كيف تحولت "النفّة" من أفيون للسلاطين إلى مخدّر للبؤساء في تونس؟

كيف تحولت "النفّة" من أفيون للسلاطين إلى مخدّر للبؤساء في تونس؟

مشاهدة

01/11/2018

"النفّة" التونسيّة، أو كما يُطلق عليها "الشمّة" في بعض البلدان؛ هي جزء من موادّ "المزاج" العربي، وهي مخدّر من عائلة التبغيات، يصنع من ورق التبغ الممزوج برماد عشبة "الرّمِث" الصحراوية، يستهلكها غالباً البائسون؛ من مسنين ومسنّات وشبّان من الأوساط الفقيرة، تحديداً في المحافظات التي تمتاز بقوة سلطة الأب والعائلة، وهي بديلة السجائر، تستهلكها، حتى النساء، بالأوساط الريفية دون حرج.

طريقة تعاطيها تبدأ بإعداد قطعة دائرية صغيرة من دقيقه الأسود، ثم توضع القطعة ما بين الفكّ والشفتين، لمدة تتراوح بين العشر دقائق ونصف ساعة، قبل بصقها، وأحياناً لمدّة أطول، وقد يكون من الغريب أنّ نساء الأرياف المحافظات (المتقدّمات في السنّ بشكل خاصّ)، يستهلكنها دون حرج، فيستخدمنها في البداية كمسكّن لآلام الأضراس، لتتحوّل فيما بعد إلى إدمان.

اقرأ أيضاً: ما سرّ إقلاع مليون فرنسي عن التدخين عام 2017؟

وكثيرات منهنّ اكتشفنها عن طريق الصدفة؛ ليتحوّلن بمرور الزمن إلى مدمنات عليها بعلم عائلاتهنّ، وتقول في هذا الشأن، الحاجة زُبيْدة (70 عاماً)، محافظة سيدي بوزيد بالوسط التونسي، إحدى المدمنات على "النفّة"، إنّها لا تزور الطبيب غالباً إذا مرضت، بسبب بعد المسافة، وإنّها تكتفي باستعمال الطرق التقليدية في العلاج، وإذا آلمها ضرس تستعمل كميّة من "النفّة"، وتضعها على الضرس المصاب، مشيرةً إلى أنّها مادة فعالة، وتلعب دوراً مهمّاً في إزالة الوجع المنجرّ عن الضرس.

عبد الستار عمامو: النفّة كانت هدايا تونس الفاخرة لسلاطين تركيا والنساء كنّ يستعملنها تماماً مثل الرجال

وتضيف الحاجة زبيدة لـ "حفريات"؛ أنّها تستهلك النفّة دون حرج أمام أولادها، أمّا عن زوجها، فهو من يشتريها لها، كلّما طلبت منه ذلك، ولا يمانع في أن يتقاسما معاً هذه المادة.

ويقول بائع "النفّة"، عمر العرفاوي (83 عاماً)، من محافظة باجة، شمال غرب تونس، في تصريحه لــ "حفريات": إنّه خبِر تحضير مادة النفّة، التي تختلف عن طريقة تحضيرها بالجنوب التونسي، وإنّه يستهلكها منذ صغره، أسوة بوالده وجدّه، ولا ينوي الإقلاع عنها، ويضيف الحاج عمر أنّ سعر العشرة مليغرامات 2000 ملّيم (حوالي 0.7 دولار).

بائع النفّة عمر العرفاوي (83 عاماً) من محافظة باجة

ويؤكّد أنّه يستقبل يومياً العشرات من العجائز، فضلاً عن الرجال المتقدمين في السنّ، لاقتناء "النفّة"؛ لأنّه البائع الوحيد في منطقته، كما أنّ خبرته في صنعها، أكسبته شهرة بين سكان الحي.

من جهته، يعدّ صالح ريجاني (72 عاماً) أنّ سعر السجائر ارتفع بشكل غير معقول، وهو ما أجبره على استهلاك النفّة، لأنّها أقلّ سعراً، ومضارّها أقلّ، بحسب اعتقاده.

اقرأ أيضاً: أزمة الوعي المسطح والتدخين.. موت بطيء ومؤلم

ويقول الريحاني لـ "حفريات": "جيل النّفة جيل ذهبي، يذكرني بعدة قصص؛ منها جلسات كبار السنّ في بطاحي الأحياء والقرى، كما أنّها كانت رفيقة المقاومين في الجبال، ضدّ المستعمر الفرنسي".

لـ "النفّة" مضارّ مشابهة للسجائر

وبتكرّر استهلاكها؛ تتحوّل المواد السامة التي تتكون منها النفّة/ الشمّة، إلى روائح كريهة لا تفارق الفم والشفتين واللسان، خاصّة أنّ بعض المدمنين يحتفظون باللفّة الواحدة لأكثر من ساعتين، مما يؤدي إلى تخمّر هذه المواد وانبعاث الروائح الكريهة منها.

الحاج عمر: سعر العشرة مليغرامات 2000 ملّيم (حوالي 0.7 دولار)

وتتسبّب بأمراض تنفسية وصدرية، وأخرى متعلّقة بالفم والحلق واللّسان، ويمتدّ تأثيرها جلياً إلى الأسنان، لكنّ أخطر ما يمكنها أن تسببه هو سرطان الفم، وهو ما تؤكّده طبيبة الأسنان، فوزية بياوي، في تصريحها لـ "حفريات".

د. فوزية بياوي: النفّة تسبّب أمراضاً تنفسية وأخرى متعلّقة بالفم والحلق واللّسان وقد تسبب سرطان الفم

وتقول البياوي: إنّ "النفّة تحتوي على مركب "النيكوتين" السام كاملاً، وهو ما يتسبّب في عدّة أضرارٍ للّثة؛ إذ تعمل على إفساد الأغشية المخاطية والتهابها، مما يؤدّي إلى سهولة اقتلاع الضرس، وكذلك تشقّق الأسنان، وهو ما يسمح بتجمع الفطريات والميكروبات بمختلف أنواعها".

وتشير المختصّة في طبّ الأسنان إلى أنّها تستقبل يومياً عدداً كبيراً من الرجال المتقدّمين في السنّ، بسبب أمراض في الفم تسببها النفة والسجائر، وتكون تأثيرات النفّة واضحة على مستهلكيها على مستوى الشفاه، التي يتغيّر لونها بمرور الوقت، فتميل غالباً إلى الأسود.

يُشار أيضاً إلى أنّها تسبّب أمراضاً أخرى خطيرة ومزمنة؛ كسرطان الرئة، والمعدة، وأمراض في الأعصاب، والأوعية الدموية.

يقول ريجاني أن سعر السجائر ارتفع بشكل كبير وهذا ما أجبره على استهلاك النفّة

النفّة من رمزٍ للفخر إلى مدعاة للحرج الاجتماعي

وبعيداً عن المخاطر الصحيّة؛ تسبب النفّة نوعاً من الحرج الاجتماعي، الذي لا يأبه له البعض، بينما يتجمّل البعض الآخر بإخفائه عن الأعين، خاصّة أنّ المواد السامّة التي تتكون منها "النفّة"، تتحوّل مع الوقت وكثرة الاستهلاك إلى روائح كريهة لا تفارق الفم والشفتين واللسان، فيعدّها البعض مُنقصاً من هيبة متعاطيها.

يرى عمامو أنّ أهل البادية كانوا يستهلكون النفّة عبر وضعها لمدّة معيّنة في الفم، غير أنّ سكّان المدينة كانوا يستهلكونها عبر الشمّ فقط

في المقابل، يرى الباحث في التراث، عبدالستار عمامو، في تصريح لـ "حفريات"؛ أنّ حكّة (علبة) النفّة جزءٌ من تاريخ تونس، التي كانت ترسل حكُكْ (علب) النفّة، المرصّعة بالذهب والفضّة إلى سلاطين تركيا، ويقول: "هذه المادّة كانت سابقاً تهدى إلى الأكابر والأعيان".

ويضيف عمامو، أنّها كانت مصدر فخرٍ لمستهلكيها، حتى أنّ مشايخ (شيوخ) جامع الزيتونة المعمور، دأبوا على تعاطي هذه المادّة قبل مباشرة محاضراتهم.

ويفيد الباحث في التراث؛ بأنّ "الفرق بين أهل المدينة وأهل البادية؛ أنّ أهل البادية كانوا يستهلكونها عبر وضعها لمدّة معيّنة في الفم، غير أنّ سكّان المدينة كانوا يستهلكونها عبر الشمّ فقط، وهو الفرق الوحيد آنذاك بين الأرياف والمدن، وأنّ النساء كنّ يستهلكنها تماماً مثل الرجال، دون حياءٍ أو حرج، عكس السجائر"، ويقول إنّهنّ كنّ يعتبرنها دواء لنزلة البرد والزكام ويقدّمنها حتى لأطفالهن، لأنّها، بحسب اعتقادهن؛ "تسرّح عروق الرأس" (تسرّح شرايين الرأس).

تختلف طريقة استخدام النفّة في الأرياف عن المدن

عبد الستار عمامو يلفت إلى أنّ "النفّة لم تعد كما كانت سابقاً، فقد أصبحت، منذ الستينيات، مستهجنة، يستعملها فقط كبار السنّ في الأرياف، لأنّ السجائر عوضتها بحكم تطور الزمن، وتغيّر نظرة التونسيين تجاه السجائر".

اقرأ أيضاً: المجتمع الياباني: وفاء للعادات والتقاليد رغم إغواء الحداثة

ويقول أحمد (اسم مستعار)، 35 عاماً، من محافظة قفصة (كبرى مدن الجنوب الغربي التونسي)، في حديثه لـ "حفريات": ''كنت أدخّن بشراهة منذ أعوام، إلى أن تدهورت صحة قلبي بشكل كبير، وأمرني الأطباء بالتوقف عن التدخين، ففعلت ذلك بصعوبة كبيرة، والتجأت إلى "النفّة" لأعوّض النقص الذي تركته في حياتي السجائر"، مشيراً إلى أنّه يستهلكها منذ عام ونصف العام، ولم يلاحظ أيّ تأثير لها على صحته.

ويؤكّد أحمد؛ أنّه لا يفكّر في الإقلاع عنها، رغم أنّه يشعر بالحرج من تعاطيها علناً، خاصّة في بعض الأماكن الراقية، ويضيف مازحاً، أنّه لم يستهلكها يوماً أمام صديقاته أو قريباته.

الصفحة الرئيسية