
لم يكن قطاع الصحة في العالم العربي يومًا بعيدًا عن شبكات التأثير السياسي، لكن استثمار جماعة الإخوان المسلمين فيه ظل من أخفى مساراتها وأكثرها حساسية. فالجماعة أدركت مبكرًا أن الخدمات الطبية ليست مجرد تدخلات إنسانية، بل رافعة اجتماعية قادرة على اختراق البيئات المحلية وترسيخ حضورها داخل المجتمعات الهشّة.
ومع توسع شبكات الإسلام السياسي بعد 2011، اتخذ هذا الاختراق طابعًا أكثر تنظيمًا، وأكثر سرية، وأكثر قدرة على إنتاج ولاءات دائمة.
وتشير دراسات متخصصة صدرت في أوروبا خلال السنوات الأخيرة إلى أن الجماعة تستفيد من القطاعات التي ترتبط مباشرة بحياة الأفراد اليومية لتثبيت أقدامها واستعادة نفوذها بعد تساقط امتداداتها السياسية.
كما لفت باحثون في معهد كارنيغي ومراكز بحث فرنسية إلى أن الإخوان نجحوا في تدوير أنفسهم عبر خدمات “اجتماعية – إنسانية” تمنحهم شرعية بديلة عندما يفقدون الشرعية السياسية. وفي قلب هذا التحول، يبرز القطاع الصحي كأقوى مساحات الاستثمار.
وتتزايد خطورة “المنظومة الصحية الموازية” التي بنتها الجماعة لأنها تعمل بعيدًا عن الأضواء، وتحت لافتات خيرية أو إنسانية تحمل خطابًا ناعمًا يخفي خلفه مشروعًا مؤدلجًا.
من مصر إلى تونس، ومن شبكات التمويل القطرية – التركية إلى الجمعيات العاملة في أوروبا، يتشكل الامتداد الصحي للإخوان باعتباره ذراعًا جديدة قادرة على إنتاج الثقة الاجتماعية، وإعادة بناء الحواضن المحلية بطريقة يصعب على أجهزة الدول رصدها، أو حتى فهم طبيعتها الكاملة.
خدمات “الطب الخيري” كمنصة سياسية للجماعة
منذ بداياتها، أدركت جماعة الإخوان أن الفئات الأضعف اجتماعيًا تمثل المجال الأكثر خصوبة لتوسيع النفوذ، وأن الخدمات الطبية يمكن أن تمنحها نفاذًا مباشرًا إلى قلب المجتمع.
فقد أنشأت الجماعة في مصر خلال السبعينيات والثمانينيات شبكة واسعة من العيادات منخفضة التكلفة، يعمل فيها أطباء محسوبون على التنظيم أو متعاطفون معه. وتشير تقارير بحثية مصرية إلى أن هذه العيادات لم تكن مجرد مبادرات إنسانية، بل كانت جزءًا من خطة تُعرف في أدبيات التنظيم باسم “خدمة المجتمع المؤطرة”، أي الخدمة التي تُقدّم ضمن سياق تعبوي غير مباشر.
وفي العقد الأخير، أعادت الجماعة إنتاج هذه التجربة بطرق أكثر تطورًا. فخلال السنوات التي سبقت سقوط حكم الإخوان في مصر، نشطت “جمعيات طبية” تعمل ضمن منظومة خيرية تقدم حملات علاج مجانية في القرى والمناطق العشوائية، لكنها في الحقيقة كانت توزع منشورات دعوية وتربط المساعدات الصحية بالولاءات السياسية.
وقد وثقت صحف مصرية كالأهرام والمصري اليوم شهادات عن توزيع أدوية عليها شعارات الجماعة خلال انتخابات 2012، فيما وصف مسؤولون سابقون بوزارة الصحة هذه الحملات بأنها كانت “بوابة لإعادة هندسة المجتمع انتخابيًا”.
أما في تونس، فقد استلهمت بعض الجمعيات المتصلة خطيًا بحركة النهضة الأسلوب ذاته، من خلال حملات صحية متنقلة في المناطق الريفية، خاصة بين 2012 و2013، وُجهت خلالها خدمات الفحص والعلاج المجاني نحو بيئات فقيرة تُعتبر خزانات انتخابية. وقد أشارت تقارير إعلامية تونسية لاحقًا إلى أن هذه الأنشطة كانت تتم بتمويلات خارجية، بعضها يمر عبر جمعيات قطرية، مما أثار شبهات حول أهدافها غير الصحية.
ويبرز الدور التركي – القطري بوضوح في هذا السياق، حيث ساهم هذا التحالف في تمويل مبادرات طبية تحمل طابعًا “إنسانيًا” في مناطق مختلفة من شمال إفريقيا، بينما أشارت دراسات فرنسية وألمانية إلى أن العديد من هذه المبادرات كانت تعمل كأدوات تأثير ناعم مرتبطة بالإخوان.
هذه الخدمات الصحية لم تكن تمر عبر القنوات الرسمية، بل تُدار من خلال شبكات مرتبطة بمنظمات المجتمع المدني، ما يجعل مراقبتها أكثر تعقيدًا.
آليات السيطرة داخل القطاع الصحي وبناء الولاءات المهنية
لا تقتصر استراتيجية الإخوان على تقديم خدمات علاجية، بل تتوسع نحو بناء حضور داخل البنية المهنية للقطاع الصحي نفسه، عبر النقابات والجمعيات والأنشطة التطوعية.
ففي مصر، كان “العمل النقابي الطبي” أحد أهم منافذ الجماعة لاختراق منظومة الصحة. وقد وثقت تقارير صحفية عديدة أن الإخوان سيطروا على نقابة الأطباء لسنوات طويلة، مستغلين هذا الموقع لتوجيه الحركة المهنية ولإدارة شبكات خدمات موازية تستقطب الأطباء الشباب.
واستخدمت الجماعة ما يعرف بـ“التطوع الممنهج”، وهو تطوعٌ يجمع بين الخدمة الإنسانية وبين إنتاج ولاء تنظيمي غير مباشر. تُقام حملات طبية في المناطق المهمشة، وتُستدعى إليها طواقم طبية شابة، ليتم دمجهم تدريجيًا في شبكة علاقات تمتد خارج الإطار المهني نحو الإطار الدعوي.
وقد أشارت دراسات أُنجزت في فرنسا حول شبكات الإسلام السياسي في أوروبا إلى وجود أساليب مماثلة داخل الجمعيات الطبية هناك، حيث يجري دمج الأطباء في مشاريع إنسانية خارجية تمولها مؤسسات قريبة من التيار الإسلامي.
وفي تونس، ورغم عدم قدرة النهضة على اختراق نقابة الأطباء بالقدر نفسه، إلا أن الجماعة حاولت الالتفاف عبر بوابة الجمعيات المتخصّصة في الإسعاف والتطوع الصحي.
وتظهر التحقيقات الإعلامية التونسية أن بعض هذه الجمعيات تأسس في فترات سياسية حساسة، ويحظى بتمويلات غامضة تسمح له بتنظيم قوافل صحية تستهدف مناطق بعينها.
وتكمن الخطورة هنا في أن هذه الأنشطة تمنح الجماعة قدرة على بناء قاعدة اجتماعية صامتة، تقوم على الامتنان وليس على الاقتناع الأيديولوجي المباشر.
وتؤكد الدراسات الأوروبية حول الإسلام السياسي أن السيطرة على القطاعات الحساسة – مثل الصحة – يمنح التنظيم قدرة على إعادة إنتاج شرعيته في البيئات التي يفتقد فيها الحضور السياسي.
فالجماعة التي تتعرض لضغوط أمنية أو سياسية تسعى إلى خلق مساحات “محايدة ظاهريًا” لكنها في العمق تلعب دورًا سياسيًا داخليًا. والقطاع الصحي، بحكم طبيعته الإنسانية، يمثل أفضل غطاء لهذه التحركات.
البنية الحديثة للمنظومة الصحية الموازية للإخوان
في السنوات الأخيرة، ومع تضييق الخناق السياسي على الجماعة في عدة دول عربية، تحولت الخدمات الصحية من مجرد ذراع اجتماعية إلى بنية مؤسسية موازية تُدار عبر شبكات عابرة للحدود.
وتشير تقارير بحثية ألمانية وفرنسية إلى أن التمويل القطري – التركي لعب دورًا مركزيًا في دعم مبادرات “مستشفيات خيرية” و“مراكز تطبية إنسانية” في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، تعمل من خلال منظمات غير حكومية تحمل واجهة إنسانية بينما ترتبط ببيئة الإخوان فكريًا أو إداريًا.
وتزداد خطورة هذا الامتداد حين نلاحظ أن بعض تلك الجمعيات الطبية تعمل كممرات لوجستية تجمع بين النشاط الصحي وبين عمل شبكات الإغاثة المرتبطة بالإسلام السياسي.
وتوضح دراسات أجرتها مراكز بحث أوروبية حول الجمعيات الإسلامية في فرنسا وبلجيكا أن جزءًا من التمويل المتجه إلى “المبادرات الصحية الخيرية” في إفريقيا يمر عبر كيانات مرتبطة ببيئة الإخوان، مستندًا إلى شعارات إنسانية لتجنب التدقيق الأمني.
أما في دول المغرب العربي، فتركز الجماعة على الجمعيات الصحية الصغيرة والمتوسطة القادرة على الوصول إلى الأحياء الفقيرة والقرى المعزولة.
وتشير مصادر تونسية إلى أن بعض الجمعيات التي ظهرت بعد 2011 كانت تقدم خدمات طبية مجانية لكنها تعمل ضمن شبكات تنسيق مرتبطة بأحزاب معينة أو بشبكات دينية ذات خلفية سياسية. وقد بدأت السلطات التونسية بعد 2021 مراجعة هذا النشاط، خصوصًا مع ظهور شبهات حول ارتباط بعضها بتمويلات خارجية غير معلنة.
ويؤكد خبراء مكافحة التطرف في أوروبا أن نشاط الجماعة في القطاع الصحي يشكل اليوم أحد أخطر أشكال التغلغل الناعم، لأنه يجمع بين شرعية “الخدمة الإنسانية” وبين قدرة التنظيم على إنتاج شبكات اجتماعية فعّالة.
فالقطاع الصحي يمنح الإخوان أدوات تأثير تتجاوز المساجد والمدارس والفضاء الإعلامي، ويمنحهم قدرة على بناء علاقة مباشرة مع المواطن في لحظات ضعفه، وهو ما يجعل هذا الامتداد أكثر تأثيرًا من أي جهاز دعوي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

