"الميتافيرس"... هل سنغادر عالمنا الواقعي قريباً؟

"الميتافيرس"... هل سنغادر عالمنا الواقعي قريباً؟

مشاهدة

30/12/2021

شهدَ عالم العقارات مؤخراً بعض الصفقات المذهلة، ولكن هذه المرّة عالم العقارات الافتراضية، فقد بلغت حقوق ملكيّة "منزل المريخ"، وهو عبارة عن منزل زجاجي على الكوكب الأحمر صمّمته الفنانة "كريستينا كيم"، أكثر من 500 ألف دولار، بينما متوسط سعر المنزل في العالم الحقيقي لم يتجاوز 380 ألف دولار، وفي العشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) اشترت شركة "توكن" عبر "ميتافيرس كروب"، 116 قطعة من الأرض تبلغ مساحتها 565 متراً بمبلغ مليونين ونصف المليون دولار، ولم تقتصر الصفقات الافتراضيّة على العقارات، حيث بيع يخت افتراضي بـ 650 ألف دولار أمريكي على منصة "سانت بوكس" المهتمّة بالألعاب. يبدو أنّ الكثير من الشركات والأفراد باتوا اليوم مهتمين بالاستثمار العقاري، في عالمٍ افتراضي تشرّع الميتافيرس بواباته العريضة.

اقرأ أيضاً: ألم يحن الوقت لإعادة التفكير بقيمنا؟

تشير "وكيبيديا" إلى أنّ الميتافيرس ليس فكرةً مستقبليّة غير متبلورة من الصعب فهمها، إنها شيء تعمل العديد من الشركات على بنائه، فالمعنى الحقيقي لرؤية "مارك زوكربيرغ" للميتافيرس، بأنه "ليس مجرّد مكان يتسكّع فيه الناس كأفتار، بل في تغيير شامل لطريقة استخدام الإنترنت، يوفر مساحةً يقضي الناس فيها الجزء الأكبر من حياتهم على الإنترنت"، فالميتافيرس، وبالرغم من أنّ كل شخصٍ له رؤيته الخاصة عمّا تعنيه هذه الكلمة، فإنّ البعض حتى الآن ليس لديهم أيّ فكرة عنه، فهذا المصطلح يُستخدم عادةً لوصف الإصدارات المستقبليّة المفترضة للإنترنت، المكوّن من مساحاتٍ ثلاثيّة الأبعاد، لا مركزية ومتصلة بشكل دائم، يمكن الوصول إليها عبر نظارات الواقع الافتراضي، أو الواقع المعزز والجوالات والحواسيب المكتبيّة ومنصات الألعاب.

 

ما معنى أن تشتري منزلاً أو تختاً افتراضياً بمبالغ طائلة، بينما الفقر والجوع يحاصر أكثر من نصف سكان العالم؟

 

نحن في الحقيقة لا نعرف الصورة التي سيتخذها الميتافيرس في المستقبل، فلو حاول أحدهم شرح فكرة الفيسبوك قبل عشرين عاماً كان سيبدو ذلك صعباً، لكنّ التقنيّة تستمر في التقدم لفتح أبواب جديدة أمام المجتمعات الإنسانيّة، يمكن لآفاقها أن تقدّم حلولاً للعديد من المشكلات التي تواجهنا، ومع ذلك فإنّ استهداف العوالم الافتراضيّة للأفراد، هذا الاستهداف الذي لا ولن يستثني الأطفال، يترك إشارات استفهام حول مستقبلهم ونموهم الجسدي والنفسي، وقد لمسنا بشكل واضح الأمراض النفسية والجسدية لدى الأطفال، التي خلفتها الكثير من الألعاب الإلكترونية، كالقلق والتوتر والعصبية والاكتئاب، بالإضافة إلى نوع جديد من التوحد وهو ما يسمى بالتوحد المكتسب.

 

اقرأ أيضاً: في فهم التنافس: عذراً ميكافيلي.. الغاية لا تبرّر الوسيلة

بالنظر إلى المخاطر التي تهدد التقنيّة فيها أطفالنا، يمكن للميتافيرس أن يضاعف هذه المخاطر خاصةً مع طموحات مؤسسي ومتبني الميتافيرس، الذين يراهنون مستقبلاً على قضاء الأفراد وقتاً أطول أمام الإنترنت، ممّا يعني بالضرورة أنّ نصيب الأطفال سيزداد، ومع حالة العزلة التي يمكن أن تفرضها نظارة الميتافيرس أو أيّ وسيلة أخرى، حيث يمكن للأطفال أن يتواجدوا فيزيائياً مع أسرهم إلا أنهم سيكونون في عوالم مختلفة، وهذا بالطبع سيقلّص مساحة تواصلهم الحسّي مع الآخرين وعلاقتهم بالواقع، وكما سيُضيّق فضاء حواسهم؛ إذ ستصبح ثانويةً في عالمهم الافتراضي، هذا بالمجمل سيعزز الفرص أمامهم للانخراط بعزلة إرادية، تراكم المنسوب الكمّي للمظاهر الاغترابية التي يعاني منها الإنسان المعاصر.

 

اقرأ أيضاً: ثقافة اللاعنف.. عالم يتسع للجميع

ربما لا نعرف إلى أين يتّجه العالم، ولكن تقصّي الحقائق التاريخيّة لا يشير إلى أننا نسير في اتجاه صحيح، فالتقنية الحديثة بما وفرته من فائض للوقت ـــ أقلّها في حمل عبء الأعمال العضليّة التي تستهلك جهد ووقت الأفراد ــ لم تجعل الأفراد رجالاً ونساءً أكثر راحةً واتساعاً، فالميزة الفارقة التي تسم الفرد المعاصر هي إحساسه الدائم بنفاد الوقت وعدم القدرة على مجاراته أو اللحاق به، وفي هذا السباق المحموم لتأمين احتياجات فائضة عن الحاجة في معظمها، سيُترك أطفالنا تحت رحمة التقنيّة، بينما نحن غارقون في ملاحقتنا العبثيّة للزمن، ومع الميتافيرس لا شك أنّ الاستلاب سيتخذ شكلاً جديداً، خاصةً أنّ العوالم الافتراضية والواقعية ستتداخل فيما بينها وتتميّع الفوارق التي تحددها.

 

ربما لا نعرف إلى أين يتّجه العالم، ولكن تقصّي الحقائق التاريخيّة لا يشير إلى أننا نسير في اتجاه صحيح

 

مع ظهور الثورة الرقميّة فإنّ التحديدات الكلاسيكيّة لمفهوم الاستلاب ستفقد جدواها، حيث كان الاستلاب يرتبط ارتباطاً مباشراً بفقدان معنى الوجود وغيابه، نتيجة علاقة الفرد القهرية مع السلطة (سياسياً، اقتصادياً، دينياً)، لكن الاستلاب مع الميتافيرس سيأخذ معنى طبيعياً، في أن يصبح غياب معنى الوجود هو المعنى الذي يسعى الجميع إلى تأكيده وتبنيّه، بأن يصبح الافتراضي أكثر واقعيّة وتماسكاً، وأن تصبح الصورة هي الحقيقة التي ترفع الواقع، وهنا يمكن أن نسأل ما معنى أن تشتري منزلاً أو تختاً افتراضياً بمبالغ طائلة، بينما الفقر والجوع يحاصر أكثر من نصف سكان العالم، هل سيكون الميتافيرس حلاً، بينما لا يمكن للصندوق أن يتسع لشيء إذا كان ممتلئاً؟

اقرأ أيضاً: مفاتيح الجنّة متاحة للجميع.. ولكن! 

في الحقيقة تشكل الفرضيات تمريناً عقلياً جيداً كونها تحاول ربط الأسباب بالنتائج، وتتيح في الوقت نفسه تعقّب الأسباب المباشرة وغير المباشرة داخل السؤال المنطقي، بمعنى أنها تسعى إلى مَنْطقة الواقع وجعله مفهوماً، أو إزالة الالتباس الذي يصادر فهمنا له، ولهذا فإنّ المنعطفات الحادّة التي شهدها العالم في السنوات القليلة الماضية، وإن كانت تدفع بفرضياتٍ تبدو متطرفة لكنّها تتصدر ضمناً ما يحدث اليوم، فالتنافس العالمي على شبكات الجيل الخامس و الجيل السادس(5g و6g)، قد تزامنت مع ظهور كوفيد المتحور الدائم التهديد، حيث فرض عزلةً عالميّةً ومجتمعيّةً، بما أطلق عليه (التباعد الاجتماعي) كطريقةٍ أساسيّةٍ لمواجهته والحدّ منه، وهذا ما عزز التعويل العام على العالم الافتراضي لحلّ مشكلات التعليم والعمل والتواصل، ما جعل ظهور الميتافيرس بما يحمل ظهوراً عارضاً يغيّب فرضيّةً أساسيّة ممكنة: ماذا لو أنّ كل ما يحدث تقف قصديّة ما وراءه وتحرّك خيوطه؟


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية