في ذكرى ميلاد عبد القادر الجزائري.. ماذا تعرف عن مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة؟

في ذكرى ميلاد عبد القادر الجزائري.. ماذا تعرف عن مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة؟

مشاهدة

06/09/2020

لم يكن عمر المناضل والفيلسوف عبد القادر الجزائري، المولود قرب مدينة معسكر بالغرب الجزائري يوم 6 أيلول (سبتمبر) عام 1808، قد تجاوز الـ 25 عاماً حين بايعه الجزائريون أميراً عليهم لمحاربة الفرنسيين؛ فبعد مرور عامين على الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، اتجهت المقاومة الجزائرية المُسلّحة، التي كانت في بدايات تنظيمها، إلى محيي الدين الجزائري - والد عبد القادر الجزائري - لتنصيبه زعيماً عليهم، لكنّ تقدّم محيي الدين في السن دفعه إلى اقتراح ابنه عبد القادر بدلاً عنه، وقد تمّت البيعة للأخير بالفعل في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1932. 

 أجبرت انتصارات عبد القادر الفرنسيين على إبرام اتفاقية (تافنا) معه، حيث اعترفت بموجبها بسيادته على غرب ووسط الجزائر

ورغم صغر سنّه، إلّا أنّه سطّر بطولات ملحمية ضد الاستعمار، ونجح في بناء الدولة الجزائرية الحديثة والتأسيس لمعظم مؤسساتها التي نعرفها اليوم، فما هي أبرز إنجازات عبد القادر الجزائري؟ 

تأسيس الدولة الجزائرية الحديثة

عقب مبايعة الجزائريين له وخوضه معارك ضارية ضد الاحتلال الفرنسي، أدرك الأمير عبد القادر أهمية التنظيم في مكافحة الاحتلال؛ فشرع في إنشاء جيش نظامي قسّمه إلى فرقة المشاة والخيّالة والمدفعية ودرّبه على الفنون العسكرية الحديثة وزوّده بالأسلحة المتقدمة. 

أجبرت انتصارات الأمير عبد القادر الفرنسيين على إبرام اتفاقية "تافنا" معه عام 1838

وقد أجبرت انتصارات الأمير الفرنسيين على إبرام اتفاقية "تافنا" معه عام 1838، حيث اعترفت بموجبها بسيادته على غرب ووسط الجزائر، ما مكّنه من تنظيم الجبهة الداخلية للكفاح من خلال العمل على تأسيس دولة قوية ومتينة، وفق ما أوردت شبكة "بي بي سي". 

وحرص عبد القادر على بناء الدولة وتنظيمها على أسس فيدرالية، حيث قسّمها إلى 8 مقاطعات إدارية يرأس كل مقاطعة خليفة، وقد حرص الأمير على اختيار الخلفاء وموظفي الدولة عموماً بناءً على الكفاءة والإخلاص والأمانة.

عمل عبد القادر على فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية في الدولة ومنح القضاة صلاحيات واسعة

وعمل الأمير عبد القادر على الفصل بين السلطات؛ إذ كانت السلطة القضائية في الدولة منفصلة عن السلطة التنفيذية، وقد منح للقضاة، الذين يتم اختيارهم من العلماء المشهورين والمشهود لهم بالأمانة والإخلاص والعدل أو من خلال امتحان، صلاحيات واسعة لتنفيذ القانون دون تدخّل من السلطة التنفيذية.

وقد أسّس عبد القادر الجزائري للسلطة التشريعية في الجزائر؛ حيث أقام داراً للشورى في كل مقاطعة، تهدف إلى بحث الأمور المهمة في الدولة، بحيث يتم انتخاب أعضاء مجالس الشورى من قبل "الخلفاء".

اقرأ أيضاً: الفرنسية في منافسة جديدة.. ما موقف الجزائريين من اللغة الإنجليزية؟

وفيما يتعلّق بالنظام المالي للدولة، كان الجباة يقومون بجباية الزكاة والأعشار مرتين في العام، وقد حرص الأمير على أن يخدم اقتصاد الدولة المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي بشكل أساسي، مع مراعاة المصالح الاقتصادية للشعب ودعم الفقراء، وقد سك عبد القادر أول عملة جزائرية للدولة الحديثة من الفضة والنحاس، والتي بقيت متداولة حتى عام 1849.

سك عبد القادر أول عملة جزائرية للدولة الحديثة من الفضة والنحاس

كما اهتم الأمير بالتجارة بوصفها مصدراً هاماً من مصادر الدولة الاقتصادية؛ فازدهرت التجارة خلال حكمه بفضل عنايته بأمن الأسواق والطرقات التي تمّر منها القوافل المُحملّة بالبضائع.

ولم يُهمل الأمير عبد القادر إنشاء المؤسسات الصحية من مشافٍ ومستوصفات، وقد أولاها عناية خاصة بسبب دورها في العناية بجرحى المعارك.

حرص الأمير على أن يخدم اقتصاد الدولة المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي بشكل أساسي مع مراعاة المصالح الاقتصادية للشعب ودعم الفقراء

خروجه من الجزائر

في الوقت الذي استغّل فيه عبد القادر هدنته مع الفرنسيين لبناء الدولة الجزائرية، استغلّت فرنسا بدورها هذه الهدنة لإعادة تنظيم قواتها، وباغتت الأمير بخرق الهدنة والإغارة على القرى والمدن التي تُسانده، وقد دفعت وحشية القوات الفرنسية التي كانت تحرق الأرض والمحاصيل وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، دفعت الأمير إلى شنّ "حرب العصابات" على الاحتلال والتي استمرت من عام 1844 وحتى عام 1847.  

ويختلف المؤرخون حول الطريقة التي خرج بها الأمير عبد القادر من الجزائر؛ ففيما تقول بعض المصادر بأنّه أعلن استسلامه مُشترطاً انتقاله إلى الإسكندرية أو عكا، بعد أنّ حاول اللجوء إلى دعم السلطان المغربي الذي عجز عن دعمه تحت ضغط الفرنسيين، تؤكّد الباحثة بديعة الحسني الجزائري - وهي حفيدة عبد القادر - بأنّ جدها لم يستسلم، بل أقدم الفرنسيون على خطفه. 

وسواء استسلم عبد القادر حفاظاً على مقدرات الدولة الجزائرية التي بناها وحفظاً لأرواح شعبها أو خُطف، فقد انتهى به الحال بالمعتقلات الفرنسية حتى عام 1852، مع وصول نابليون الثالث إلى الحكم في فرنسا، والذي أطلق سراحه، حيث خرج عبد القادر من فرنسا إلى تركيا ومنها إلى سوريا واستقر في مدينة دمشق.

إنقاذه حياة آلاف المسيحيين في دمشق

نجح عبد القادر في إنقاذ أكثر من 15 ألف مسيحي من الموت خلال المجازر الدموية التي أُرتكبت بحقهم في دمشق عام 1860

بعد استقراره في دمشق، اندلعت أحداث عنف طائفية بين الموارنة المسيحيين والدروز في جبل لبنان عام 1860، سرعان ما تطوّرت إلى حرب أهلية في دمشق، أقدم خلالها الدروز والمسلمين على ارتكاب مجازر بحق المسيحيين أدت إلى مقتل أكثر من 10 آلاف مسيحي، فضلاً عن عمليات نهب وحرق الكنائس.

ولم يقف الأمير عبد القادر مكتوف اليدين في خضم هذه الأحداث الدموية، بل عكف على فتح منزله للمسيحيين، وتواصل مع الجزائريين المقيمين في دمشق وأصدقائه الدمشقيين كي يستضيفوا بدورهم المسيحيين الهاربين من البطش، وتقول المصادر التاريخية إنّ عبد القادر نجح في إنقاذ أكثر من 15 ألف مسيحي اختبؤوا في هذه المنازل، كما لعب عبد القادر دوراً بارزاً في التوسّط بين طرفي الصراع لاحتواء الأزمة. 

اقرأ أيضاً: الجزائر تستعيد رفات شهيد مصري قضى خلال مقاومة الاستعمار الفرنسي .. من هو؟

أعمال أدبية تُخلّد سيرته

فضلاً عن عشرات الكُتب والوثائق التاريخية التي تحدّثت عن دور الأمير عبد القادر النضالي في تاريخ الجزائر، تناولت العديد من الأعمال الأدبية سيرة المناضل الجزائري، نذكر منها رواية "ليلة الأمير الأخيرة" للروائي عبد القادر الجماعي، ورواية عبد القادر للكاتب الفرنسي لوييك باريير، ورواية "ثائر من الجزائر" لعبد القادر قسمية، بالإضافة لرواية "كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد" لـ "واسيني الأعرج".

وتوفي الأمير عبد القادر الجزائري في 23 أيار (مايو) عام 1883 بقصره الكائن في دمشق، عن عمر يناهز 76 عاماً، حيث دفن بجوار الشيخ ابن عربي بـ "الصالحية"، وعقب استقلال الجزائر بعد 132 عاماً من النضال، نُقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في مقبرة "العالية".

الصفحة الرئيسية