع الشاه محمد رضا بهلوي بالذهاب في إجازة، بينما بقي في إيران جيشٌ من 400 ألف جندي يعتمد على نصائح أمريكا".

تخطيط مشترك للثورة بين الخميني و(الشيطان الأكبر) أمريكا

الثورة التي أراد لها الخميني إقامة "جمهورية الله" بحسب قوله في ذلك الحين، ووفق الدراسات المذكورة آنفاً، عملت من خلاله على "أسلمة التعليم" شيعياً، و"تغيير القوانين" لمصلحة رجال الدين الشيعة مع استبعاد الأقليات، كما إنّها أعادت دمج العديد "من ضباط السافاك أصحاب الكفاءة في ممارسة القمع" ضمن أجهزتها، أما الاقتصاد والديمقراطية، وهما السببان الرئيسيان لثورة الشعب الإيراني، فلم يظهرا إلى العلن حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: تقرير دولي: إيران عدوة الحريات

واليوم، ما تزال التقارير الدولية تضع إيران في المرتبة الأولى، كدولة تقمع شعبها، وتسجن المثقفين والناشطين، إضافةً إلى نسبة أحكام الإعدام المرتفعة، دون أن يحظى الشعب الإيراني بأي اعترافٍ من نظامه الحاكم وأجهزته وملاليه، بأن الثورة من الأساس، لم تكن سوى ضد الشعب وحريته ومستقبله، مما يضع إيران في دائرة الضوء، بعد الاضطرابات الحالية، بانتظار انفجارٍ شعبيٍ محتمل في الفترة القادمة.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية