عرائس الماريونت.. الإخوان ووهم العودة

عرائس الماريونت.. الإخوان ووهم العودة

عرائس الماريونت.. الإخوان ووهم العودة


14/09/2026

حسام الغمري

فى مسرح «الماريونت» ثمة اتفاق غير مكتوب بين صانع العرض والجمهور: أن ينظر الجميع إلى الأسفل فقط! 

هناك، فوق الخشبة، ترقص الدمى، تتشاجر، تتعانق، تصرخ، تهتف، ثم تتفرق قبل أن تعود فتلتقى. 

لكل واحدة اسم، وصوت، ودور، وربما حكاية تقنعك للحظات بأنها تتحرك بإرادتها.

غير أن سر المسرح كله لا يكمن فى الدمى الخشبية! 

إنه فوقها. 

لا يحتاج محرك العرائس إلى أن يظهر؛ بل إن نجاحه الحقيقى يبدأ عندما ينسى الجمهور وجوده أصلًا، وينشغل بما تفعله الدمى عمّن منحها القدرة على الفعل. 

وخارج المسرح، لا تكون العرائس دائمًا من خشب، ولا الخيوط دائمًا من حرير. 

فمن لندن إلى إسطنبول، ومنها إلى هولندا، تتكاثر فى الشهور الأخيرة لقاءات ومبادرات وكيانات تحمل أسماء مختلفة: معارضة، جبهات مدنية، تكنوقراط، حركات شبابية، إعلاميون وناشطون. 

واللافت أن بعض الدوائر التى كانت تبدو متباعدة فوق الخشبة تعود فتلتقى، وأن بعض الأسماء تتكرر، وأن خيوطًا بعينها تعبر أكثر من مشهد. 

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيق: 

هل تحاول جماعة الإخوان الإرهابية العودة إلى المشهد؟  

 حين يصبح الاسم عبئًا  

ربما كانت إحدى أكبر مشكلات الإخوان اليوم هى الاسم نفسه. 

فبعد تجربة الحكم فى مصر وسقوطها فى 2013، والانقسامات التى ضربت التنظيم فى الخارج، والتدقيق المتزايد فى نشاط شبكاته داخل عدد من الدول الأوروبية، لم تعد لافتة «جماعة الإخوان المسلمين» هى اللافتة الأكثر صلاحية لعبور أبواب السياسة. 

فالاسم الذى كان يومًا أداة تعبئة وحشد، بات فى عواصم عديدة عبئًا يحتاج إلى التخفف من ظله، أو الالتفاف حول دلالاته، أو إعادة تقديم المشروع ذاته فى قوالب أقل استفزازًا للذاكرة وأكثر قبولًا فى المجال العام. 

بل إن هولندا، التى يثار الحديث الآن عن استضافتها اجتماعًا جديدًا لدوائر إخوانية فى الخارج، شهد برلمانها هذا العام تحركًا سياسيًا يستهدف الجماعة وشبكاتها. 

 خشبات متعددة.. وخيوط تتقاطع  

الأمر لا يدور حول اجتماع مرتقب فى مدينة أوروبية، ولا عن حركة إرهابية أعلنت افتتاح مكتب جديد لها فى أوروبا، بل حول محاولة لبناء مساحة أوسع من التنظيم؛ مساحة تريد تصدير فكرة أنها تستطيع أن تجمع تحت سقفها متأسلمين ومدنيين وتكنوقراط وناشطين وإعلاميين. 

إنها ليست محاولة لإعادة بناء «الجماعة» بقدر ما تبدو محاولة لإعادة بناء المشهد الذى يمكن للجماعة أن تتحرك داخله.والفارق بين الاثنين كبير. 

فالأولى تعنى تنظيمًا يريد استعادة صورته القديمة، أما الثانية فتعنى شبكة تبحث عن أشكال جديدة للبقاء والتأثير، ولو من وراء مساحات لا تحمل اسمها صراحة.  

