
لم يعد مشهد البيوت الطينية أو الغرف المشيدة من ركام المنازل المدمرة غريباً في قطاع غزة، بل أصبح واقعاً يومياً يفرض نفسه على آلاف الشبان والعائلات، في ظل استمرار منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الإسمنت ومواد البناء الأساسية، هذا الواقع القاسي دفع كثيرين، لا سيّما الشباب، إلى البحث عن حلول بدائية للبقاء، مهما كانت خطورتها أو قسوتها.
وبحسب إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإنّ عدد المباني المتضررة نتيجة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بلغت نحو (190115) مبنى، منها (102067) مبنى دُمّرت بشكل كامل، وهو ضعف العدد المدمّر مقارنة بما كان عليه في العام الأول من العدوان، وبلغ عدد المباني المتضررة بشكل متوسط (41895) مبنى، وبلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة جزئياً نحو (330500) وحدة سكنية.
ووفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي، فإنّ (300) ألف خيمة وبيت متنقل، بالإضافة إلى (27) ألف خيمة تضررت جراء المنخفضات الجوية التي تعرّض لها قطاع غزة. ومنذ بدء المنخفضات الجوية ارتفع عدد المباني التي كانت متضررة من القصف الإسرائيلي وانهارت جراء الأمطار الغزيرة إلى (16) مبنى.
وتعيش نحو (250) ألف أسرة في مخيمات النزوح بقطاع غزة، تواجه البرد والسيول داخل خيام مهترئة.
ورغم أنّ اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول (أكتوبر)، يحتوي بروتوكولاً إنسانياً ينصّ على إدخال شاحنات مساعدات تحمل الحاجيات الأساسية للشتاء، فإنّ الاحتلال يعرقل دخول تلك الشاحنات.
وقد خلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة التي بدأت في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بدعم أمريكي، أكثر من (70) ألف شهيد، وما يفوق (171) ألف جريح، و(10) آلاف مفقود، وأحدثت دماراً لـ 90% من البنى التحتية المدنية.
الطين بدل الإسمنت
في حي النصر غرب مدينة غزة يقف الشاب شوقي نصار (28 عاماً) أمام غرفة صغيرة بناها من الطين المختلط ببقايا الحجارة وألواح خشبية مهترئة، فوق أنقاض منزله الذي دمر بالكامل.
يقول نصار: "كنت أحلم أن أبني بيتاً وأتزوج، لكنّ الحرب دمرت كل شيء، فبعد تدمير منزل عائلتي، بقينا عدة أشهر بلا مأوى حقيقي، وفي النهاية قررت أن أبني هذه الغرفة بيدي، لكي لا أبقى عبئاً على أحد".
ويضيف وهو يلمس جدار الطين المتشقق: "نحن نعرف أنّ هذا البناء غير آمن، لكنّه الخيار الوحيد، الإسمنت ممنوع، والبدائل غير متوفرة، والعمل شبه معدوم".
نصار، الذي تخرج في الجامعة قبل سنوات، يؤكد أنّ استخدام ركام المنازل المدمرة في البناء ليس خياراً آمناً، لكنّه اضطراري، ويكمل: "نقوم بجمع الحجارة المتكسرة وبقايا الإسمنت من بين الأنقاض، ونرصها بشكل بدائي، وكل يوم أخاف أن ينهار السقف، خاصة في الشتاء أو عند هبوب الرياح".
ويتابع: "أشعر أحياناً بأننا نعيش فوق ذكرياتنا المدمرة، هذا الركام كان بيتنا، ضحكاتنا، طفولتنا، والآن أصبح مأوى هشاً لا يحمينا من شيء".
ويتابع نصار: "الأزمة لا تتعلق فقط بالسكن، بل بمستقبل جيل كامل من الشباب، فمنع الإسمنت لا يمنع البناء فقط، بل يمنعنا من الاستقرار، من الزواج، من التخطيط لأيّ شيء، فكيف يمكن لشاب أن يبدأ حياته في غرفة طينية قد تنهار في أيّ لحظة؟".
ويؤكد أنّ كثيراً من أصدقائه يعيشون أوضاعاً مشابهة، بعضهم في خيام، وآخرون فوق أنقاض منازلهم، وسط غياب أيّ حلول حقيقية.
بيوت بلا أمان
وفي مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، يعيش الفلسطيني رأفت نعيم مع أسرته داخل غرفة واحدة بناها من خليط الطين والحجارة المتكسرة، فوق أنقاض منزله الذي دمر قبل أشهر.
يقول نعيم (42 عاماً): "بعد تدمير البيت بقينا فترة ننتقل من مكان إلى آخر، ولم نكن نملك مالاً للإيجار، ولا توجد مواد لإعادة البناء، فلم أجد أمامي سوى الطين وركام البيت نفسه".
ويضيف: "هذا السقف لا يحمينا من المطر ولا من البرد، لكنّه أفضل من النوم في العراء، نحن نعيش هنا مضطرين، لا مخيرين".
ويوضح نعيم: "بناء البيوت من الطين أو الركام لا يوفر الحد الأدنى من الأمان، خاصة للأطفال وكبار السن، وفي الشتاء تتشقق الجدران ويدخل الماء، وفي الصيف تتحول الغرفة إلى مكان خانق، وأخشى في كل لحظة أن ينهار شيء فوق رؤوسنا، لكن ليس لدينا بديل".
ويتابع بنبرة تعب واضحة: "الإسمنت ممنوع، والحديد ممنوع، وحتى المساعدات محدودة، فكيف يطلب منا أن نعيش بكرامة في ظل هذه الظروف؟".
ولا تقتصر معاناة نعيم على السكن فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي والمعيشي، ويتابع: "أطفالي فقدوا شعور الأمان، ويسألونني دائماً: متى سنعود إلى بيتنا الحقيقي؟ لا أملك جواباً، كل ما أستطيع قوله هو: اصبروا".
ويوضح: "كنت أعمل في البناء، والمفارقة أنني اليوم عاجز عن بناء بيت لي أو لعائلتي، بسبب منع المواد التي كنت أعمل بها طوال حياتي".
ويختم نعيم حديثه قائلاً: "نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط مواد نبني بها بيوتاً آمنة، ونريد أن نعيش مثل باقي سكان العالم، بلا خوف من أن يسقط السقف فوق رؤوسنا".
الطين والركام… بدائل خطرة
يعيش الفلسطيني ساهر درويش (39 عاماً) داخل غرفة ضيقة شيدها من خليط الطين وقطع الحجارة المتكسرة.
يقول درويش الذي يسكن بحي الزيتون شرق مدينة غزة: "هذا المكان كان بيتنا، كان فيه أربع غرف وسقف يحمينا، واليوم لم يبقَ منه سوى الركام، فحوّلناه إلى مأوى مؤقت، لأنّه لا خيار آخر أمامنا".
ويضيف وهو يشير إلى الجدران الطينية: "نعرف أنّ هذه ليست بيوتاً حقيقية، لكنّها محاولة لحماية أولادنا من الشارع، الإسمنت ممنوع، والحديد غير متوفر، فبماذا نبني؟".
ويوضح درويش: "اللجوء إلى الطين جاء بعد أشهر طويلة من الانتظار دون أيّ أفق للإعمار، انتظرنا كثيراً، وسمعنا عن وعود، عن لجان، عن مساعدات، لكنّ شيئاً لم يصل، وفي النهاية خلطنا الطين بالماء، وجمعنا ما استطعنا من الحجارة، وبنينا بأيدينا".
ويتابع: "في الشتاء، تدخل المياه من كل مكان، وفي الصيف لا يطاق الحر، وأخشى دائماً أن يسقط السقف على رؤوسنا، لكن لا أستطيع ترك أطفالي دون مأوى".
ويؤكّد درويش: "نحن لا نطلب الرفاهية، نريد بيتاً بسيطاً، آمناً، بيتاً يشعرنا بأننا بشر، ولسنا ناجين مؤقتين".
خوف وتوتر دائم
تقول الإخصائية النفسية بمركز العودة الصحي أماني محمود: إنّ "العيش في مساكن غير آمنة يخلق حالة دائمة من التوتر والخوف، لأنّ المنزل يفترض أن يكون مصدر أمان، وعندما يتحول إلى مصدر تهديد، يفقد الإنسان إحساسه بالاستقرار النفسي، ويعيش في حالة ترقب وقلق مستمر".
وتضيف: "أكثر المشاعر شيوعاً هي الخوف، والعجز، والإحباط، والغضب المكبوت، وكثيرون يشعرون بأنّهم فقدوا السيطرة على حياتهم، وهذا يولد شعوراً قاسياً بالهشاشة النفسية".
وتوضح: "الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، نلاحظ أعراضاً مثل القلق الشديد، والتبول اللاإرادي، واضطرابات النوم، والكوابيس، والتعلق الزائد بالوالدين، وأحياناً العدوانية أو الانسحاب الاجتماعي، هذه البيئة تعرّض الطفل لشعور دائم بالخطر".
وتتابع: "هذه الظروف إذا استمرت دون تدخل، فقد تتحول إلى صدمات نفسية مزمنة، وتؤثر على تطور الشخصية، والشعور بالأمان، والقدرة على بناء علاقات مستقرة مستقبلاً. الشباب يشعرون بإحباط عميق، لأنّ مرحلة الشباب مرتبطة ببناء المستقبل والاستقلال، وفقدان المسكن يدمّر هذه الصورة، ويؤدي إلى الاكتئاب، وفقدان الدافعية، والشعور بانسداد الأفق".
وتؤكد أنّ "العيش فوق الركام يعيد تفعيل الصدمة، لأنّ الركام ليس مجرد حجارة، بل هو ذاكرة للدمار والخسارة، والعيش فوقه يعيد استحضار لحظة الفقد، ويمنع التعافي النفسي، ويبقي الإنسان عالقاً في الحدث الصادم".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
