كيف توظف الجماعات الإرهابية شبكة الإنترنت ومنصات التواصل لغايات الدعاية والتجنيد؟

كيف توظف الجماعات الإرهابية شبكة الإنترنت ومنصات التواصل لغايات الدعاية والتجنيد؟


15/02/2022

الإنترنت أداة أحدثت ثورة جذرية في العالم والمجتمع منذ ابتكارها في التسعينيات. واليوم، أصبح أكثر من (5) بلايين شخص في جميع أنحاء العالم قادرين على الوصول إليها. وفي حين أنّ هذه التكنولوجيا تأتي مع العديد من الابتكارات الإيجابية، إلا أنه يمكن استخدامها بشكل سلبي من قبل المنظمات الإرهابية لنشر رسائل دعائية بسهولة أكبر. ورغم أنّ شبكة الإنترنت جلبت تغييراً إيجابياً يساعد على ربط العالم، إلا أنها لم تخلُ من سلبيات. ويمكن القول إنّ أحد أهم الجوانب السلبية هو استخدام المنظمات الإرهابية للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة لتجنيد الإرهابيين.

يمكن العثور على جذور الإنترنت الحديثة في أوائل السبعينيات، خلال الحرب الباردة، عندما كانت وزارة الدفاع الأمريكية قلقة بشأن الحد من ضعف شبكات الاتصالات الخاصة بها أمام الهجوم النووي فقررت  اللامركزية في النظام بأكمله من خلال إنشاء شبكة مترابطة من شبكات الكمبيوتر.

 تملك شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي عدداً من السمات العامة التي تتفاعل وتتراكم لتساعد في عمليات التجنيد

وكما هو معروف في أدبيات الإنترنت، ‏اخترع (تيم بيرنرز لي)، وهو عالم بريطاني، في عام ‏1989‏ الشبكة العالمية (WWW)، أثناء عمله في "المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية" (CERNE  European Organization for Nuclear Research) وقد صممت الشبكة في الأصل وطورت لتلبية الطلب على تبادل المعلومات الآلي بين العلماء في الجامعات والمعاهد في جميع أنحاء العالم.

بحلول عام 2000 كانت جميع الجماعات الإرهابية تقريباً قد أقامت وجودها على شبكة الإنترنت

وفي 30 نيسان (أبريل) 1993، أتاحت المنظمة برنامج الشبكة العالمية للاستخدام العام. وفي وقت لاحق، أتاحت إصداراً بترخيص مفتوح، وهي طريقة أكثر يقيناً لزيادة انتشاره إلى أقصى حد. وسمحت هذه الإجراءات للإنترنت بالازدهار؛ حيث كانت المنظمة رائدةً في ابتكار تكنولوجيا الإنترنت، ابتداءً من أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

بعد (20) عاماً من التطوير والاستخدام من قبل الباحثين الأكاديميين توسعت شبكة الإنترنت بسرعة وغيرت طابعها عندما تم فتحها للاستخدام التجاري. وبحلول منتصف التسعينيات، كانت الشبكة تربط أكثر من (18,000) شبكة خاصة وعامة ووطنية، مع زيادة العدد يومياً. وكان هناك حوالي (3.2) مليون حاسوب مضيف، وربما ما يصل إلى (60) مليون مستخدم منتشرين في جميع القارات السبع. 

 تملك شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي عدداً من السمات العامة التي تتفاعل وتتراكم لتساعد في عمليات التجنيد

يقدر عدد  مستخدمّي الإنترنت حتى  آذار (آب) 2021، أكثر من (5) مليار مستخدم، فيما بلغ عدد مواقع الإنترنت أكثر من (1.9) مليار حتى تاريخ 31 كانون الأول (ديسمبر) 2021 وفي شباط (فبراير) 2021 كانت نسبة من استخدموا الإنترنت من سكان العالم حوالي (61.8%)، بينما كانت تبلغ أقل من (1%) عام 1995، علماً بأنّ أول موقع نشر على الإنترنت كان من قبل "المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية" المعروفة اختصاراً بـ (cern) بتاريخ 16 آب (أغسطس) 1991 باسم "Info.cern.ch". ومتوسط ما يقضيه الشخص على شبكة الإنترنت (6) ساعات (43) دقيقة كل يوم، بمعدل (100) يوم في السنة.

إقرأ أيضاً: كيف كشفت مواجهة التطرف عيوب جبهة الاعتدال؟

مع ازدهار وتطور شبكة الإنترنت، تم الترحيب عالمياً بها باعتبارها رابطة للثقافات ووسيطاً للشركات والمستهلكين والحكومات للتواصل مع بعضها البعض، وتوفر فرصاً لا مثيل لها لإنشاء منتدى يمكن فيه لمجتمع (القرية العالمية) "أن يلتقي ويتبادل الأفكار، ويحفز الديمقراطية ويحافظ عليها في جميع أنحاء العالم. وتم النظر إليها من الخبراء والأكاديميين في مختلف التخصصات على أنها قاطرة لسيرورة العولمة، وتأثيراتها الإيجابية.

 ومع ذلك، ومع النمو الهائل في حجم الشبكة واستخدامها، فإنّ الرؤى الطوباوية للوعد بالإنترنت والعولمة اليومية الإيجابية تواجه تحديات بسبب انتشار المحتوى الإباحي والعنيف على شبكة الإنترنت واستخدام المنظمات والجماعات المتطرفة، والإرهابية من مختلف الأنواع للإنترنت. 

يحتوي موقع الجيش الجمهوري الإيرلندي على صفحة يمكن للزوار تقديم تبرعات ببطاقات الائتمان عليها

    وشبكة الإنترنت؛ بطبيعتها هي ساحة مثالية لنشاط الجماعات الإرهابية. رغم أنّ امتلاكها يتطلّب توفر بعض الإمكانيات المتاحة؛ إذ ينبغي امتلاك جهاز حاسوب وهاتف ذكي، والقدرة على القراءة والكتابة، وربما معرفة لغات أخرى .

    تملك شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي عدداً من السمات العامة التي تتفاعل وتتراكم لتساعد في عمليات التجنيد. ومن أبرز سمات شبكات الإنترنت التي يستغلها الإرهابيون:

    • سهولة الوصول، ورقابة حكومية أقل. 

    • توفر جمهور ضخم منتشر في جميع أنحاء العالم. 

    • تأمين عدم الكشف عن هوية الاتصالات.

    • تسمح بالتدفق السريع للمعلومات. 

    • توفر تطوير وصيانة غير مكلفة بوجود شبكة الإنترنت.

    • تأمين بيئة متعددة الوسائط (القدرة على الجمع بين النص والرسومات والصوت والفيديو والسماح للمستخدمين بتحميل الأفلام والأغاني والكتب والملصقات). 

    ‏ طبعاً؛ هذه السمات لم تمر دون أن يلاحظها أحد من قبل الجماعات الإرهابية، بغض ‏النظر عن توجهها السياسي من الإسلاميين والماركسيين والقوميين والانفصاليين ‏والعنصريين والفوضويين: كلهم يجدون الإنترنت مغرياً.

    اليوم، تحتفظ جميع ‏المنظمات الإرهابية ‏Foreign Terrorist Organizations (FTOs)‏ النشطة تقريباً والبالغ عددها ‏‏(73) جماعة حسب تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية السنوي، بالمواقع ‏الإلكترونية، ويحتفظ العديد منها بأكثر من موقع ويب واحد وتستخدم لغات متعددة، ‏ومختلفة، علماً بأنّ عدد الجماعات الإرهابية حسب هذا التصنيف يتغير سنوياً؛ إذ ‏يخضع للمراجعة وإعادة التقييم حيث يمكن أن تخرج منه جماعات، أو تدخل إليه ‏جماعات. ‏

    كيف يستخدم الإرهابيون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي؟

    يُعرف تجنيد الإرهابيين بأنه وسيلة أو أسلوب من النشاط يلتمس من الأفراد المشاركة في حركة أو جماعة متطرفة أو ارتكاب أعمال غير قانونية لصالح الجماعة الإرهابية. وهناك (8) طرق مختلفة، وإن كانت متداخلة في بعض الأحيان، يستخدم بها الإرهابيون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وهذه الطرق هي:

    1- التجنيد والتعبئة: أعتقد بأنّ تنظيم داعش نجح في تنفيذ أضخم عملية تجنيد باستخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في العصر الحديث. كما نجح التنظيم باستخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكثر فعالية بكثير مما استخدمه تنظيم "القاعدة" للوصول إلى جمهور أوسع من خلال أسلوب اتصال أكثر سهولة. ورداً على ذلك، تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص من أكثر من (120) دولة إلى العراق وسوريا وليبيا للالتحاق بتنظيم داعش عام 2014.

    2- الحرب النفسية: هناك عدة طرق للإرهابيين للقيام بذلك. على سبيل المثال، يمكنهم استخدام الإنترنت لنشر التضليل، وتقديم تهديدات تهدف إلى تأجيج الخوف والعجز، ونشر صور مروّعة للأعمال الإرهابية من هذا النوع، مثل القتل الوحشي بحرق الطيار الأردني النقيب معاذ الكساسبة على يد تنظيم داعش 2015، والصحفي الأمريكي دانيال بيرل عام 2002، في الباكستان على يد تنظيم القاعدة على يد خالد شيخ محمد العقل المدبر لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) والتي أعيد تصوير شريط فيديو لها على العديد من المواقع الإرهابية.

    إقرأ أيضاً: في نقد الإرهاب النسائي .. نحو تأنيث السياسة

    3- الجماهيرية والدعاية: وسعت شبكة الإنترنت بشكل كبير من الفرص المتاحة للإرهابيين لتأمين الدعاية. وحتى ظهور الإنترنت، كانت آمال الإرهابيين في كسب الدعاية لقضاياهم وأنشطتهم تعتمد على جذب انتباه التلفزيون أو الإذاعة أو وسائل الإعلام المطبوعة. ولهذه الوسائط التقليدية "عتبات اختيار" (عمليات متعددة المراحل من التحرير) لا يستطيع الإرهابيون الوصول إليها في كثير من الأحيان. وبطبيعة الحال، لا توجد مثل هذه العتبات على المواقع الإلكترونية للإرهابيين.

    4- استخراج البيانات: يمكن النظر إلى شبكة الإنترنت على أنها مكتبة رقمية واسعة. الشبكة العالمية وحدها تقدم حوالي مليار صفحة من المعلومات، والكثير منها مجاناً، والكثير منها من اهتمام المنظمات الإرهابية، فعلى سبيل المثال، يمكن للإرهابيين أن يتعلموا من الإنترنت مجموعة واسعة من التفاصيل حول أهداف مثل: مرافق النقل ومحطات الطاقة النووية ومنشآت البناء العامة والمطارات والموانئ، وحتى عن تدابير مكافحة الإرهاب. 

    5- جمع الأموال والتبرعات: اعتمد تنظيم "القاعدة" اعتماداً كبيراً على التبرعات، وتستند شبكته العالمية لجمع الأموال من الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الحكومية وغيرها من المؤسسات المالية التي تستخدم المواقع الإلكترونية وغرف الدردشة والمنتديات القائمة على الإنترنت. ويحتوي موقع الجيش الجمهوري الإيرلندي على صفحة يمكن للزوار تقديم تبرعات ببطاقات الائتمان عليها.

    6- التشبيك: شهد إقامة مثل هذا النوع من التشبيك بين العديد من الجماعات الإرهابية، مثل القاعدة، وداعش، واليمين المتطرف في الغرب وأمريكا، تحولاً من منظمات هرمية بحتة مع قادة معينين إلى انتماءات لخلايا شبه مستقلة ليس لها تسلسل هرمي قيادي واحد. ومن خلال استخدام الإنترنت، تستطيع هذه الجماعات غير المترابطة بشكل فضفاض الحفاظ على اتصال بعضها ببعض - ومع أعضاء الجماعات الإرهابية الأخرى.

    إقرأ أيضاً: "الميتافيرس"... هل سنغادر عالمنا الواقعي قريباً؟

    7- تبادل المعلومات: قام تنظيم داعش مؤخراً عبر منصاته ‏‏الإعلامية بنشر مجموعة من الروابط لكتيبات وفيديوهات تحتوي على طرق تصنيع عبوات ‏ناسفة، وقنابل ‏للتفجير عن بعد باستخدام الهواتف المحمولة، واستهداف المركبات ‏لبث الذعر والفوضى في الدول الغربية. وفي أوائل شباط (فبراير) 2022، بدأت مؤسسة الصقري للعلوم العسكرية الموالية ‏لتنظيم داعش حملة لتعليم المتعاطفين وتحريضهم على الإعداد ‏لهجمات ضد أعداء التنظيم. وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، نشرت ‏الجماعة، المتخصصة في إنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أدلة وكتيبات ‏جديدة لصنع القنابل تقدم المشورة التكتيكية للمسلحين المحتملين باللغتين العربية ‏والإنجليزية، وتنشرها من خلال قنوات تطبيق "تيليجرام" على وجه ‏الخصوص. 

    8- التخطيط والتنسيق: اعتمد تنظيم القاعدة بشكل كبير على الإنترنت في التخطيط لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) وتنسيقها. حيث عثر مسؤولون فيدراليون على آلاف الرسائل المشفرة التي تم نشرها في منطقة محمية بكلمة مرور في موقع على الإنترنت على كمبيوتر الإرهابي المعتقل منذ 2002، والمحكوم مدى الحياة في غوانتانامو السعودي زين العابدين محمد حسين (أبو زبيدة ) الذي قيل إنه العقل المدبر لهجمات 11 أيلول (سبتمبر).

    وفي مؤتمر صحفي عقد في أواخر أيلول (سبتمبر) 2001، قال رونالد ديك، مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي ورئيس المركز الوطني لحماية البنية التحتية في الولايات المتحدة، للصحفيين "إنّ منفذي هجمات 11 أيلول استخدموا الإنترنت و"استخدموها بشكل جيد". ومنذ 11 أيلول 2001، زاد الإرهابيون من مهاراتهم في الإنترنت وزادوا من وجودهم على شبكة الإنترنت".

    إنّ قصة وجود الجماعات الإرهابية في الفضاء الإلكتروني ما زالت في بدايتها. ففي عام 1998، كان حوالي نصف الجماعات الإرهابية الـ 30 المصنفة على أنّها "منظمات إرهابية أجنبية" بموجب "قانون مكافحة الإرهاب وعقوبة الإعدام الفعالة " الأمريكي لعام 1996، يحتفظ بمواقع على شبكة الإنترنت؛ لكن بحلول عام 2000، كانت جميع الجماعات الإرهابية تقريباً قد أقامت وجودها على الشبكة.




    انشر مقالك

    لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
    الصفحة الرئيسية