 هولندا.. العرض القادم  

المشهد الأكثر إثارة يأتى هذه المرة من هولندا. 

فبحسب المعلومات المتداولة، يجرى الإعداد لمؤتمر خلال أيام 17 و18 و19 سبتمبر، تحت مظلات تحمل أسماء من بينها «حزب أمل» وتجمعًا للتكنوقراط، وبمشاركة أو دعوة شخصيات من دوائر تبدو مختلفة فى الخارج. 

وهنا لا تكمن المفارقة فى اسم بعينه. 

المفارقة فى التجاور. 

كيف يمكن لوجوه تقدم نفسها باعتبارها مدنية أو تكنوقراطية، وإعلاميين ارتبط خطابهم طويلًا بمعسكر الجماعة الإرهابية، أن تجد طريقها إلى مساحة سياسية مشتركة؟ 

من دعا؟ 

من رتّب؟ 

ومن رأى أن جمع هذه الدمى المتباعدة يمكن أن ينتج صورة واحدة؟ 

لا تقدم قائمة المدعوين وحدها الإجابة، لكنها تجعل السؤال مشروعًا. 

ففى السياسة، قد تكون المصادفة ممكنة مرة، وقد يكون التلاقى العابر مفهومًا مرتين، لكن تكرار الدوائر نفسها، وتشابه المنصات، وتجاور الأسماء، كلها أمور تستحق أن تُقرأ فى سياق أوسع من مجرد «مؤتمر سياسي» ! 

بل إن اختيار هولندا يحمل مفارقة إضافية؛ إذ يأتى بينما تشهد البلاد نقاشًا سياسيًا متصاعدًا بشأن الإخوان وشبكاتهم، وهو ما يجعل اللجوء إلى لافتات سياسية أوسع أكثر دلالة من مجرد تغيير اسم فوق باب قاعة. 

فى الماريونت، لا تتغير حقيقة الدمية حين تغير ثيابها.  

 من يدفع ثمن المسرح؟  

كل مسرح يحتاج إلى خشبة، وكل خشبة تحتاج إلى مال. 

وهنا يظهر خيط آخر. 

إذا أردت فهم المسرح، فلا تنظر دائمًا إلى الممثل. 

انظر إلى من يدفع إيجار الخشبة. 

فالمال فى التنظيمات السياسية لا يشترى فقط مقعدًا أو كاميرا أو استوديو؛ إنه يصنع القدرة على الاستمرار، ويوفر المنصات، ويمنح القدرة على الحركة، ويحدد أحيانًا من يملك الصوت، ومن يستطيع جمع المتباعدين حول طاولة، ومن يملك ترف الانتظار حتى تحين اللحظة السياسية المناسبة. 

وفى عالم الشبكات السياسية، لا يكون التمويل مجرد بند فى الميزانية؛ بل قد يصبح البنية التى تسمح لبقية الخيوط بأن تظل مشدودة. 

  عودة تبحث عن لافتة  

لعل أهم ما تكشفه هذه التحركات ليس أسماء المشاركين، وإنما تغير هندسة العودة ذاتها. 

فالجماعة التى كانت يومًا شديدة الاعتزاز باسمها وتنظيمها ومرشدها وهياكلها، قد تكون اليوم أمام حقيقة سياسية قاسية: أن العودة تحت الاسم القديم أصعب كثيرًا من العودة داخل مساحة جديدة. 

 وهنا يمكن فهم إغراء «الجبهة» 

الجبهة أوسع من التنظيم. 

و«التكنوقراط» أكثر طمأنينة فى اللفظ من «الإخوان» 

و«المعارضة المدنية» أكثر قدرة على العبور من خطاب عقائدى أثقلته تجارب العنف والإرهاب والاغتيالات. 

والمنصة الشبابية تستطيع الوصول إلى أجيال ربما لا يعنيها مدرس الخط حسن البنا، ولا سيد قطب، ولا تاريخ مكتب الإرشاد، لكنها تتفاعل مع الغضب المصنوع، ومقاطع الفيديو، والوسوم، وحملات الإنترنت. 

 حين أصبح خيط العرائس رقميًا  

فى الماريونت القديمة كان الخيط يُرى إذا دققت النظر. 

أما فى المسرح الرقمي، فقد لا يكون هناك خيط أصلًا بالمعنى التقليدى. 

هناك حساب يعيد نشر حساب، ومنصة تضخم رسالة منصة، وناشط يلتقط وسمًا، ومؤثر يحول الرواية إلى مقطع قصير، ثم تعود الرسالة نفسها فى صورة تبدو جديدة ومن مصدر يبدو مستقلًا. 

لا أوامر مكتوبة بالضرورة، ولا اجتماعات تنظيمية لكل المشاركين، ولا بطاقة عضوية يحملها كل من دخل المشهد.يكفى أحيانًا توحيد الاتجاه المخرب. 

وهنا تصبح الحركات والمنصات التى ظهرت أخيرًا جزءًا ضروريًا من أى محاولة لفهم المشهد، لا لأن كل من يتابعها أو يشارك فى نشاطها عضو فى جماعة، وإنما لأن السؤال أصبح يتعلق ببنية التأثير نفسها: 

كيف تنتقل الرسالة؟..من يبدأها؟..من يضخمها؟..وأين تلتقى الشبكات التى يفترض ظاهريًا أنها منفصلة؟ 

 وهم العودة  

وربما هنا تحديدًا يسكن «وهم العودة» 

فالإخوان الذين خرجوا من السلطة قبل ثلاثة عشر عامًا لم يعودوا الجماعة نفسها التى دخلوها. 

انقسم التنظيم، وتصارعت قياداته، وتغيرت البيئات التى احتضنت أجزاء منه، وتبدلت حسابات الدول، وأصبح اسمه موضع تدقيق سياسى وأمنى متزايد فى أكثر من عاصمة. 

ومع ذلك، يبدو أن حلم العودة والتمكين لم يمت. 

يكفى أن تبقى لها مساحة داخل المشهد القادم قبل انقضاضهم على المشهد كله! 

مقعد هنا..منصة هناك..إعلامى يستطيع مخاطبة جمهور..تكنوقراطى يمنح الصورة مسحة محايدة..وجه مدنى يخفف وطأة السمت المتأسلم..وشبكة تستطيع أن تجمع هذه العناصر عندما تقتضى اللحظة.. لكن ثمة فارقًا بين الرغبة والقدرة! 

فمصر التى عرفها التنظيم قبل 2013 ليست مصر اليوم، والمجتمع الذى اختبر عامًا من حكم الإخوان لا ينظر إليهم بعين المجتمع الذى كان يسمع وعودهم من مقاعد برلمان 2005. 

لقد تغيرت الذاكرة السياسية، وسقطت مسافات كانت تفصل بين الشعار والتجربة، وبين الوعد والممارسة، وبين ما قيل للناس وما رأوه بأعينهم. 

ولذلك قد يكون أكبر أوهام الجماعة أنها تتصور أن تغيير الدمى قادر على محو ذاكرة الجمهور.  

 الستار لم يسدل بعد  

وفى نهاية العرض، تنطفئ الأضواء شيئًا فشيئًا. 

يصمت الممثلون، وتسكن العرائس فوق الخشبة، ويغادر الجمهور مقاعده. 

لكن من يبقى قليلًا، وينظر إلى أعلى بدلًا من النظر إلى أسفل، قد يلحظ شيئًا لم يكن ظاهرًا أثناء صخب المسرحية. 

الخيوط 

خيط يمر بلندن، وآخر بإسطنبول، وثالث يصل إلى هولندا

بينها إعلام ومال سياسى ومنصات ووجوه سياسية، تتفق أحيانًا وتختلف أحيانًا أخرى؛ بعضها معروف الانتماء، وبعضها يرفض أصلًا أن يوضع داخل التصنيف ذاته.

روزاليوسف




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية