كرة القدم وتحديات الانزلاق نحو التفرقة والصراع

كرة القدم وتحديات الانزلاق نحو التفرقة والصراع

كرة القدم وتحديات الانزلاق نحو التفرقة والصراع


01/02/2026

قيمة الشعوب ومكانتها، ورقيها وازدهارها وتقدمها، لا ترتبط في جوهرها بلعبة كرويّة الشكل ملأى بالهواء تُدعى "كرة القدم". ولماذا هذا الجزم؟ لأنّ كرة القدم، أوّلاً وأخيراً، هي وسيلة للتسلية الفردية أو الجماعية، نروّض من خلالها أجسادنا كباقي الرياضات الأخرى لنحررها من الخمول والكسل. إننا ندرك من خلالها أنّ قوة الإنسان الحقيقية لا تكمن في الجسد المعافى فحسب، وإنّما هي قوة العقل والتفكير والنظر؛ وقد روي عن الرسول الكريم قوله: "ليس الشديد بالصرعة، إنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (حديث نبوي). إنّ كرة القدم وغيرها من الرياضات تلفت نظرنا إلى أنّ الجسد، مهما بلغت قوته، ينبغي أن يظل خاضعاً لسلطة العقل وحكمته.

اللعب بغاية تعزيز ثقافة التعارف والاعتراف المتبادل

إنّ الغاية من كرة القدم في الأصل هي خلق حالة من التواصل والتعارف بين الشعوب والأمم؛ لذا فإنّ التعاطي معها ينبغي ألّا يغادر حدود "الشريط الأخضر"، بوصفها القوة الناعمة التي تعمل كأهمّ سفير للقيم الإنسانية النبيلة. ففي كنف المستطيل الأخضر تفتح كرة القدم فضاءً رحباً تتهاوى فيه جدران العزلة السميكة، وتذوب فيه الفوارق العرقية والطبقية والنزاعات الجغرافية المزمنة، لتفسح المجال لقيم العدل والمساواة؛ حيث الجميع سواسية أمام "قوانين اللعبة" الصارمة والمنصفة في آنٍ واحد.

وهنا تكمن المعجزة الرياضية؛ إذ تمنح الكرةُ المتعارضين سياسياً، وحتى الأعداء، فرصة للاحتكاك بسلام، وتقوّي بينهم روح الاعتراف والتقارب وتعزيز قيم السلم. ففي نهاية المطاف هم يمارسون "اللعب"، وخارج الشريط الأخضر لا يهمّ من انتصر أو انهزم، بل المهم هو ذلك التواصل والاعتراف المتبادل بين الطرفين؛ فمن خسر اليوم داخل الشريط الأخضر يمكنه العودة غداً لينتصر. إنّ اللعب يحيي في الناس الأمل بأنّ الحياة تستمر، وأنّه ينبغي أن نعيشها وفق قوانين وروح الأخوة بدلاً من العداء.

وفي لحظات الذروة الكروية، كبطولات كأس العالم، يتجلى مشهد كوني مهيب يختصر وحدة المصير البشري؛ حيث يتحول الكوكب إلى قرية صغيرة تصغي لنبض كرة واحدة. في هذه اللحظات يتصافح الخصوم بروح رياضية تنبذ كل أشكال العنف والتعصب، معلنةً أنّ "الآخر" ليس تهديداً بل هو شريك في الإبداع. إنّ الكرة تنادي العالم بالتكافل والإخاء، وهذا هو جوهر فلسفتها؛ فهي الشريان الذي يغذي جسد الإنسانية بقيم الاحترام، مؤكدة أنّ التقدم الحقيقي لا يتحقق إلا حينما يلتقي الإبداع الفردي بروح التعاون الجماعي لبناء عالم أكثر انسجاماً.

كرة القدم وتحدي الانزلاق نحو متاهات الصراع والكراهية

على الرغم من هذه الهالة المثالية التي تُحاط بها كرة القدم، إلا أنّها تظل كأيّ ظاهرة إنسانية عرضةً للانحراف نحو أدوار عكسية تقوض مقاصدها السامية. فحينما يغيب الوعي يتحول الشغف الرياضي الفطري إلى "تعصب أعمى" ومقيت، يقتات على الهويات الضيقة ويغذي النعرات الطائفية أو العرقية الكامنة. وفي هذه الحالة تتحول المدرجات من فضاءات للفرجة الإيجابية إلى ساحات للمعارك اللفظية والجسدية التي يوقد نيرانها خطاب الكراهية.

ويتفاقم هذا الوضع القاتم حين تُقحم "السياسة" ثقلها ومصالحها الضيقة في المستطيل الأخضر، فتُستغل اللعبة كأداة لتصفية الحسابات الدبلوماسية المتشنجة، ممّا يشحن صدور الجماهير بمشاعر العداء ويحوّل المنافس الشريف، في لحظة طيش جماعي، إلى "عدو" وجودي يجب سحقه. ولا يتوقف الاستلاب عند البُعد السياسي، بل إنّ "الجشع التجاري" غير المنضبط وتسليع اللعبة بشكل فج، حوّلاها إلى اقتصاد مادي جاف تطغى فيه لغة الأرقام الفلكية على لغة القيم، وهو ما أفرغ اللعبة من عفويتها ونزاهتها. ويأتي دور بعض الوسائل الإعلامية غير المسؤولة ليزيد الطين بلة عبر لغة الإثارة والمصطلحات الحربية، مستهدفةً تأجيج الغرائز البدائية بدلاً من ترسيخ الوعي. وكلّ هذه العوامل تجد بيئة خصبة في ظل غياب البرامج التربوية الرصينة التي تغرس الأخلاق في نفوس الناشئة، ممّا ينتج أجيالاً ترى في الهزيمة "إهانةً ونكسةً" وفي الانتصار "استعلاءً وازدراءً"، لتتحول الكرة من أداة للسلام إلى مصدر للفرقة والنزاع.

كرة القدم نحو دمج الثقافة في دائرة الإصلاح الرياضي

أمام هذا التحدي يُشكّل دمج الثقافة في قلب دائرة الإصلاح الرياضي المخرج الجوهري والوحيد للتحول من نموذج "المشجع المنفعل" المقاد بالغرائز، إلى نموذج "المشجع الواعي" المستوعب لرسالة اللعبة. إنّ هذا المسار يبدأ حتماً بصياغة "وعي جمالي" عميق يحل محل "التعصب النتيجي" الضيق؛ حيث يُنظر إلى كرة القدم بوصفها إبداعاً فنياً وحركياً يتجاوز لغة الأرقام، ممّا يتيح التمييز بين جمهور مثقف يتذوق جماليات الأداء، وآخر يختزل المباراة في صراع بدائي.

ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لإحياء "أدب المدرجات" الرفيع، ودعم الروابط الجماهيرية لتطوير رسائل بصرية (تيفو) وأهازيج راقية تحمل قيماً إنسانية، وهو ما يسهم في عزل الفئات التي تتبنّى "اللغة السوقية" أو السلوك العنصري. كما أنّ تكريس مفهوم "المواطنة الرياضية" يعيد ربط سلوك المشجع بهويته الحضارية، محولاً الملاعب إلى "مراكز ثقافية مفتوحة" تحتفي بالفن وتكرس المسؤولية الفردية.

وفي نهاية المطاف فإنّ إشراك النخب الثقافية والأكاديمية ورموز الفكر في "مجالس استشارية جماهيرية"، سيخلق عملية "فلترة" طبيعية تعلي من شأن الحوار الفكري الرصين، وتضع حداً فاصلاً بين جمهور واعٍ يرى في الخصم "شريكاً ضرورياً"، وبين جمهور يفتقر لأدوات التواصل الحضاري. إنّ الرهان اليوم هو إعادة كرة القدم إلى حضنها الأصلي كمدرسة للرقي الإنساني، وكشريان يضخ قيم الاعتراف والتعايش في جسد العالم.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية