
في غزة لا تحتاج الكوابيس إلى ليل كي تظهر، ولا يحتاج الخوف إلى مناسبة ليعلن وجوده، وفي غزة أيضاً لا يحتاج الشباب إلى أن يناموا كي يروا الكوابيس، فالخوف هنا حاضر حتى في لحظات اليقظة.
فالبيوت التي تهدمت، والطرقات التي امتلأت بالأنقاض، وأصوات الانفجارات التي تخترق الذاكرة قبل الهواء، كلها تحولت إلى أبواب تفتح كل ليلة على صور لا يستطيع العقل نسيانها.
ومع ذلك، ما يزال في أصوات شباب غزة شيء يشبه الإصرار على قول الحقيقة، حقيقة ما يعيشه جيل، وما يخسره، وما يتمسك به في مواجهة واقع يحاصر روحه قبل جسده.
وبحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يُشكّل الشباب الفلسطيني في الفئة العمرية (18ـ 29 عاماً) نحو (1.2) مليون شاب وشابة، أي ما نسبته 21% من إجمالي سكان فلسطين حتى منتصف العام 2025، وتُظهر هذه النسب أنّ أكثر من خُمس المجتمع الفلسطيني يتكوّن من فئة الشباب.
وتظهر البيانات الحديثة أيضاً انخفاضاً في عدد الشباب (الفئة العمرية 18ـ 29 عاماً) بنسبة تقدّر بـ 10% عن التقديرات السكانية لعام 2025، وذلك نتيجة للاستهداف المباشر والممنهج لهذه الفئة من قبل قوات الاحتلال.
وفي ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، تتوالى الأرقام الصادمة التي تجسد حجم الكارثة الإنسانية، وخاصة بين الفئات الشابة، فمنذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، استشهد أكثر من ((61 ألف فلسطيني، وبلغت نسبة فئة الشباب من إجمالي الشهداء نحو 24% (26% من الذكور، و22% من الإناث).
وفي قطاع غزة، تبدو الأزمة أكثر حدة، ووفقاً لمسح القوى العاملة للربع الرابع من العام 2024، بلغ معدل البطالة نحو 69%، وسجل الشباب من عمر (15 إلى 29 عاماً) معدلات بطالة كارثية وصلت إلى 80%، في ظل الحصار والعدوان المتواصل وتدمير البنية الاقتصادية للقطاع.
حلم مؤقت
في غرفة صغيرة بحي الرمال وسط مدينة غزة، يُعلّق الشباب محمود ناصر شهادته الجامعية في الصحافة والإعلام على الجدار، ويتساءل بصوت حزين: "كيف يمكن لشخص أن يحلم هنا؟ كل ما نعرفه هو كيف ننجو من أهوال هذه الحرب، فهذه ليست حياة، بل حالة طوارئ دائمة، ننام ونحن لا نعرف إن كنا سنستيقظ، ونتحرك بحذر، نخطط لكل شيء، الطريق، الشحن، الماء، وحتى لحظات الفرح، كل شيء مؤقت."
ويقول ناصر (23 عاماً): "أصبحت أتعامل مع القصف كأنّه حالة الطقس، أخرج من البيت وأقول اليوم الطائرات منخفضة، يبدو أنّ يومنا لن يكون طويلاً، فأكثر ما يوجعني أنني نسيت صوت الضحك الطبيعي، حتى مزاحنا أصبح أسود."
ويوضح: "كنت أريد أن أصبح مراسلاً ميدانياً أروي قصص الناس، الآن أشعر أنّ قصتي أثقل من أن تُروى، وكلما حاولت كتابة تقرير صحفي، أتوقف عند الجملة الأولى، في غزة، ثم أسأل نفسي هل هناك من لا يعرف ما الذي يحدث في غزة؟".
ويتابع ناصر: "أحياناً أشعر بأنّ الزمن في غزة لا يتحرك، ونحن نكبر سنّاً دون أن نتقدم خطوة، وأصدقائي في الخارج يكوّنون أسراً ويفتحون مشاريع، أمّا أنا فأكوّن خبرة في النجاة، فكلمة مستقبل، هي كلمة كبيرة جدّاً على واقع صغير جدّاً."
ويضيف: "ليس فقدان المستقبل هو المؤلم، بل اعتياد فقدانه، لكننا في الوقت نفسه نتمسك ببقايا حلم، لأنّه الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد قصفه، فلا يوجد صاروخ يستطيع أن يفجر شيئاً داخل رأسك."
ويؤكد ناصر: "لن تعود الحياة كما كانت، لكنّها يمكن أن تصبح أفضل، نحن تعلمنا دروساً لم يتعلمها غيرنا؛ قيمة الوقت، وقيمة الهدوء، وقيمة الكهرباء، وربما إذا انتهت هذه الكوابيس سنكون نحن الأكثر قدرة على البناء من جديد."
أحلامنا تدفن
الشاب سامي زيادة (22 عاماً)، من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، طالب هندسة في سنته الأخيرة قبل الحرب، يقول: "كنت أعمل على مشروع تخرّجي عن الطاقة الشمسية، وكنت أحلم بفتح شركة صغيرة بعد التخرج، فاليوم ملفاتي كلها ضاعت، وجهازي دُمّر، والكتب تحت الركام، حتى لو انتهت الحرب، لم أعد أعلم من أين أبدأ؟".
ويضيف زيادة بصوت خافت: "أحلم كل ليلة أنّني في الجامعة، أرى زملائي، وأسمع صوت الدكتور، ثم يتحول صوت المحاضرة إلى صفير صاروخ، وأستيقظ وأنا أرتجف."
ويتابع: "كنت خلال الحرب لا أستطيع أن أغمض عيني من شدة القصف، وكنت أفقد تركيزي بسرعة، ولم أعد أكمل جملة واحدة دون أن يعود عقلي إلى لحظة الانفجار."
ويوضح: "أحياناً أشعر بأنّ أحلامنا تُدفن قبلنا، فكلّ زاوية في الشارع صارت مرتبطة بصوت انفجار أو صراخ، ولا أدرى إن كنت قادراً على إكمال حلمي بعد كل ذلك."
وعند سؤاله عن خططه المستقبلية، ابتسم زيادة بمرارة، وقال: "مشروعي الوحيد الآن هو النجاة من يوم إلى يوم، فهندسة الأحلام أصعب من هندسة المباني، فكلّ حلم جميل ينتهي بالمشهد نفسه، سقف ينهار عليّ، وصوت مزعج، ثم ظلام."
ويؤكد قائلاً: إنّ "كل ما فقدته هو صوتي، لكنّ حلمي لم يسقط، فالحياة تحاول كسرنا، لكنّه ليس من السهل أن ننكسر، كما يمكن لأحلامنا أن تتأخر، لكنّها لا يمكن أن تقتل هذا الحلم."
قتل الحلم
مرح جابر (19 عاماً)، شابة من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، كانت تعمل مغنية هاوية في فرقة شبابية، وقبل الحرب كانت تتلقى دروساً موسيقيةً، وتحلم بدخول معهد الموسيقى في الضفة الغربية.
تقول بصوت خافت: "خلال أول أسبوع من القصف فقدت صوتي، ولم أعد قادرة على الغناء مجدداً، وبات الكلام مؤلماً للغاية."
وتروي جابر أنّ الهواء امتلأ بالغبار في لحظة سقط فيها مبنى مجاور لمنزلها، فبدأ حلقها ينزف، وفقدت القدرة على إخراج صوت قوي، وتقول: "المفارقة أنّني كنت أحلم أن يسمع الناس صوتي، واليوم لا أسمعه أنا."
وعن الكوابيس، تشير إلى أنّ النوم أصبح أسوأ: "فأحلم أنّني أحاول الغناء وسط الحطام، لكن لا يخرج صوت، فأستيقظ وأنا أبكي كل ليلة."
وتتابع: "لو عاد صوتي، أو لم يعد، فسأبقى أواصل كتابة كلمات الأغاني، فهذا الشيء الوحيد الذي لم تسرقه الحرب من ذاكرتي، موضحة: "حتى لو توقف القصف والحرب، فكيف سنوقف الصوت الذي ما زال بداخلنا؟".
فقدان الإحساس بالاستقرار
ترى الإخصائية النفسية بمركز العودة أماني معروف أنّ "الشباب في غزة معرّضون بدرجة مرتفعة لاضطرابات ما بعد الصدمة، كالقلق المزمن، والاكتئاب، واضطرابات النوم، والانفصال النفسي، كما أنّ التعرّض المتكرر للأحداث العنيفة يرفع أيضاً من احتمالية ظهور نوبات هلع وشعور دائم بالخطر."
وتضيف معروف: "فقدان الإحساس بالاستقرار يعطل النمو النفسي الصحي للشباب، فعندما يشعر الشاب بأنّه غير قادر على اتخاذ قرارات أو بناء مستقبل، تتراجع ثقته بنفسه وقدرته على بناء أهداف طويلة المدى."
وتوضح: "الأشخاص الذين عاشوا الصدمات بشكل مباشر، مثل فقدان منزل أو شخص عزيز، يعانون من كوابيس أكثر تكراراً وشدة، فالكابوس هنا ليس مجرد حلم مزعج، بل إعادة تمثيل للصدمة."
وتتابع: "عندما يعيش الشاب في حالة تهديد مستمر، تتقلص قدرة الدماغ على التخيل الإيجابي للمستقبل، ويظهر ما يُسمّى العجز المكتسب."
وتؤكد معروف أنّ "الأسرة والمجتمع يُشكّلان مظلة حماية، فالشعور بأنّ الشاب ليس وحده يقلل من حدّة الصدمة ويخفف آثارها، كما أنّ الدعم الكلامي والاستماع النشط من أهم أدوات الوقاية النفسية."
وقد ارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ولمدة سنتين، إبادة جماعية بغزة، خلّفت أكثر من (68) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
