شبكات الإخوان في أوروبا: كيف تحوّلت الدعوة إلى نفوذ سياسي سري؟

شبكات الإخوان في أوروبا: كيف تحوّلت الدعوة إلى نفوذ سياسي سري؟

شبكات الإخوان في أوروبا: كيف تحوّلت الدعوة إلى نفوذ سياسي سري؟


14/10/2025

من خلف واجهات المساجد والجمعيات الخيرية، تنشط جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا بطريقة ناعمة وذكية، تحوّل النشاط الديني إلى أدوات نفوذ سياسي واجتماعي، إذ لم تعد الجماعة تركز على الدعوة فقط، بل تسعى للتأثير في السياسات المحلية والإقليمية مستغلة ثغرات الرقابة القانونية والحرية الدينية في القارة.

ووفق تقرير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب (2025)، تعتمد الجماعة على استراتيجية "التسلل الناعم"، حيث تتحرك من خلال الجمعيات الدينية والتعليمية والثقافية، مع إنشاء لوبيات وأذرع مدنية تدعم أهدافها السياسية. هذه الاستراتيجية تجعل تأثيرها واسعًا دون الحاجة للظهور المباشر كحزب سياسي أو تنظيم علني.

الظاهرة أثارت قلق الأجهزة الأمنية الأوروبية، التي لاحظت أن الإخوان لا يقتصر نشاطهم على المجتمع المسلم فقط، بل يسعون إلى التأثير على صانعي القرار والإعلام والمجتمع المدني ككل. التحركات المتنوعة التي تقودها الجماعة تهدف إلى بناء قاعدة صلبة داخل أوروبا لضمان استمرار مشروعها السياسي رغم القيود القانونية والتغيرات السياسية.

 

 شبكات النفوذ الدعوي والسياسي

 

وتتمثل الشبكة الأولى في الجمعيات التعليمية والدينية التي تقدم نفسها كمنصات للتعليم أو العمل الخيري، لكنها تعمل كواجهة لتجنيد الشباب وتوسيع دائرة التأثير. هذه الجمعيات غالبًا ما تتلقى تمويلاً من مؤسسات أوروبية أو دولية مرتبطة بالإخوان، ما يسمح لها بتنظيم الفعاليات وإدارة النشاط الدعوي بمرونة كبيرة.

ففي ألمانيا، رصدت السلطات نشاط جمعيات مرتبطة بالإخوان تستهدف الطلاب الجامعيين، من خلال تقديم منح ومساعدات اجتماعية، لكنها في الواقع تعزز الخطاب الإخواني وتربط الشباب بالأفكار السياسية للجماعة، وتعمل هذه الجمعيات ضمن شبكة مترابطة، تتضمن مساجد ومراكز ثقافية، وتتيح للجماعة الوصول إلى قاعدة اجتماعية واسعة دون التعرض المباشر للملاحقة القانونية.

إضافة إلى ذلك، يعتمد الإخوان على شخصيات مستقلة ظاهريًا، لكنها مرتبطة فكريًا أو ماديًا بالمشروع، لتقديم الدعم السياسي والشرعي. هؤلاء الأفراد غالبًا ما يشغلون مناصب أكاديمية أو إعلامية، ويستخدمون المنصات العامة لترويج أفكار الإخوان بشكل غير مباشر، مما يزيد من الشرعية الرمزية للجماعة.

شبكة النفوذ الدعوي والسياسي تعمل بطريقة ممنهجة، بحيث لا يكون الهدف فقط التوسع الديني، بل بناء هيكل متكامل للضغط السياسي. وهذا يسمح للجماعة بممارسة النفوذ على السياسات المحلية عبر قنوات متعددة، بما يشمل الإعلام، الجمعيات، والشخصيات المؤثرة في المجتمع المدني.

 

 التمكين الناعم – الجمعيات والمساجد كأدوات نفوذ

 

المساجد ليست مجرد أماكن للعبادة في أوروبا، بل تحولت إلى منصات استراتيجية لتشكيل المجتمع المدني بطريقة تخدم أهداف الإخوان. فالإمام أو المسؤول عن المسجد غالبًا ما يكون مرتبطًا بخط الحزب الفكري، ويقوم بتوجيه المجتمع المحلي بما يتماشى مع الأيديولوجيا.

في فرنسا، أظهرت التحقيقات الحكومية أن بعض المساجد تلعب دورًا مزدوجًا: خدمة المسلمين شرعيًا وروحيًا، وفي الوقت نفسه نشر خطاب معتدل يدعم المصالح السياسية للإخوان. السلطات الفرنسية قامت بإغلاق بعض المراكز أو إعادة مراقبتها، بعد اكتشاف نشاط سياسي مستتر تحت غطاء ديني.

إضافة إلى المساجد، تستخدم الجمعيات الثقافية كأدوات لتوسيع النفوذ، من خلال تنظيم ورش عمل، ندوات، ومهرجانات تعليمية. هذه الأنشطة تظهر بمظهر حيادي، لكنها في الواقع تهدف إلى ترسيخ حضور الإخوان الفكري والاجتماعي في المجتمعات الأوروبية.

التمكين الناعم يعتمد على غياب المواجهة المباشرة، بل الاستفادة من حرية التجمع والدين والحقوق المدنية، مما يجعل جهود السلطات محدودة في بعض الحالات. هذا الأسلوب يزيد من قدرة الجماعة على بناء قاعدة شعبية دون إثارة رد فعل عنيف أو قانوني مباشر.

 

 التمويل والتنسيق الدولي

 

هذا ويعد التمويل عنصر أساسي في بقاء النفوذ الإخواني في أوروبا، حيث أكدت تقارير DW وPolitico Europe، تحصل بعض الجمعيات والمؤسسات التعليمية على دعم من دول أو مؤسسات مرتبطة بالإخوان، أو عبر قنوات مالية غير شفافة، لضمان استمرارية أنشطتها.

هذا التمويل يسمح للجماعة بإدارة مشاريع واسعة: مساجد، مدارس، أنشطة شبابية، إعلام موجه. وفي بعض الحالات، يتم تمويل هذه الأنشطة عبر وسطاء لتجنب الكشف المباشر عن الروابط التنظيمية، ما يجعل من الصعب على السلطات تتبع التدفقات المالية.

كما يظهر التنسيق الدولي بوضوح في أوروبا الغربية، حيث تعمل شبكات الإخوان بالتوازي مع حلفاء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتأمين الموارد ودعم القيادات المحلية. هذا التنسيق يسمح باستدامة المشاريع، مع الحفاظ على استقلالية واجهات الجمعيات والمنابر الإعلامية.

التمويل والتنسيق الدولي لا يخدم فقط البنية التحتية للجماعة، بل يتيح لها التأثير على سياسات الدول الأوروبية، عبر دعم مشاريع تعليمية أو ثقافية تحاكي الأهداف السياسية للجماعة، ما يرفع من مصداقيتها ويزيد من حضورها الرمزي والاجتماعي.

 

 رد الفعل الأوروبي والمواجهة القانونية

 

وتواجه الدول الأوروبية هذه الشبكات بأساليب متعددة، تشمل التشريع، الرقابة، والملاحقة القانونية. في إيطاليا، أطلقت الحكومة مشاريع قوانين لزيادة الشفافية المالية بين الجمعيات الدينية، بهدف رصد أي نشاط سياسي مرتبط بالإسلام السياسي.

في ألمانيا، قامت السلطات بمراقبة الجمعيات والمساجد المرتبطة بالإخوان، وتقديم تقارير دورية حول تأثيرها على المجتمع المحلي، خصوصًا فيما يتعلق بتجنيد الشباب وتحفيز النشاط السياسي ضمن الأطر القانونية.

وفرنسا أيضًا اتخذت خطوات مشابهة، من خلال سن قوانين لمكافحة الإسلام السياسي، وإغلاق بعض المراكز التي رُصد نشاط سياسي فيها تحت غطاء ديني. هذه الإجراءات تهدف إلى منع تحويل النشاط الدعوي إلى أدوات نفوذ سياسي مباشر.

ورغم هذه الإجراءات، لا يزال التحدي قائمًا، إذ أن الشبكات الناعمة للإخوان تعمل ضمن مساحات قانونية واسعة، وتستغل الغياب الجزئي للرقابة المباشرة على الأنشطة المدنية والثقافية، مما يجعل المواجهة صعبة ومعقدة، وتستلزم استراتيجيات طويلة المدى تشمل المتابعة المستمرة والتحليل الأمني الدقيق.

وتظهر الشبكات الناعمة للإخوان في أوروبا قدرة عالية على البقاء والتأثير، رغم القيود القانونية والسياسية. الجمعيات، المساجد، الشخصيات المستقلة، والمنابر الإعلامية جميعها أدوات لتوسيع النفوذ وتحقيق أهداف سياسية من خلف واجهات مدنية.

لكن التحدي الأكبر أمام السلطات الأوروبية ليس مجرد مواجهة أنشطة محددة، بل التفكيك الشامل لثقافة نفوذ تمتد عبر الأجيال، تعمل على تعزيز الخطاب الإخواني بشكل مستتر، مع الاستفادة من حرية الدين والتجمع والحقوق المدنية.

هذه الديناميكية تحتم على صانعي القرار الأوروبي التفكير في استراتيجيات متكاملة تجمع بين الرقابة القانونية، التوعية المجتمعية، ومراقبة التمويل والتنسيق الدولي، لضمان الحد من النفوذ السياسي للجماعة دون المساس بحقوق المجتمع المسلم في أوروبا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية