كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟

صورة سامي أبو داود
باحث اردني متخصص في الدراسات الاسلامية
2535
عدد القراءات

2018-06-21

يُعّرف مفهوم الإسلاموفوبيا بأنه: ظاهرة الخوف الجماعي من الإسلام والمسلمين في العالم الغربي. ويرجع الباحثون تاريخ شيوع هذه الظاهرة إلى ما بعد حادث تفجير برجي التجارة العالمي، في 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001، الذي شهدته الولايات المتحدة الأمريكية.

ونتساءل هنا: كيف كانت نظرة العالم الغربي للإسلام والمسلمين قبل أحداث سبتمبر تلك؟

فتح العالم الغربي، في أوروبا وأمريكا وكندا، أبوابه أمام المهاجرين المسلمين على فترات مختلفة، وقد بدأت الهجرات بشكل موجات كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، حين احتاجت ألمانيا المدمَّرة إلى الأيدي العاملة، فاستوردتها من تركيا، حيث وصل عددهم إلى ما يزيد عن مليون ونصف المليون في الوقت الراهن، كذلك كانت هناك هجرات كردية إلى ألمانيا على فترات مختلفة، وقبل ذلك حدثت هجرات من شمال إفريقيا، من دول المغرب العربي، إِبّان الاحتلال الفرنسي للجزائر، التي كانت فرنسا تعدّها قطعة منها، كذلك توالت هجرات المسلمين من شمال المغرب إلى بلجيكا وهولندا، كما شهدت بريطانيا موجات هجرة للمسلمين، من الهند وباكستان، إِبّان الاحتلال البريطاني لهذه الأقطار، أيضاً شهدت منطقة الشرق العربي حركة هجرة من بلاد الشام والعراق لأوروبا على مراحل مختلفة.

تقبلَ الغرب الإسلام  كباقي الأديان لكن النظرة تغيرت تجاهه لعوامل عدة منها خطاب الكراهية الذي صنعه الإسلام السياسي

وخلال هذه الحقب لم تبزغ ظاهرة الإسلاموفوبيا لأسباب كثيرة منها، على سبيل المثال لا الحصر: وجود حكومات ليبرالية ويسارية تحكم في أوروبا، رحبت بالمهاجرين المسلمين إلى بلدانها، ولم يكن لديها أيّة حساسيات دينية تجاههم، ونظرت إلى الإسلام كباقي الأديان الموجودة في أوروبا –المسيحية واليهودية- كما كان جيل المهاجرين المسلمين الأول أقل تديناً وتعصباً من الأجيال اللاحقة؛ حيث انغمس الجيل الأول في البحث عن لقمة العيش والاستقرار في بلاد المهجر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ساد خلال حقبة السبعينيات والثمانينيات علاقة توافقية ومصلحية بين العالم الغربي، وبعض أنظمة الحكم في العالم الإسلامي، ومع  الجماعات الإسلاموية؛ حيث كانت العلاقات بين الأطراف الثلاثة على خير ما يرام، نظراً إلى التقاء مصلحتهم على محاربة المدّ الشيوعي واليساري في العالم الإسلامي، حيث تم توظيف الإسلام والإسلامويين لضرب هذا المدّ، وتجلّى ذلك على شكل تنسيق وتحالف عسكري في أفغانستان، حين أرسلت جماعات إسلاموية مقاتلة إلى أفغانستان لقتال الجيش الأحمر والحكومة الأفغانية الموالية له، وذلك لطرد السوفييت منها.

تربى الطفل الإسلامي على يد خطاب ديني يعدّ الغربيين ضالين مغضوباً عليهم مما نمَّى عنده شعوراً بالاستعلاء الديني

كذلك، فتحت الدول الأوروبية أبوابها لمطاريد الجماعات الإسلاموية الفارين من بلدانهم الأصلية، ليجدوا في أوروبا ملاذاً لهم من الملاحقة، فاستغلَّت الأجهزة الاستخبارية الأوروبية هؤلاء لتنفيذ أجنداتها، الداخلية والخارجية، بحيث توسّع انتشار هؤلاء المتأسلمين تحت سمع وبصر ورعاية تلك الأجهزة (التي كانت قصيرة النظر آنذاك!)، حين نظرت للموضوع كمصلحة آنية، فكان ذلك خطأً إستراتيجياً قاتلاً، تدفع ضريبته المجتمعات الأوروبية اليوم؛ حيث خرج المارد المتوحش من قمقمه وعاث إرهاباً وإرعاباً، من خلال قيامه بعمليات قتل جماعية وفردية ضدّ الأبرياء، وساعدت في ظهور هذا الوحش الإرهابي جماعة الإخوان المسلمين، التي تصدرت تشكيل العقل الجمعي للجاليات المسلمة، من خلال سيطرتها على مؤسسات دينية واقتصادية وتعليمية، ما ساهم في إذكاء وصناعة خطاب الكراهية ضد الغرب، الذي حدثت عنده نتيجة ذلك ردّة فعل على المستوى الشعبي ضدّ المهاجرين المسلمين، وأدى بالتالي إلى توسع ظاهرة الإسلاموفوبيا هناك.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الإسلاموية في أوروبا: ما هي وماذا تريد؟

إذاً، تقبلت المجتمعات الغربية، في بادئ الأمر، الدين الإسلامي، باعتباره ديناً كباقي الأديان، لكن مع مرور الزمن بدأت النظرة تتغير تجاه الإسلام، لعوامل عدة منها: على سبيل المثال لا الحصر، انتشار خطاب الكراهية الذي صنعه الإسلام السياسي داخل مجتمعات المهاجرين المسلمين، بحيث أتى أكله على مدى أربعين عاماً، تجلى وتمظهر في تنامي العداء للمجتمعات الأوروبية، باعتبارها مجتمعات كافرة أو (كفّاراً)، فقد تربى الطفل الإسلامي وأنشئ على يد خطاب ديني، يعدّ هؤلاء الغربيين الضالين (المسيحيين)، والمغضوب عليهم (اليهود)، وهذا كله طبقاً لتفسيرات سدنة الدين لما ورد في آية من سورة الفاتحة: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، على هذا النحو الإشكالي، استناداً إلى مرويات منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وسلّم)، وبالتالي تَثَقَّفَ المسلم على أنّ هؤلاء ضالون مغضوب عليهم، مما نمَّى عنده شعوراً بالاستعلاء الديني عليهم.

أدّى انعزال الجاليات المسلمة وتمايزهم بالمظهر الخارجي إلى توجَّسَ الغربيبن منهم ومن ثقافتهم التي لا تندمج مع الآخرين

كذلك أدّى انعزال الجاليات المسلمة في أحياء خاصة بهم وتمايزهم، خاصة بعد ظهور ما سمي بالصحوة الإسلاموية، بالمظهر الخارجي؛ من خلال اللباس، والهيئة، ولبس النقاب، وعدم مصافحة النساء، ...إلخ، إلى عزلة شعورية (حسب سيد قطب) عن محيطهم، وبالتالي توجَّسَ الغربيون منهم، ومن ثقافتهم الانعزالية التي لا تندمج مع الآخرين.

كما ساهم الخطاب الإسلاموي، الذي ظهر في بلاد المسلمين، المتمثل في أستاذية العالم؛ لأنّ الله اصطفى المسلمين وفضلهم على العالمين، لينشروا دينه الحق الذي يجب أن يسود العالم، وضرورة تحقيق ذلك من خلال الجهاد؛ أي بمعنى آخر: هناك مركزية إسلامية تتمثل في العالم الإسلامي يجب أن تكون مرجعية وقبلة العالم!

اقرأ أيضاً: مسلمو بريطانيا الشباب أكثر ليبرالية لكنهم ليسوا أقل تديناً

والعجيب هنا، ورغم هذا الانتفاخ الذاتوي والاصطفائي، المتمثل في هذه المركزية، نجد أنّ الإسلامويين، وحتى بعض العلمانيين العرب والمسلمين، يتذمرون من المركزية الأوروبية التي تدعو إلى سيادة العرق الأبيض، وتفوّقه على باقي الأعراق، فأية قسمة ضيزى تلك؟!

وتأسياً على ما سبق؛ أظنّ أنّ ظاهرة الإسلاموفوبيا ما كانت لتظهر أو تتوسع، لولا الشيطان الإسلاموي الذي جرى في عروق الجاليات المسلمة في الغرب، خاصة بعد الجيل الأول للمهاجرين؛ حيث ساهمت جماعة الإخوان المسلمين، وباقي السلالة الشريرة، من خلال أدبياتهم الفاشية، على تنشئة أجيال من المسلمين في المهجر تكره الآخر وتعاديه، وتنظر إليه باحتقار، وفق رؤية اصطفائية تقوم على المركزية الدينية للإسلام والمسلمين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: