
في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، تبدو مالي كأنها تقف على حافة منعطف أمني خطير، حيث تتقاطع تصاعدات العنف الجهادي مع تعقيدات المشهد السياسي الداخلي، لتعيد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة على الصمود، وحول مستقبل الاستقرار في منطقة الساحل بأسرها. فالتطورات الأخيرة لا تعكس مجرد موجة عنف عابرة، بل تشير إلى تحولات نوعية، ما يضع البلاد، التي تُعدّ ركيزة أساسية في غرب أفريقيا، أمام تهديدات جدية قد تمتد تداعياتها إلى دول الجوار، وتزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
هذا ما أكده إبينيزر أوباداري، الباحث النيجيري المتخصص في الشأن الأفريقي، في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية.
ويقول أوباداري إن آلاف المقاتلين المسلحين، المنتمين إلى جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، إضافة إلى الانفصاليين الطوارق المنضوين تحت لواء “جبهة تحرير أزواد”، شنّوا هجمات منسقة على عدة مدن في مالي يوم السبت 25 أبريل الماضي. واستهدفت الهجمات العاصمة باماكو، إلى جانب غاو وكيدال وموبتي وسيفاري، وهي جميعها مواقع تضم قواعد عسكرية رئيسية في شمال ووسط البلاد، التي تعاني أصلًا من أزمات متفاقمة.
ويضيف أوباداري أنه إذا كانت الحكومة العسكرية بقيادة أسيمي جويتا قد اعتادت على هجمات متقطعة من مقاتلي “نصرة الإسلام والمسلمين”، الذين فرضوا فعليًا حصارًا على إمدادات الوقود إلى باماكو خلال معظم العام الماضي، فإنها، على ما يبدو، فوجئت بالتحالف بين الجماعتين وبقرارهما النادر استهداف عدة مدن في وقت واحد.
ومن وجهة نظر هذا التحالف الطارئ كانت الهجمات ناجحة، إذ تمكّن المسلحون من قتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا داخل مقر إقامته في كاتي، وهي مدينة عسكرية تبعد نحو 11 ميلاً عن باماكو. كما تشير تقارير إلى سيطرة الجماعات المسلحة على عدة مناطق، من بينها بلدة كيدال في الشمال، حيث نجحت في تأمين انسحاب عناصر “فيلق أفريقيا” الروسي، وفقًا لتأكيدات وزارة الدفاع الروسية.
وبحسب أوباداري، لم تعرف مالي الاستقرار منذ أن قاد العقيد أسيمي جويتا ما سُمّي بـ”اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب” للإطاحة بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في أغسطس 2020. وعزّز جويتا قبضته على السلطة في مايو من العام التالي، بعد إقصاء الرئيس الانتقالي باه نداو. وعلى الرغم من أن البلاد تمتلك تاريخًا سياسيًا مضطربًا منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960، حيث كانت فترات الحكم المدني القصيرة استثناءً منذ أول تدخل عسكري ناجح عام 1968، فإن مالي تواجه اليوم تحديين متزامنين.
أولًا، تصاعد هجمات جهاديي “نصرة الإسلام والمسلمين”، الذين يسعون منذ تأسيس الجماعة عام 2017 إلى إسقاط الحكومة المالية وإقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة.
ويعني تحالف “نصرة الإسلام والمسلمين” و”جبهة تحرير أزواد” توظيف المزيد من الأفراد والموارد ضد دولة مركزية باتت منهكة، تمتد على مساحة شاسعة تعادل تقريبًا ضعف مساحة ولاية تكساس الأميركية، في وقت لم يحقق فيه تعاونها الأمني مع روسيا النتائج المرجوة.
ثانيًا، يقود الانفصاليون الطوارق، المتحدون منذ نوفمبر 2024 تحت راية “جبهة تحرير أزواد”، عمليات توغل إضافية. ورغم أن الجبهة تسعى أساسًا إلى الحكم الذاتي لمنطقة أزواد في الشمال، التي أعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2012، فإن بعض فصائلها تؤيد أيضًا إقامة دولة إسلامية تُحكم، بحسب تصورها، بشكل “معتدل” وفق الشريعة.
وتُعدّ مالي واحدة من عدة دول في منطقة الساحل التي تتعرض لهجمات متكررة من جماعات جهادية تنشط في المنطقة منذ سنوات. ومن المرجح أن تشجّع التطورات الأخيرة هذه الجماعات على تصعيد طموحاتها لزعزعة استقرار دول أخرى، خاصة بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا. ووفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، تمثل منطقة الساحل حاليًا هجومًا واحدًا من كل 5 هجمات تنفذها جماعات مسلحة حول العالم، و51 في المئة من القتلى جراء الإرهاب، ما يجعلها “المركز العالمي للإرهاب”.
وفي أعقاب هذه الهجمات قد يهدد استمرار التنسيق بين الجهاديين والانفصاليين مكانة مالي كإحدى الدول الثلاث التي تقودها أنظمة عسكرية، والتي انسحبت من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في سبتمبر 2023 لتشكيل “تحالف دول الساحل”. وقد تعاونت النيجر وبوركينا فاسو مع القوات المسلحة المالية لتنفيذ ضربات جوية ضد أهداف جهادية داخل الأراضي المالية منذ هجمات أبريل.
ويشير أوباداري إلى أنه في حين سعت الحكومة إلى طمأنة الجمهور بأن الوضع “تحت السيطرة”، لا يزال قدر كبير من الغموض يكتنف المرحلة المقبلة. كما أن خضوع مالي لهيمنة حكومة عسكرية لم تُبدِ ترددًا في قمع المجتمع المدني يجعل من الصعب تقييم المزاج العام بدقة.
وفي السياق ذاته تسعى روسيا إلى ترميم صورتها عقب الإحراج الذي تعرضت له في كيدال، حيث تفوقت عليها قوات التحالف بين “نصرة الإسلام والمسلمين” و”جبهة تحرير أزواد”، رغم تقارير تفيد بأنها كانت على علم مسبق بتحركاته. وفي الأيام التي تلت الهجمات، حاولت وكالة الأنباء الروسية “سبوتنيك” إلقاء اللوم على أوكرانيا وحلفائها الغربيين، متهمة إياهم، دون أدلة واضحة، بـ”ممارسة إرهاب الدولة بالوكالة”.
وبشكل عام، لم تحقق العمليات الروسية في مالي ومنطقة الساحل النتائج المأمولة، ويُعد مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، أحد أبرز حلفاء موسكو داخل السلطة، ضربة كبيرة. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة العسكرية ستواصل الاستثمار في شراكة لم تحقق سوى مكاسب محدودة، مقابل تصاعد التوترات. في المقابل، قد تجد موسكو نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم انخراطها، رغم أن الأهمية الإستراتيجية لمالي قد تدفعها إلى الاستمرار.
في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سعت الولايات المتحدة إلى إعادة بناء علاقاتها مع المجلس العسكري في مالي. ففي فبراير الماضي رفع البيت الأبيض العقوبات التي كانت مفروضة على مسؤولين كبار في الحكومة المالية بتهمة “الارتباط بمرتزقة روس”، كما يعمل على اتفاق يسمح لواشنطن باستئناف تحليق الطائرات والطائرات المسيرة فوق الأجواء المالية لجمع معلومات استخباراتية عن الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة.
ويخلص أوباداري إلى أن الهجمات الأخيرة تعزز المخاوف التي عبّرت عنها الإدارة الأميركية في “إستراتيجية الأمن القومي” بشأن “عودة النشاط الإرهابي الإسلاموي في أجزاء من أفريقيا”.
وبقدر ما تكشف هذه التطورات حجم التهديد الجهادي في منطقة الساحل، فإنها تسلط الضوء أيضًا على صعوبة التعامل مع نظام سياسي غير مستقر، تظل شرعيته محل شك.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة في مالي مجرد اختبار أمني عابر، بل مرآة لانكشاف بنيوي عميق في الدولة وتحالفاتها، حيث يتقاطع ضعف الداخل مع رهانات الخارج في بيئة إقليمية شديدة السيولة.
وإذا كان التحالف غير المسبوق بين الجهاديين والانفصاليين قد أعاد خلط الأوراق ميدانيًا، فإن مستقبل مالي سيظل رهين قدرة سلطتها على استعادة المبادرة، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا أيضًا. أما الفشل في ذلك فقد يفتح الباب أمام سيناريو أكثر قتامة، تتحول فيه البلاد من ساحة صراع داخلي إلى بؤرة إقليمية لإعادة إنتاج الفوضى في غرب أفريقيا.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

