علي فخرو: التراث الفقهي الإسلامي ليس مقدّساً

علي فخرو: التراث الفقهي الإسلامي ليس مقدّساً

مشاهدة

16/10/2018

دعا المفكر البحريني د. علي فخرو إلى عدم النظر إلى التراث الفقهي الإسلامي باعتباره تراثاً مقدساً، بما أنه نتاج جهود بشرية، وارتبط قسم كبير منه بحاجات فترات تاريخية سابقة، واعتمدت منطلقاته على ما وصلت إليه شتى العلوم في تلك الأزمنة.

وأكد ضرورة "قيام مدرسة فقهية جديدة، تأخذ أفضل ما في المدارس الفقهية المختلفة السابقة، وتضيف عليها مكتسبات التطورات التاريخية البشرية الجديدة ومستجدات العلوم الإنسانية الحديثة".

اقرأ أيضاً: عبد الباسط هيكل: لا يمكن إحداث قطيعة معرفية مع التراث

وبيّن المفكر البحريني أنّ مراجعة الفقه الإسلامي وعلوم الحديث وتنقيحها تكتسب أهمية كبرى؛ "لأنّ فيها ما يتبعه الملايين من العرب والمسلمين كمسلًّمات لا تمس وكسلوكيات حميدة يجب أن تعاش وكقيم أخلاقية يجب أن تحكم واقعنا الحالي".

ودعا فخرو في محاضرة ألقاها، أمس، الاثنين، في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي بعمّان، بعنوان "أعمدة الإصلاح الثقافي في العالم العربي"، وقدمه فيها للجمهور د. محمد حمدان، إلى أهمية بناء ثقافة عربية "تنقلنا من العجز الحضاري المتخلف الذي نعيشه، إلى حضارة عربية إنسانية تسير جنباً إلى جنب مع حضارات الآخرين".

شرط إصلاح الثقافة العربية

وقال إنّ "شرط إصلاح الثقافة العربية مرتبط بإصلاح المنظومات التعليمية المتدهورة بالوطن العربي، خصوصاً أنها أنتجت عقولاً هشة وأفكاراً ضحلة قابلة للسيطرة الأيديولوجية".

إن عملية نقد الثقافة الغربية تحتاج بحسب فخرو أن تسير جنباً إلى جنب مع عملية مراجعة التراث

ولفت المحاضر إلى أنّ الرهانات بالنسبة للثقافة العربية كثيرة وتضع الإنسان العربي في جبهة خطيرة متعددة الجوانب، كما أنشأت وضعاً قمعياً للوضع الثقافي، مبيناً أنّ أزمة الثقافة لا تنفصل عن الأزمات الأخرى التي يعيشها الوطن العربي.

وقال في هذا السياق "بدون هذه الثقافة الجديدة لا يمكن الحديث عن التنمية الإنسانية المستدامة في الوطن العربي، إذ هي أحد شروط تلك التنمية وأحد غاياتها الكبرى"، مضيفاً أنّ "أصول تلك الثقافة ستكون التراث، والواقع العربي، والواقع العالمي، وحاجات المستقبل العربي".

ونبه فخرو إلى أهمية تفعيل الجوانب العملية التنظيمية المطلوبة لإنجاح عملية إصلاح الثقافة العربية وتجديدها، وجعلها ثقافة فاعلة في حياتنا العصرية العربية وقادرة على المساهمة بنديّة مع بقية الثقافات الأخرى، وإخراج هذا العالم من أزماته وعلله.

اقرأ أيضاً: حين يتحول التطرف الديني إلى معول لهدم التراث الإنساني

ووفق منظوره، فإنّ "الثقافة تستند على التراث والتاريخ والدين والغيبيات والعادات والقيم والسلوكيات والفنون والعلوم والمأكل والمشرب والأفكار العامة المجتمعية والنظم الحياتية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع". كما أنّ كل أمة تحتاج إلى نموذج ثقافي واحد لكل مكوناتها البشرية، لكن ذلك، بحسب فخرو، لا يمنع التعددية التعبيرية الثقافية التي تغني الثقافة المشتركة وتصب في مجراها لتزيد من عطائها وتدفُّقها.

وشدد المفكر البحريني على أهمية وجود خصوصية ثقافية لكل أمة، "بشرط تلازمها بالإبداع التجديدي مع الثقافات الأخرى"، مبيناّ أنّ التنوع المناطقي والتراثي واللغوي والتاريخي مطلوب، ولا ضرر من تواجده.

ثلاثة اتجاهات

وذهب فخرو إلى أنّ الموضوع الثقافي العربي تحكمه ثلاثة اتجاهات، وهي: "رفض الانفتاح على الآخر الثقافي والانغلاق على الذات، الشعور بالدونية أمام الآخر الثقافي وتبنيه بلا ضوابط، والوسطية بين التوجهين".

فخرو: إنّ شرط إصلاح الثقافة العربية مرتبط بإصلاح المنظومات التعليمية المتدهورة بالوطن العربي

وتساءل المحاضر عن المداخل العملية المفصلية الفاعلة المطلوبة لإصلاح ثقافتنا من جهة ولإحلال ثقافة جديدة من جهة أخرى، مؤكداً في هذا الإطار، أهمية مراجعة التراث ونقده وإعادة تركيب فهمه وتجاوزه إلى الحاضر.

إلى ذلك، أكد د. فخرو أهمية توفر فلسفة تربوية عربية عامة تركز على "بناء ذهنية فكرية قادرة على التحليل والنقد والتركيب والتجاوز، وتؤمن بالتعلم الذاتي مدى الحياة، بالإضافة إلى تركيزها على بناء قيم أخلاقية وإنسانية في عقل وروح الطالب، وتعويده على ممارسة سلوكيات جديدة والابتعاد عن سلوكيات خاطئة عاشت مع الإنسان العربي عبر القرون".

اقرأ أيضاً: إذا كان التطرف ينام بين جنبات التراث فمن يوقظه؟!

لكن الانتقال إلى عملية تعليمية غير "تلقينية" تنتج طلبة متعلمين، تحتاج، وفق فخرو، إلى شيئين: "معلم مثقف ممتهن، وأداة بناء جذري لذهنية الطلبة، بدلاً من أداة تعيد وتكرر الثقافة المتخلفة التي نحياها"، موضحاً أنه عند ذاك سنخرج إنساناً قادراً على الحكم على كل ما حوله بعقلية موضوعية وحكمة متوازنة وأخلاقية.

بيئة مدرسية ديموقراطية

كما دعا إلى بناء بيئة مدرسية تمارس المبادئ الديموقراطية؛ ليتعلم الطلبة منهجية الحوار وتقبل الآخر والاستقلالية في الفكر وعدم التلقي السلبي لما يقوله المعلم.

أما حول إشكالية التعامل مع الثقافات الأخرى، فقال فخرو إنّ "بعضهم قد تعامل مع هذا الملف بالخوف من فكر وأنظمة الثقافة الغربية، واتجه نحو الانغلاق على الذات والمناداة بالرجوع إلى التراث وإلى ما قاله وفعله السلف الصالح، كما فعل السلفيون الإسلاميون على سبيل المثال".

بيّن فخرو أنّ مراجعة الفقه الإسلامي وعلوم الحديث وتنقيحها تكتسب أهمية كبرى لأنّ فيها ما يتبعه الملايين من العرب والمسلمين كمسلًّمات لا تمس

وأردف "أما البعض الآخر فأصيب بمشاعر الدونية والإحباط، ونادى بأخذ كل ما جاءت به الحضارة الغربية، وأدخلنا في موضوع الغربنة المعقد والمختلف حوله"، مطالباً بمراجعة تحليلية نقدية للحضارة الغربية برمتها، كفكر وممارسات، وادعاءات بالمركزية، واحتقار للآخرين.

لكن عملية نقد الثقافة الغربية، تحتاج، بحسب فخرو، أن تسير جنباً إلى جنب مع عملية مراجعة التراث، مستدلاً في هذا الحقل بالتجربة اليابانية التي عرفت كيف تنخرط في العصر دون أن تفقد انتماءها لثقافتها وحضارتها.

وربط فخرو عملية الإصلاح الثقافي بالمشروع النهضوي العربي، قائلاً إنّ "الثقافة الجديدة التي نتحدث عن بنائها لن تكون كافية إذا لم تكن ضمن أيديولوجية قومية عربية جامعة ترسخ في ذهن الإنسان شعارات وأهداف ومتطلبات تلك الأيديولوجية الإنسانية المرنة".

التجديد الحضاري العربي الشامل

وأعتبر أنّ وحدة الأمة العربية والوطن العربي الواحد، والاستقلال الوطني والقومي عن التبعية الاستعمارية، بما فيها الرفض التام للمشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة، والديموقراطية السياسية والاقتصادية العادلة، والعدالة الاجتماعية، جميعها مفاهيم على الإنسان العربي أن يقبع تحت أهدافها والاقتناع بأنّ "الحديث عن الإصلاح الثقافي يقصد به أن يكون مدخلاً للتجديد الحضاري العربي الشامل".

يذكر أنّ د. علي فخرو طبيب في أمراض القلب، وكان وزيراً للصحة في البحرين، ووزيراً للتربية، وسفيراً في فرنسا، ورئيساً لمجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث، وغيرها من المناصب. ترك الحياة السياسية منذ 2004 ليتفرع للكتابة والبحث، حيث يكتب مقالاً أسبوعياً ينشر في سبع صحف عربية.

الصفحة الرئيسية