عبد الوهاب المسيري وحدود نموذجه المعرفي

عبد الوهاب المسيري وحدود نموذجه المعرفي


28/07/2022

أن يموت مفكّر ما، ليست قضية كبيرة، فلم يغب منه سوى الجسد، والجسد وحده، فيما براهين فكره وشاهديته المطلقة ماثلة في الذين أتوا بعده. المفكر مات منذ أول كتاب كتبه؛ فلذا لا يعني موته شيئاً بالنسبة إلى الفكر، إنّ موته قضية عقدية وإكلينيكية، ليس من شأن قرّائه أن ينتبهوا لها كعائق أخلاقي أمام قراءته أو تأويله أو التعاطي معه نقدياً.

إنّ كلّ قراءة حقيقية هي إماتة، بشكل ما، للسيرة الشخصية للمفكر، وإحياء عميق لفكره وأفق تفكيره


فذات محاضرة، وبينما الجميع ينتظر من هيدغر أن يقدم محاضرته عن أرسطو بمقدمة "شخصية" عن حياته وأعماله، وكلّ ما له علاقة بشخص أرسطو، فاجأ هيدغر الجميع بهذه العبارة الغريبة: "ولد أرسطو، تعب، ومات، دعونا نهتم بفكره"؛ وهي عبارة غريبة؛ لأنّها وضعت الطلبة في حيرة: ماذا يقصد هيدغر بهذه العبارة في فاتحة محاضرته عن أرسطو، المعلم الأول؟ ربما قصد هيدغر (والقصد هنا تأويلي): أنّ حياة الفيلسوف هي فكره، وأنّ ما تسمى "حياة" في التداول العام ليست سوى تحقق أدنى للدازين (المصطلح الهيدغري الأهم)؛ فالتفكير الذي خلّفه فيلسوف ما هو حياته الحقة التي يبتغي تلمّسها في الفكر، لا في سيرته الشخصية من حيث شهادة الميلاد والوفاة، والهوية، وبطاقات التعريف.

اقرأ أيضاً: ما الحاجة لإعادة التفكير في الاستشراق اليوم؟

هذه فكرة مهمة صاغها الفيلسوف الألماني، مارتن هيدغر، في عبارة تقليدية لغة، ولكنّها مشبعة بفلسفة عالية، وهي توضح لنا إلى أيّة درجة كمّ الرطانة الأكاديمية التي تغتال التآليف الحالية حول فكر مفكر ما أو عالم أو أديب؛ كأنها نمط من الكتابة الصحفية لتقديم أحدهم في جريدة ما، وليس دخولاً في النقاش الحقيقي حول أجندة التفكير التي تركها على مقاعدنا ذلك المفكر أو ذاك الفيلسوف، إنّ كلّ قراءة حقيقية هي إماتة، بشكل ما، للسيرة الشخصية للمفكر، وإحياء عميق لفكره وأفق تفكيره.

نقد الحداثة عند المسيري

حسناً، المسيري رحل ولم يمت؛ لأنّ مَن يفكر لا يموت، وإن مات، وكل هذه المقاومة "الحياتية" التي أحاول أن أدخل المسيري فيها، هي لأجل أن نحييه بوجه ثان، وأن ننتصر للفكر على الموت، إلا أنّ ما يضاعف حضور المسيري بجوار كونه مفكراً، هو أنّه مناضل، ومن مثقفي الموقف؛ أي من الذين يرون الثقافة موقفاً بالأساس تجاه السلطة؛ لذا فإنّ حضوره فكري وملموس، في الكتاب والشارع، في الجامعة وعلى أكتاف المتظاهرين.

إنّ مصادر المسيري في فهم الغرب، بجوار تجربته الذاتية، تحيل إلى ظرف تاريخي، وليس إلى الغرب ما بعد الحديث

اشتغل المفكر الراحل، عبد الوهاب المسيري، على خطة نقد الحداثة، ولكنه اشتغل على تجلّيها الأدبي؛ نظراً إلى تخصصه العلمي بداية، ثم عمل على ذلك من خلال تجلّيها الفلسفي المادي؛ الأمر الذي جعله يدخل في نقاش حاد مع فلسفات الذات، مروراً بفلسفات الحداثة وما بعد الحداثة؛ فالمسيري يرى أنّ الإنسان قد تشيّأ على يد هذه النظرة الحداثية، وأنّه فقد رشديّته التي اختزلها في بعد بيولوجي غير متجاوز، مما جعل للمادة الهيمنة على روحه وذاته، فلم يتعالَ على التاريخ بهذا التجاوز، بل سقط في التاريخ (مصطلح السقوط عمل عليه الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، لكن المسيري لم يأخذ المصطلح للدلالة الوجودية التي أرادها هيدغر، بل أراد بالسقوط: الاتكال والارتكاس والوقوف عند ما هو مادي فينا). وما الحداثة وما بعدها، بإجمال مخلّ كثيراً، سوى تشويه للإنسان، فصله عن نفسه وعن القيم.

اقرأ أيضاً: خالد زيادة: مشكلتنا أنّ الكل يدّعي امتلاك التفسير الصحيح للإسلام

والحلّ في نظر المسيري، هو نقد هذه الحداثة الأداتية من أجل حداثة "أكثر إنسانية"؛ أي إنّ المسيري يحاول أن يكتسب من الحداثة ما طورته في الأفق الراهن، ولكنه ينقدها من أجل "أنسنتها"، وتلك الأنسنة، في نظر المسيري؛ هي إعادة الاعتبار للإنسان كمخلوق رباني متجاوز مكرم، هو أعلى، أنطولوجياً، من المادة التي تحيط به، والحداثة وما بعدها ليست سوى انتصار للمادة على الإنسان، وللذرة على الكينونة.

يبدو أنّ المسيري قد لجأ كثيراً إلى الأدوات المعرفية التي أبدعها رواد مدرسة فرنكفورت، وهو أمر طبيعي في مسار الرجل، نظراً إلى ماركسيّته القديمة التي تتشابه مع فكر المدرسة، نقداً للحداثة التي شوهت الإنسان، وحصرته في شقه المادي البيولوجي، وأغفلت روحه، مما جعل المسيري ينشئ مفهوم (الإنسان الرباني) الذي يستعيضه مكان الإنسان المادي الذي اخترعته الحداثة، ولكأنه كان يريد أن يقول ما قاله فوكو: إنّ الإنسان ما هو إلا اختراع حديث قارب على الفناء، وهو يقصد "إنسان الحداثة" إذا أعدنا مفهمة ما يريد.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن غالباً، عند ذكر المسيري، ما يحيل اسمه دلالة على مدرسة فرنكفورت، بوصفه امتداداً لها، ومقلداً لأدواتها، وكأنّ المسيري عالة بكلّ ما أنتج على فكر المدرسة، إنّ في هذا الكلام مغالطة وصحة في آن؛ فإذا كان المسيري قد التقى كثيراً في حوار صامت مع مدرسة فرنكفورت، بدءاً من أدورنو وماركوزه (خاصة كتابه الأخير المعنون "الإنسان ذو البعد الواحد")، إلا أنّ المسيري له روافده الفكرية عند ماكس فايبر وماركس وغيرهما، وأريد أن أسجّل ملاحظتين سريعتين حول فكرة ارتباط المسيري بالمدرسة النقدية/ مدرسة فرنكفورت:

الملاحظة الأولى: إنّ المسيري، وإن استفاد بشكل مباشر وحقيقي من المدرسة، فإنه قد استفاد منها ضمن نموذج معرفي، إذا استعرنا منه، كان قد أنشأه كـ "رؤية" يفسر بها الحداثة منذ بدئها، وتجلياتها في التاريخ، انتهاء بما بعد الحداثة، كما أنّ المسيري لم يكن مقلداً جباناً؛ فهو عندما نقل هذه الآليات المفاهيمية والتفسيرية للعالم العربي أدخل عليها وطوّع المنهج كي يكون "أكثر تفسيرية" في الواقع الجديد الذي حلّ فيه المنهج؛ أي إنّ تعاطيه كان تعاطياً مركباً، وليس مختزلاً، أو مشوهاً، وهذا يراه القارئ، ويستصعب عليه أحياناً، وهو فكرة أنّ المسيري يستفيد من المدرسة بشكل أكثر ذكاء من شكل الاستفادة التقليدي، كما أنّ له عيناً أخرى يرى بها.

اقرأ أيضاً: ضدّ الدوغمائية: الممارسة الحوارية لإنتاج المعرفة الإسلامية

الملاحظة الثانية: إنّ المسيري يبدو أنّه قد استفاد من المدرسة في صورتها التقليدية (أدورنو وماركوزه وهوركاهيمر)، وهو الجيل الذي يسميه الباحث الإنكليزي، آلان هاو، "الجيل الأول من المدرسة؛ أي إنّ المرء ليلاحظ غياب "الجيل الثاني" للمدرسة في كتابات المسيري، مثل هابرماس؛ مما يعني أنّ المسيري قد توقفت استفادته من المدرسة عند جيل معين، يخدم نموذجه المعرفي؛ فمعلوم أنّ هابرماس، وهو التلميذ الأكاديمي لأدورنو، قد دخل في نقاش نقدي "إصلاحي" مع المدرسة؛ لأن هابرماس كان يفكر في لحظة الحداثة المتمثلة بهيغل، وكان يرى أنّ الحداثة لم تنته؛ فهي، بحسب قوله، مشروع لم ينتهِ؛ لأنّه لم يبتدئ قط.

ما أقصده؛ أنّ المسيري قد تعلق بالجيل الأول، مما يعني أنّ استخدامه للأدوات المنهجية لتلك المدرسة كان استخداماً براغماتياً (ليس بالمعنى السيئ) يناسب ما يريد أن يؤطر به الحضارة الغربية من نموذج معرفي ابتكره لتفسيرها، فحاجته المنهجية خاضعة للأخذ والرد، وليست حاجة دائمة تربطه بالمدرسة في كامل أجيالها.

تغوّل النموذج المسيري

من يقرأ للمسيري كثيراً ما يسمع مفهوم "التغول" حاضراً في خطابه؛ تغول الدولة، تغول المادية، تغول الاستهلاكية، ...إلخ؛ فهل لنا أن نفكر مع هذا المفهوم الشائع في خطابه ضدّ المسيري نفسه؟ هل يمكن أن نفكر مع المسيري ضدّ المسيري؟ أو هل يمكن أن نتحدث عن "تغول النموذج المعرفي" للمسيري في رؤيته للحداثة الغربية وما بعدها؟

قراءة المسيري للفلسفة الغربية الحداثية بالتحديد، كانت ذات بعد واحد بشكل كبير، وتصويره للعامل الديني لا أظنه صواباً

في رأيي، الذي يقبل النقد بانفتاح، المسيري تغول نموذجه المعرفي فاختزل العرب، ويمكن أن أرصد ذلك بإيجاز في النقاط الآتية:

أولاً: المسيري في تحليله للغرب ظلّ محتفظاً "بغرب منتصف القرن العشرين"، وظل يكرر تحليلاته في كتبه، مما أدى بها إلى أن تكون تحليلات تاريخانية، قد تفيد في فهم المآل الاجتماعي، خاصة بالغرب اليوم، إنّ مصادره في فهم الغرب، بجوار تجربته الذاتية؛ كونه درس في الخمسينيات بالغرب، تحيل إلى ظرف تاريخي، وليس إلى الغرب ما بعد الحديث.

ثانياً: قراءته للفلسفة الغربية الحداثية بالتحديد، كانت ذات بعد واحد بشكل كبير، وتصويره للعامل الديني لا أظنه صواباً؛ فغالب فلاسفة الحداثة هم لاهوتيون بالأساس، وخرجوا من الكنيسة؛ كانط، نيتشه، هيدغر، ...إلخ، والمقولات الدينية كانت عاملاً أساسياً في بناء المقولات الفلسفية، وأن التفلسف الحداثي كان يدور، وحتى وإن اعتقد البعد، في إطار اللاهوت المسيحي، فالنص، أي نصّ مؤسس، هو ما يمنح الثقة للمتفلسف في فعل التفلسف بالأساس؛ لأنه لا تفلسف من "صفر أنطولوجي".

اقرأ أيضاً: الفلسفة الإسلامية: مشروع النسيان والنبذ

ثالثاً: رؤيته لما بعد الحداثة يشوبها عوار ونقص بين؛ لأنّها تشوه أكثر مما تصف وتحلل، لقد حاول المسيري تثبيت ما بعد الحداثة في شخصية الفيلسوف الفرنسي، جاك دريدا، بيد أنّ مناقشته لدريدا يعوزها الكثير من المناقشة الفلسفية، ليس فقط على مستوى التحليل بل على مستوى ما يطرحه دريدا نفسه، كما أنّ تأويله لدريدا فيه انزياح كبير، ومشروع ما بعد الحداثة، وإن قام على هدم ميتافيزيقيا الحضور التي ترسخت غربياً، والتي ساعدت الحداثة في تدشين أهم أساساتها: من اللوغوس، واللغة، والعقل، ...إلخ؛ فإنّه مشروع متباين، فبينما نجد فيه، مثله مثل الحداثة، أطرافاً راديكالية وتشاؤمية يمكن تلمسها بداية من أدورنو، فيمكننا أيضاً أن نجد فيه أصواتها أقرب للمحافظة على التقليد الحداثي مثل هابرماس؛ فبالنسبة إلى هابرماس، ما بعد الحداثة هي استئناف تقويمي للمشروع؛ لأن مشروع الحداثة لا يمكن أن يصل عند نقطة ويقف، بالنسبة إليه: الحداثة مشروع لن ينتهي، أي أنّ الحداثة في الأمام، وليست في الخلف، هي شيء نرجوه. والمسيري يعتقد أنّ ما بعد الحداثي "هدم" و"عبث" ليس إلا.

اقرأ أيضاً: درس بورديو: هل هناك رأي عام؟

هذا التغول للنموذج المعرفي بوصف الحضارة الغربية الحديثة مادية بالأساس كتقييم لها، فوّت كثيراً على فكر المسيري من فهم الغرب فلسفياً، ضمن مشاكله الحديثة، والتي تتعلق بالإنسان وبالمشكل اللاهوتي-السياسي ومشكل التقنية.

استعادة المسيري إسلامياً

شكلت كتابات المسيري جزءاً من الوعي الإسلامي بموضوعة الحداثة والغرب، وتصور الغرب للإنسان بعامة؛ استعمل المسيري كمانيفستو في أوساط المنشغلين بالفكر الإسلامي، لكن في ضوء "الحدود" و"الضيق" الذي حاولت توصيفه في النموذج المعرفي النقدي الذي حاول تقديمه الراحل عبد الوهاب المسيري، فإنّ محاولات استعادته يبدو أنّها كانت محدودة وضيقة كذلك.

اعتمد المسيري، إضافة إلى الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، على كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب"، لعلي عزت بيغوفيتش، إضافة إلى كتب زيغمونت باومن، الذي حاول فيها توصيف السيولة التي اتسمت به الحداثة المتأخرة، لكلّ القيم التي بنى الإنسان عليها وجوده، وللغرابة؛ نجد أنّ مصطلح السيولة لدى المسيري هو مستعار بشكل واضح من باومن.

اقرأ أيضاً: الحداثة التي لم تهزم المتعالي

يحتاج كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" إلى تحليل في مقالة مطولة وحده، بيد أنني أودّ أن أسجل ملاحظة على هذا الكتاب، المستعاد بشكل دائم في الوعي الإسلامي حالياً، ألا وهي؛ أنّ كتاب بيغوفيتش لا ينظر في حلّ مشكلة بالفعل قائمة، بقدر ما يرسم حدود النموذج الغربي بالنسبة إلى الوعي المسلم أيضاً، إنه دعوة إلى التمسك بالروحانية ضد المادية الغربية، لكن، ما هي الروحانية؟ وهل عمليات التقسيم بين الشرق "الروحاني"، والغرب "المادي" يمكن أن تفيد في شيء؟

لقد حاول كثير من المحللين والمستشرقين الاعتماد على نظرية روحانية الشرق، والإسلام، مقابل مادية الغرب، لكن ذلك كان ضرباً من المجازفة، والاستيهام، والولع بالخيال مقابل "التاريخ" ودراسة التقاليد المنهجية للحضارة العربية الإسلامية والغربية، تدعنا مثل هذه الكتب في نوع من النوستولوجيا الغامضة، وغير المنظَّر لها، والتي تعاني من ضعف منهجي واضح.

يبدو أنّ الاستعادة الإسلامية للمسيري يشوبها الكثير من التفحص للمنهج، والاعتبار للسياقات التاريخية، وللنزعات غير المجدية في التعاطي مع الفلسفات والفكر الغربي بالعموم، والذي يقوم على فكرة "الثنائية"، وما تفرضه من استحالة في الواقع.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية