عبد الله أوجلان.. بطل قومي أم متمرد إرهابي؟

13027
عدد القراءات

2018-07-03

منذ طفولته، أدرك عبدالله أوجلان معاناة شعبه، فعزم على أن تكون له مساهمته في حركة التحرر والاستقلال الكردية، ونشط سياسياً في شبابه وانخرط في التنظيمات الطلابية الثورية، قبل أن يتجه لتأسيس حزب مع عدد من رفاقه، ممن وجدوا في الماركسية الفكر والإطار النظري المؤسس لحركتهم، التي ستُعرف باسم حزب العمال الكردستاني، وبعد سنوات من النشاط السِلمي اتجه الحزب لتبنّي خيار العمل الثوري المسلح بعد اليأس من المسار السِلمي.
التجربة السياسية الأولى
في قرية نائية في مقاطعة أورفة جنوبي تركيا، ولد عبد الله أوجلان العام 1947، وكانت نشأته وسط أسرة من الفلاحين الأكراد، في فترة كانت البلاد تشهد فيها اضطرابات سياسية واقتصادية متصاعدة؛ حيث كانت البلاد قد شهدت أول انقلاب عسكري العام 1960، تلته سنوات متعاقبة من التوتر والاضطراب السياسي والأمني. وكان الأكراد يعانون من سياسات الدمج القصري ومختلف صنوف التمييز والاضطهاد التي كانت تمارسها الدولة التركية بحقهم.

بقي أوجلان في سوريا 20 عاماً وكانت الدولة السورية تطلب منه بالمقابل ضمان خضوع الأكراد في سوريا

درس أوجلان الثانوية في أنقرة ثم حصل على وظيفة متواضعة للعمل في دائرة تسجيل العقارات في ديار بكر قبل أن ينتقل للعمل في إسطنبول، وهناك اقتنع بضرورة مواصلة الدراسة الجامعية، فقرر دراسة القانون في جامعة إسطنبول، الجامعة التي كانت تضجّ بالحِراك السياسي من مختلف الاتجاهات وخصوصاً اليسارية منها؛ حيث انضم أوجلان إلى أحد التنظيمات اليسارية الناشئة، وهو "اتحاد الشباب التركي الثوري"، الذي كانت الحكومة قد حظرته العام 1971 وشنّت حملة على كل من ينتمي إليه، لم تطُل إقامة أوجلان في إسطنبول؛ إذ قرر الانتقال إلى جامعة أنقرة لدراسة العلوم السياسية.
تأسيس الحزب
وفي أنقرة، واصل أوجلان نشاطه السياسي مع التنظيمات الطلابية اليسارية، وفي العام 1973 اعتُقل لأول مرّة إثر مداهمة قوات الأمن التركي أحد الاجتماعات لتنظيم محظور؛ حيث قضى حكماً بالسجن مدة سبعة أشهر.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة تحاول تركيا وحلفاؤها فرض تغيير ديموغرافي وصراع عرقي بعفرين
ساهمت هذه التجارب المبكّرة في بلورة الوعي والتوجه السياسي لدى أوجلان، وفي العام 1974، وبعد خروجه من السجن، سكن أوجلان مع رفيقيه كمال بير، وباكي كراير؛ حيث شرع ثلاثتهم في التأسيس لحزب كردي يتبنى رؤية وأيديولوجيا ماركسية ويكون هدفه هو تحرير الشعب الكردي في تركيا واستقلاله، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1978 بدأ الإعلان عن الحزب ونشاطه بشكل علني، واختير أوجلان كأول رئيس لحزب العمال الكردستاني.

خلال وجوده في سوريا أشرف أوجلان على تدريب المقاتلين في معسكرات الحزب في البقاع اللبناني

أعلن الحزب عن أهدافه المتمثلة بتحقيق الاستقلال لدولة كردستان الكبرى بحيث يكون استقلال الجزء الشمالي منها الواقع في أراضي الدولة التركية هو المرحلة الأولى، وهو ما اعتبرته الدولة التركية تهديداً وجودياً لها فأخذت تحارب الحزب وتقمع نشاطه منذ التأسيس، وذلك رغم كونه لم يتبنّ العمل المسلح خلال السنوات الأولى، وإنما اقتصر نشاطه على الأنشطة السلمية، من نشر الدعاية وكسب التأييد، إلى تنظيم المظاهرات وتوزيع المنشورات، في المقابل كانت السلطات التركية تواجه نشاط الحب بمختلف أشكال القمع وملاحقة كل من ينتمي إليه.
اللجوء إلى سوريا
أدرك أوجلان منذ تأسيس حزب العمال أنّه سيكون هدفاً لأجهزة الأمن التركية، وفي تموز (يوليو) من العام 1979 قرّر اللجوء جنوباً إلى سوريا، لينشط منها بأريحية دون خطر الملاحقة، وقد وفّرت الحكومة السورية الملاذ الآمن له؛ حيث أرادته ورقة ضغط بيدها في الصراع والتوتر المستمر بينها وبين نظيرتها التركية، على خلفية الخلاف بينهما حول قضايا عديدة، تعود في جذورها إلى فصل فرنسا إقليم الاسكندرون السوري وضمه للجمهورية التركية الوليدة في العشرينيات، وتستمر حتى الخلافات حول الحقوق في مياه نهر الفرات.

اقرأ أيضاً: العلويون في تركيا.. تاريخ من العزلة
وقد بقي أوجلان في سوريا مدة عشرين عاماً حتى العام 1998، وكانت الدولة السورية تطلب منه بالمقابل ضمان استمرار استقرار وخضوع الأكراد في سوريا، وممارسة نفوذه لإخماد أي حِراك ينشأ بينهم.

بقي أوجلان في سوريا مدة عشرين عاماً

الالتفاف الشعبي
اكتسب حزب العمال شعبية واسعة بين أكراد تركيا خلال سنوات قليلة من انطلاقته، فانتشر بين أوساط الفلاحين والعمال الأكراد، ودافع عنه المثقفون والناشطون وانتموا إليه، حتى بعد انطلاقة حملاته المسلحة في السنوات اللاحقة، ليتحول إلى الممثل السياسي الأول للأكراد في تركيا.
ويعود سبب الاحتضان والانتشار بالأساس إلى اشتداد وطأة القمع والاضطهاد الذي كانت تمارسه الدولة التركية بحق الشعب الكردي، وبالأخص بعد انقلاب كنعان إيفرين العام 1980؛ حيث كان يُمنع مجرد الحديث بالكردية، أو التسمّي بالأسماء الكردية، أو حتى ذكر كلمة "كرد"، فكانت التسمية الرسمية للأكراد هي "أتراك الجبال"، كما كان يُحظر ارتداء اللباس التقليدي الكردي، وتمنع ممارسة أيّ مظاهر أو احتفالات لها علاقة بالثقافة أو الفلكلور الكردي، وكان يتم اعتقال وسجن كل من يتحدث أو يغني أو ينشر كتاباً بالكردية، سواء أكان بالعلن أو بشكل خاصّ. عملت كل هذه الظروف الصعبة على إعطاء شرعية واسعة لحزب العمال، وجعلت الأكراد يلتفون حوله منذ تأسيسه؛ حيث وجدوا فيه الملاذ والملجأ من الاضطهاد والقمع التركي.

انطلاق العمل المسلّح

في العام 1984، ومع اشتداد وطأة القمع والشعور بعدم جدوى العمل السّلمي أعلن حزب العمال إطلاق حملة العمل المسلّح، التي ركزّت على استهداف القوات العسكرية التركية، إضافة إلى مؤسسات الدولة الرسمية، ولم يقتصر الاستهداف على داخل الأراضي التركية وإنما وصل إلى أوروبا؛ حيث شمل العديد من الدبلوماسيين الأتراك في الخارج.

عام 1999 اختطفت الاستخبارات التركية بمساعدة من "السي آي ايه" والموساد أوجلان في مطار نيروبي

وكان الحزب قد أقام معسكرات تدريبية في سهل البقاع اللبناني الذي كان خاضعاً آنذاك للجيش السوري؛ حيث كان أوجلان يشرف على عمليات التدريب في المعسكرات، أما القواعد المتقدمة للحزب فقد تركّزت لاحقاً في أراضي إقليم كردستان العراق وخصوصاً بعدما منحت بغداد الإقليم صلاحيات الحكم الذاتي بعد العام 1991؛ حيث تحالف الحزب مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني، كما تواجد آلاف المقاتلين والعديد من القواعد الخاصة بالحزب داخل الأراضي التركية، وخصوصاً في المناطق الجبلية في المحافظات الجنوبية؛ حيث وفّر الفلاحون الأكراد الدعم اللازم لمقاتلي الحزب.

أشرف أوجلان على تدريب مقاتلي الحزب في المعسكرات

انتهاكات الجيش التركي
في المقابل، قام الجيش التركي بتعقب المسلحين الأكراد وشنّ حملات عسكرية واسعة، استخدم فيها أسلحة الطيران والمدفعية لقصف مواقع الحزب وقواعده، ولم يقتصر رد الفعل التركي على ذلك، وإنما دمّر مئات القُرى التي احتضنت المقاتلين ودعمتهم، كما دمّر أجزاء واسعة من المدن التي كان يسيطر عليها مقاتلو الحزب، كديار بكر، وماردين، ونصيبين، في جنوب تركيا. كما قامت القوات التركية، ولا تزال، بإجراء طلعات جوية مستمرة تستهدف قواعد الحزب في إقليم كردستان العراق، مخترقةً بذلك سيادة الدولة العراقية.

بعد اعتقال أوجلان أعلن حزبه اتجاهه نحو إعلان وقف إطلاق النار في مرحلة تهدئة استمرت 5 سنوات

وقد ساندت الدول الغربية تركيا، وهي الحليف التاريخي للغرب والدولة العضو في الناتو، في صراعها مع الحزب؛ حيث عمدت الولايات المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي إلى إدراج اسم الحزب ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية.
في حين لم تتوقف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عن إصدار الإدانات المستمرة بحق الحكومة التركية، واتهامها بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان، من الإعدامات الفوريّة دون محاكمات إلى التعذيب، إلى تدمير القُرى والتهجير القسري لآلاف الأسر، إلى إخفاء الصحفيين والناشطين الأكراد، وهو ما أسهم في تعقيد وعرقلة المساعي التركية لدخول الاتحاد الأوروبي خلال التسعينيات.

تسبّب الجيش التركي في دمار أجزاء كبيرة من المدن الكردية التي نشط فيها حزب العمال

عملية اختطاف في مطار نيروبي
في العام 1998، ونتيجة لاستمرار تصاعد التوتر بين أنقرة ودمشق، ومع رغبة البلدين في الاتجاه نحو التهدئة، قرّرت الحكومة السورية إخراج أوجلان من أراضيها، ولكنها لم تسلّمه لتركيا وإنما رحّلته إلى موسكو، ومن هناك انتقل إلى أوروبا، وتنقّل فترةً بين اليونان وإيطاليا، ومن اليونان اتّجه إلى كينيا. وفي كينيا، وبعد وصوله مطار العاصمة نيروبي في 15 شباط (فبراير) من العام 1999، نفّذت الاستخبارات التركية، بمساعدة من جهازي الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد، عملية اختطاف لأوجلان، ليتم نقله بعدها إلى تركيا.

اقرأ أيضاً: أردوغان.. لا يحقّ لهؤلاء الدراسة في جامعاتنا!

اختطفت الاستخبارات التركية أوجلان في مطار نيروبي بمساعدة السي آي ايه والموساد

وفي تركيا، قامت السلطات التركية بعرض أوجلان بصورة مهينة وهو مقيّد أمام وسائل الإعلام، رغبةً منها في بثّ شعور الهزيمة والقهر في نفوس الأكراد، مقابل بثّ الطمأنينة وشعور النصر لدى الأتراك .
أدى الاعتقال والإهانة التي تعرّض لها أوجلان إلى تأجيج الغضب بين الأكراد، فانطلقت المظاهرات الاحتجاجية حول العالم، والتي حاصرت السفارات التركية إضافة إلى السفارات الأمريكية والإسرائيلية، لدور الدولتين في عملية الاختطاف.

مظاهرات احتجاجية كردية ترفع صور عبدالله أوجلان وتطالب بإطلاق سراحه

حُكم على أوجلان بالإعدام دون إجراء محاكمة، وصدر الحكم بحقه بناءً على المادة 125 من قانون العقوبات التركي، بتهمة "الخيانة العُظمى"، قبل أن يتم تخفيف الحكم إلى السجن المؤبّد؛ حيث كانت تركيا قد علّقت العمل بعقوبة الإعدام وذلك في إطار مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقد وُضِع أوجلان في الحبس الانفرادي في سجن بجزيرة إمرالي وسط بحر مرمرة، مع وضع 1000 عنصر مسلح في الجزيرة لحماية السجن ومنع أي محاولات هرب أو إنقاذ لأوجلان.
الحزب ما بعد أوجلان
أعلن أوجلان في السجن عن مراجعة أفكاره السياسية؛ حيث اتجه نحو التخلّي عن العنف، وفي آذار (مارس) من العام 2005 أصدر منشوراً بعنوان "الكونفدرالية الديمقراطية في كردستان"، تبنّى فيه مطلب إنشاء إقليم كردي بحكم ذاتي، على غرار الإقليم العراقي، بحيث تتم إزالة الحدود الإدارية بين المقاطعات الكردية في جنوب وشرق البلاد، ويطلق عليه اسم "كردستان الشمالية"، وقد تبنّى حزب العمال هذه الرؤية الجديدة في اجتماعه العام في نيسان (أبريل) العام 2005.

خلّف الصراع بين الحكومة التركية والحزب حوالي 40 ألفاً فضلاً عن خسائر فادحة للاقتصاد التركي

بعد اعتقال أوجلان تولّى قيادة الحزب مراد كارايلان، في حين أعلن الحزب اتجاهه نحو إعلان وقف إطلاق النار في مرحلة تهدئة استمرت مدة خمس سنوات، ولكن الحكومة التركية لم تبدِ أي بوادر للتهدئة من جانبها، ما دفع بالحزب إلى العودة للعمل المسلح في العام 2004.
واليوم تتراوح تقديرات أعداد المقاتلين في الحزب ما بين 3 آلاف داخل تركيا، يتركزون في المحافظات الجبلية في الجنوب والشرق، و3 آلاف في إقليم كردستان العراق.

اقرأ أيضاً: تركيا الأسيرة في عهد أردوغان: تقييد الحريات والمتاجرة بالشعارات الدينية
وقد تصاعدت حدّة العمليات منذ العام 2011 نتيجة لاستمرار فشل جهود التهدئة والتسوية السلمية، مع عدم إبداء الحكومات التركية الاستعداد لتقديم تنازلات مهمّة، والاستمرار في التأكيد على كَوْن الأكراد في تركيا أتراكاً قبل أن يكونوا أكراداً، ورفض منحهم الحكم الذاتي.

تقدّر أعداد المقاتلين في حزب العمال اليوم بحدود 6 آلاف مقاتل

وتقدّر أعداد ضحايا الصراع بين الحكومة التركية والحزب بحدود 40 ألف ضحية، وقد تسبّب الصراع بخسائر فادحة للاقتصاد التركي تقدر بمليارات الدولارات، ما بين مبالغ أنفقت على تجهيز وتسليح القوات التركية، وما بين الخسائر الناتجة عن تدهور السياحة في شرق وجنوب الأناضول بسبب الصراع، في حين كان بالإمكان تجنّب جانب كبير من هذه الخسائر لو تخلّت الدولة التركية عن سياسات الإدماج القسري للشعب الكردي.

اقرأ أيضاً: هذا ما قاله مرشح الانتخابات التركية دميرتاش عن أردوغان

اقرأ المزيد...

الوسوم: