فرح أنطوان إذ يرسي العقلانية العلمية

فرح أنطوان إذ يرسي العقلانية العلمية


02/06/2019

يعتبر فرح أنطوان، الذي وُلد العام 1874 في طرابلس بلبنان، وتوفي في القاهرة العام  1922، أحد أهم رواد التنوير في الفكر العربي الحديث.

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطوان.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة

أحبّ فرح أنطوان العمل بالصحافة، ولكن نتيجة لقرب بلاد الشام من إسطنبول، عاصمة الخلافة، فإنّ الأخيرة كانت تضيّق كثيراً على عمل الصحافة، وكان "الشوام" ينظرون إلى مصر في تلك الفترة التاريخية على أنّها ملاذ الحرية، والسبيل إلى المجد والشهرة بسبب الأجواء التي كانت موجودة هناك في تلك الفترة التاريخية، ومن ثم فقد رحل فرح أنطوان إلى مصر العام 1897.

الأصول الفكرية لآراء فرح أنطوان تعود إلى اطلاعه على الفكر الغربي الحديث بعامة

وفي مصر أقام بالإسكندرية، وما لبث أن أنشأ مجلة الجامعة، وهي أكبر عمل قام به في مجال الصحافة، وكانت منبراً مهماً نشر بواسطتها فرح أنطوان آراءه الاجتماعية والسياسية، والآراء الجديدة التي اقتبسها من مفكري الغرب، وكان مديرها في السنتين الأولى والثانية لصدورها ابن أخته ميخائيل كرم، أما فرح أنطوان فكان يؤلف، ويكتب المقالات، ويترجم، ويباشر الطبع والنشر والتوزيع وحده تقريباً وخاصة بعد السنة الثانية.

وفي تلك الفترة التاريخية كتب مجموعة مقالات عن ابن رشد العام 1903، ودخل في حوار مطوَّل مع الإمام محمد عبده حول فلسفته، ثم امتد الجدل والنقاش حول الدولة الدينية والدولة المدنية، وهي محاورات شهيرة كانت حجة فرح أنطوان فيها لا تقل قوة عن حجج الإمام.

تأثر فرح أنطوان بالتنوير الأوروبي

ويمكن القول إنّ الأصول الفكرية لآراء فرح أنطوان تعود إلى اطلاعه على الفكر الغربي الحديث بعامة، والفكر الفرنسي بصفة خاصة، فقد تأثر بأعمال "روسو" و"مونتيسكيو" و"فولتير"، وتأثر كذلك بمبادئ الثورة الفرنسية التي تقوم على الحرية والمساواة والإخاء، وبفلسفة "فرانسيس بيكون"، و"أوجست كونت"، الذي كتب مقالات عنه وهو في الجامعة، وتأثر بآراء المستشرق الفرنسي "أرنست رينان" و"جول سيمون"، كما تأثر من العرب بآراء "ابن رشد"، و "ابن طفيل" و "عمر الخيام".

كتب أنطوان مقالات عن ابن رشد ودخل في حوار مطوَّل مع محمد عبده حول فلسفته

يمكن إيضاح مجمل آراء فرح أنطوان الفكرية بالقول إنّه في أعماله الروائية كان يناقش قضايا فكرية كانت تلحّ دوماً على أقطاب التيار العلمي العلماني، ففي رواية "الدين والعلم والمال" يعالج فرح أنطوان علاقة العلم بالدين، وأنّ لكل منهما طريقاً مختلفاً عن الآخر، وكذا يناقش قضية توزيع المال والثروة، وهو فيها يؤمن بالاشتراكية، وضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية في مجتمع ميكافيلليّ يقوم على مبدأ التنازع الاقتصادي الحر، وما يشوبه من تصرفات الأفراد اللاأخلاقية الذين يتصرفون وفقاً لأطماعهم المادية بعيداً عن كل اعتبار للقيم الإنسانية، وهذا ما يؤدي إلى تفكك المجتمع، وفي روايته "أورشليم الجديدة" يناقش فكرة المدينة الفاضلة، وعلاقة العلم بالمجتمع، وأسباب انهيار الدول وتفكك المجتمعات.

أسباب تخلف الشرق

يرى فرح أنطوان أنّ سبب تخلف الشرق هو الجهل والفساد من ناحية، والشقاق والتناحر من ناحية أخرى، فيرى أنّ منشأ الأول قلة المؤسسات التعليمية والوطنية وفساد مناهجها، وافتقارها إلى أسس خلقية ووطنية متينة، وأنّ تأثير المدرسة في الشرق ما هو إلا تعليم فقط؛ أي تلقين التلميذ المعلومات العامة دون النفاذ إلى أعماق نفسه، وتهذيب أخلاقه، وما التربية الحقيقية، برأيه، إلا النزول إلى أعماق النفس وتهذيب أخلاقها، واستئصال الجراثيم الفاسدة، وغرس الفضائل فيها، وفي إصلاح مناهج التعليم في الشرق وإرسائها على قواعد التربية الخلقية الصحيحة يكمن سر تقدمها وهي التي منيت بانتشار الفساد والتفرقة، أما الشقاق بين طوائف الشرق الدينية والعرقية فهذا يعالج عن طريق التربية أيضاً بتوطيد الإخاء بين أبناء الوطن الواحد، وإيثار المجموع على الفرد، وإيثار المصلحة العمومية على المصلحة الخصوصية، كما يقول.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟

ويرى فرح أنطوان أنّ من الأسباب الأخرى لتخلف الشرقيين تخلف المرأة الناجم عن الاستخفاف بها من جهة، وجهلها من ناحية ثانية.. كما يحمّل فرح أنطوان الغرب بعض التبعية في انحطاط الشرق، "فالغرب مندفع في سبيل الأطماع الاقتصادية التي حلّت محل الأطماع السياسية، اندفاع السيل، وعلى الشرقيين أن يواجهوا ذلك بالحرص على البقاء، ولا يكتمل ذلك إلا بشرطين التحالف بين البلدان الشرقية، ونشر لواء العدل بين رعاياهم".

الفصل بين العلم والدين

أهدى فرح أنطوان كتابه عن "ابن رشد" إلى "النبت الجديد في الشرق" وأولئك العقلاء في كل ملّة وكل دين في الشرق الذين عرفوا مضار "مزج الدنيا بالدين" وفي قضية علاقة العلم بالدين يرى فرح أنطوان أنّ "العلم يجب أن يوضع في دائرة العقل؛ لأن قواعده مبنية على المشاهدة والتجربة والامتحان، وأما الدين فيجب أن يوضع في دائرة القلب لأنّ قواعده مبنية على التسليم بما ورد في الكتب في غير فحص في أصولها..، وأن القلب أو الدين أول ما يخطر له الضغط على العلم أو العقل يصيح العقل صيحة تتضعضع لها كل الدعائم"، موضحاً: "دعني وشأني فإنني لا أعتقد بالشيء ولا أعتبره حقيقياً إلا متى شاهدته بعيني وجرّبته مع  باكون تجربته إيجابية أو سلبية وأدى إلى نتيجة واحدة، والقلب أو الدين ينفر من هذه القاعدة المادية الجافة فراره من أعدى أعدائه، وأكبر أضداده لأن هذه القاعدة تهدم كل الأديان سواء".

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"

ويذهب فرح أنطوان إلى أنّ "الدين دين عقل" قول مناقض لكل دين وكل عقل؛ لأن العقل مبنيّ على المحسوسات ولا يعرف نواميس غير نواميسها، والدين مبنيّ علي الغيب، وأنّ التنافس بين الأديان وتفاضلها يجب أن يكون مبنياً على ما فيها من الآداب والفضائل؛ لأنّ هذه هي أساس الشرائع والأديان، وفيما عدا هذه الفضائل والآداب فجميع الأديان متشابهة؛ لأنّ مبادئها وأصولها مشتركة، وهي غير معقولة، ومن ثم يمكن القول بأنّ فرح أنطوان من دعاة الفصل بين العلم والدين.

الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية

كان فرح أنطوان، في حواره محمد عبده، يعتقد أنّه من الضروري إرساء قواعد الدولة المدنية التي تفصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية، وذلك لعدة أسباب؛ لأن غرض السلطة الدينية، برأيه، يختلف كل الاختلاف عن غرض السلطة المدنية، "فغرض الأولى حث البشر على عبادة الله تعالى، وعلى حياة الفضيلة والبر، وإصلاح شؤونهم العامة على الأسس الشرعية المذكورة في الكتب المنزلة، أما غرض الثانية حفظ الأمن وصيانة حرية الفرد ضمن حدود الدستور الذي لا يجيز الاعتداء على الحرية إلا بمقدار ما تقضي مصلحة المجموع. كما أنّ الرغبة في المساواة المطلقة بين أبناء الأمة، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، تقضي الفصل بين السلطتين، فالقائمون على شؤون الدولة قد يكونون مسلمين أو مسيحيين أو وثنيين شريطة أنّهم لم ينصبوا على الرعية لكي ينصروا ديناً على دين، أو مبدأ على مبدأ، بل ليقروا الحق البشري العام".

التوجه التنويري لفرح أنطوان كان يعتمد على فصل العلم عن الدين، والسياسة عن الدين، وإرساء العقلانية العلمية

ويتابع أنطوان "ليس من شأن السلطة الدينية التدخل في شؤون الإنسان الدنيوية أيضاً؛ لأن غرض الأديان تدبير الآخرة، لا تدبير الدنيا، ولما كانت شؤون الدنيا تتغير بتغير الأحوال والأزمان امتنع أن تنطبق عليها الأحكام الدينية. إنّ الجمع بين السلطتين يفضي إلى استمرار ضعف الأمة وتخلفها بسبب أنّ السلطة الدينية تستمد قوتها من مصالح الفئات الجماهيرية. إنّ الوحدة الدينية التي يصبو إليها كل نظام حكم ديني مستحيلة لأنها تتنافى مع مبدأ حرية الاعتقاد، ومع مبدأ الاختلاف والتباين الذي طبع عليه العقل البشري".

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج

ومن هنا يمكن القول: إنّ التوجه التنويري لفرح أنطوان كان يعتمد على فصل العلم عن الدين، وفصل السياسة عن الدين، وإرساء العقلانية العلمية في أجواء من الحرية، وفي كل دعواته استفاد من التراث الثقافي الغربي لعصر التنوير.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية