فضل شاكر من الغناء العاطفي إلى الأشغال الشاقة

فضل شاكر من الغناء العاطفي إلى الأشغال الشاقة

مشاهدة

04/11/2017

لم يكن أحد يتوقع أن تؤول حياة المطرب اللبناني فضل شاكر من الانغماس بالأغاني المفعمة بالأحاسيس إلى العزلة خلف صرير القضبان، فالرجل الذي منح الأمل لقلوب العذارى والحيارى بصوته الدافئ وعواطفه الدفاقة اختار أن ينأى بنفسه إلى الجهة الأخرى من الحياة، حيث الاحتفاء بثقافة الموت والتطرف لأفكار شيخه أحمد الأسير.
الجديد في حكاية شاكر ما نشره على حسابه في "تويتر" تعليقاً على الحكم عليه بالسجن 15 عاماً مع الأشغال الشاقة في قضية "أحداث عبرا" مع تجريده من حقوقه المدنية؛ حيث ترك شاكر الغناء قبلها، وأطلق لحيته وتبع شيخه إلى "التقويس" وجعل خصومه "يفطسوا" على حد تعبيره في الفيديو الذي ظهر خلاله حينئذ، مدججاً أيضاً بالملابس السوداء والأسلحة الرشاشة.

شاكر: قرار اعتزالي جاء توبةً إلى الله، ونصرةً لنبيّ الله والإسلام محمّد الذي قصّرنا في حقّه بصراحة

يقول شاكر في تغريدة له: "الذي تعامل مع الاحتلال الإسرائيلي حكم عليه بسنتين فقط، والذي قتل رفيق الحريري لم يجرؤ أحد على حكمه أو إلقاء القبض عليه.. والذي فجّر مساجد طرابلس حر طليق .. لكن من وقف بوجه بشار وقال كفى، يحكم عليه ظلماً بـ 15 عاماً، مع الأعمال الشاقة ! شكراً لعدالتكم".
ويتابع في تغريدة لاحقة: "قل لآل الحريري صبراً، فإن نوائب الدنيا تدور" في إشارة إلى عائلة رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري.
من يتابع مسيرة شاكر الفنية أولاً و"النضالية" ثانياً يكتشف أنّ وراء هذا الفنان المرهف مزاجية عالية تحكم أفعاله، وتردد متواصل بين الانتصار للقضايا التي يعتقدها من خلال الغناء والجماهير الواسعة أو بالذهاب إلى النقيض، أي اعتزال الفن والذهاب إلى الكفاح المسلح بجماهيره الخاصة أيضاً.
يبدو أنّ شاكر المولود في مدينة صيدا اللبنانية عام  1969 من أصول فلسطينية، والذي أصدر نحو 11 ألبوماً خاصاً، و21 أغنية منفردة قد فكر كثيراً قبل أن يعتزل الغناء بشكل نهائي عام 2012 ثم الانضمام إلى فصيل مسلح للجماعة الإسلامية سلفية التوجه برئاسة الشيخ أحمد الأسير، ويبدو أنّ تأثيرات كثيرة قادته إلى هذا القرار الذي فاجأ كل محبيه منها التأثير المباشر للأسير عليه، واشتراكهم في الحماسة ذاتها للثورة السورية ودعمها، ومحاولة عزل حزب الله والدعوة إلى نزع سلاحه في الجنوب، ويبدو أنّ فكرة الحلال والحرام قد سيطرت تماماً على حياة شاكر أيضاً، فقد صرح ذات مرة بأن "قرار اعتزالي بحمد الله جاء توبةً إلى الله عزّ وجلّ، ونصرةً لنبيّ الله والإسلام محمّد عليه الصلاة والسلام الذي قصّرنا في حقّه بصراحة".


اعتزل الغناء لأنّ الموسيقى حرام
أكّد فضل أنه اعتزل الموسيقى لأنّها حرام. وأضاف "اليوم أنا كفنّان؛ السبب في أنّك ما تأخذني تجلس مع حبيبتك أو خطيبتك أو صديقتك أو زوجتك، أثيرك حين أغنّي بمرافقة الموسيقى الصّاخبة وأتلاعب في كلمات الحبّ والغزل لإثارتك". لكن مثل هذه التصريحات يمكن أن تظل حرية شخصية  للفنان في الاعتزال عن جمهوره، والاعتكاف بعيداً عن "الوسط الفني الوسخ" كما وصفه ذات مرة، أما مسألة حمل السلاح والقتال المباشر فربما لها أسباب أخرى، وهذا ما يوضحه تصريحه "كان اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005 هو البداية حيث اتهم ادعاء دولي 4 من ميليشيا حزب الله بارتكاب هذه العملية، وفي أيار(مايو) 2008 هاجمت ميليشيا حزب الله المسلمين السنّة في بيروت، ثم دعمت بشار الأسد، السنة محبطون ولا يجدون من يحميهم، الشيخ الأسير يقول الحقيقة".
اختار شاكر إذن التيار السنّي الذي يعيش في كنفه، والذي رآه مناسباً للأفكار التي يحملها في داخله أصلاً، فشيخه الأسير صديق للعائلة، ووالد الأسير نفسه كان يعمل طبالاً وعازف عود في فرقة شاكر، ولكن الأسير نفسه، الذي أكمل دراسته بكلية الشريعة في جامعة بيروت الإسلامية، لديه خبرات ماضية في التنقل بين الجماعات الدينية؛ فقد قضى في صفوف "جماعة الإخوان المسلمين" 4 سنوات  قبل أن ينضم إلى "الدعوة والتبليغ" ويصبح لاحقاً محسوباً على التيار السلفي.
الطريف في الأمر أنّ التطرف الطائفي للأسير يبدو مبالغاً فيه ومدفوعاً بتأثيرات خارجية؛ فوالدته شيعية مثلاً، ونشأ هو نفسه في حي الشيعة بصيدا، وكانت دراسته الابتدائية في مدرسة للراهبات، ولكن السياسة تفرق ما يجمعه الدين، وطلب الرياسة والسلطة الدينية يحتاجان كما يبدو إلى تضحيات وتخندق، ويحتاج إلى أصوات داعمة كصوت شاكر ليتحول إلى منشد ديني ومؤذن أحياناً في مسجد بلال بن رباح ، وقد اشتهر رجل الدين السلفي الأسير بعدائه الجلي لحزب الله، وقدم نفسه خلال برامج حوارية على أنه "مدافع عن حقوق السنة في مواجهة حزب الله الشيعي".

هل كان شاكر يحمل في داخل شخصيته الهادئة الحنونة والغامضة شخصية أخرى على النقيض أي مشروع إرهابي؟

كان شاكر في تصريحاته المتناقضة حينئذ حائراً بين تبرير تغيراته الحادة من خلال الفتوى بأنّ الغناء حرام، وصولاً إلى رفض مصافحة النساء لاحقاً، وبين موقفه السياسي الذي أخذ لبوساً دينياً قتالياً، ورغم ظهوره مع الأسير فإنّ شاكر لم يهجر مباشرة مهنته أو منزله البالغ قيمته 4.5 مليون دولار أو مطعمه في صيدا، رغم أنه توقف عن تقديم المشروبات الكحولية فيه، ولكن توجهاته السياسية بدأت بالظهور للعلن بشكل فاقع،  فقد ظهر في حفل في أيار(مايو) عام 2012 بالمغرب في مهرجان موازين، وطلب من الجماهير أن تردد خلفه "الله يدمر بشار الأسد.. الله يأخذ بشار الأسد"، ثم الانتقال في وقت لاحق للقتال في سوريا للتصدي لميليشيا حزب الله الداعمة للأسد هناك، كما شارك في اشتباكات ضدهم في لبنان.
 

ذروة التحولات
بلغت التحولات ذروتها لدى الاشتباك مع الجيش اللبناني في حزيران (يونيو) عام 2013 بمنطقة "عبرا" فى صيدا، والتي أسفرت عن مصرع 18 جندياً و11 مسلحاً، وقد أصدر القضاء اللبناني عام 2014 حكماً غيابياً بإعدام شاكر " الهارب" على خلفيه ارتكابه أعمالًا إرهابية مع الشيخ الأسير و54 آخرين، ثم مع القاء القبض عليه وعلى شيخه لاحقاً.
الحكم القضائي صدر على شاكر بالأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً، فيما حكم على الأسير بالإعدام، لتنتهي فصولٌ من الترقب والنقاش الطويل داخل الساحة اللبنانية حول ما جرى، والسيناريوهات المتوقعة.
هل كان شاكر يحمل في داخل شخصيته الهادئة الحنونة والغامضة شخصية أخرى على النقيض أي مشروع إرهابي، أم كما يعده بعضهم بأنه مناضل وطني شعر بالضيم مما يجري، وهل كانت تضحياته من أجل المبادئ والتقوى الطارئة التي هبطت عليه، أم لأنّ هناك من ساهم في إشعال حنقه واستفزاز غضبه، وخصوصاً مع تدمير ممتلكات بيته وسرقة محتوياتها، إضافة إلى تمرد ابنته عليه للزواج من رجل من غير طائفته؟
أسئلة كثيرة تحتاج إلى أن تنضج على نار هادئة ليخبرنا بها شاكر نفسه حينما يعود إلى حياته العادية يوماً ما ويكون جاهزاً للبوح بالحقيقة، وربما العودة إلى ما اعتبره حراماً ومثيراً للغرائز!

 

الصفحة الرئيسية