سيناء معضلة سياسية ومأزق أمني لإسرائيل

6292
عدد القراءات

2018-04-26

منذ العصور القديمة، شكلت سيناء منطقة عازلة تفصل مصر عن الشعوب التي تعيش شرقها. واحتل الجيش الإسرائيلي شبه الجزيرة خلال حرب 1967، الأمر الذي وفّر عمقاً إستراتيجياً "لبلد صغير محاط بأعداء". وعندما التقى المفاوضون لإجراء محادثات سلام في "كامب ديفيد" عام 1978، بعد خمس سنوات من حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، أصرت إسرائيل على حل قضايا الأمن القومي قبل موافقتها على إعادة شبه الجزيرة إلى السيادة المصرية.
وَوفقاً للملحق الأول من "اتفاقيات كامب ديفيد"، تم إنشاء نظام من الترتيبات الأمنية، الأمر الذي مكّن إسرائيل من الانسحاب من سيناء دون تعرضها لمخاطر جسيمة. كما تم وضع قيود شفافة على الأنشطة العسكرية المصرية وعمليات الانتشار في المنطقة، وفق ما يذكر اللواء احتياط، سامي ترجمان، الزميل العسكري الزائر في معهد واشنطن، والقائد السابق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي.

من أجل وضع التجريد من السلاح موضع التنفيذ، أيدت الولايات المتحدة نشر قوات دولية دائمة في سيناء

وكان الأساس المنطقي واضحاً وهو، أنّه إذا ما تغيّر موقف القاهرة تجاه إسرائيل نحو الأسوأ، فسوف تستمر سيناء في تشكيل حاجز بين القوات المصرية والحدود الإسرائيلية. وإذا ما أرسلت القاهرة أي قوّة برية كبيرة أو طائرات مسلحة إلى شبه الجزيرة، فإنّ ذلك سيشكل انتهاكاً واضحاً للاتفاقات وسينذر بنوايا عدوانية. وإذا ما اندلعت الحرب، فسوف تكون خطوط الإمداد المصرية الطويلة في سيناء معرّضة لهجمات، خاصة من قبل سلاح الجو الإسرائيلي.

ومن أجل وضع التجريد من السلاح موضع التنفيذ، اتخذت الولايات المتحدة إجراء استثنائياً بتأييدها نشر قوات دولية دائمة في شبه الجزيرة عام 1982. وقد عُرفت تلك القوات باسم "القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين"، وكُلّفت بمراقبة الوجود الأمني المصري في سيناء لضمان الامتثال للاتفاقات. وما تزال "القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين" قائمة وتواصل عملها حتى يومنا هذا.

ما تزال "القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين" قائمة وتواصل عملها حتى يومنا هذا

التمرد الجهادي

ويرى الكاتب أيضاً أنّ عقوداً من التمييز السياسي والاقتصادي والاجتماعي لحكومة مبارك، أدت إلى خلق أرض خصبة للتطرف في سيناء. وقد استغلت المنظمات الإرهابية تدريجياً استياء السكان من السلطات لتحقيق أهدافها الخاصة. وخلال العقد الماضي، عانت شبه الجزيرة من سلسلة من الهجمات الإرهابية الملفتة للأنظار. وفي الآونة الأخيرة، وخلال ما يسمّى بـ "الربيع العربي"، دخلت ثانية الاضطرابات المناهضة للحكومة إلى شبه الجزيرة، في حين جددت الجماعات والعصابات الإرهابية عملياتها. وبسبب تدفق الأسلحة - التي يُزعم أنها هُرّبت من ليبيا في حقبة ما بعد القذافي -  تطورت أهم هذه الجماعات، "أنصار بيت المقدس"، بسرعة إلى فرع محلي لـ تنظيم "القاعدة"، ثم أصبحت لاحقاً "ولاية سيناء"، أو تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء".

بعد أن خسر داعش في العراق وسوريا كل أراضيه تقريباً، قد تصبح سيناء "الولاية" الوحيدة المتبقية من التنظيم

وسرعان ما أصبح العنف في سيناء يهدد استقرار مصر بأسرها؛ حيث كانت البلاد في خطر فعلاً بعد اندلاع الثورة عام 2011 والإطاحة بمبارك. وبالتزامن مع الاضطرابات في شبه الجزيرة، بدأت الهجمات تزداد في وادي النيل أيضاً. ومنذ ذلك الحين، وضع تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء" القيام بعمليات ضد الحكومة المصرية على رأس أولوياته، وركز هجماته على ثلاثة أنواع من الأهداف: المسؤولين المدنيين وأفراد الأمن في سيناء، والسكان المحليين الذين يعارضون أنشطة التنظيم، والأهداف الإستراتيجية التي تؤثر على اقتصاد مصر.

ونتيجةً لذلك، يتابع المحلل الإسرائيلي، استمر تدهور الوضع في سيناء، وأصبحت الغارات الواسعة النطاق التي يشنها تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء" على المدن المحلية متواترة نسبياً، مع وقوع عشرات القتلى في كل مرة، ليصل المجموع إلى المئات من الوفيات في السنوات الأخيرة. وقد شملت أبشع عمليات التنظيم، تفجير طائرة روسية في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 (مما أسفر عن مقتل 224 شخصاً وإلحاق أضرار جسيمة بصناعة السياحة في مصر)، والمذبحة التي وقعت في "مسجد الروضة" في بلدة بير العبد شمال سيناء في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 (التي أسفرت عن مقتل 300 من المصلين وجرح أكثر من 100 آخرين). وقد استهدف الهجوم الأخير موقعاً يتردد عليه الصوفيون، الذين يعتبرهم تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء" "زنادقة". وكانت هذه العملية الإرهابية هي الأكثر فتكاً في تاريخ مصر، وأحدثت صدمة بين السكان المحليين، في القاهرة، وفي أرجاء العالم.

استغلت المنظمات الإرهابية تدريجياً استياء السكان من السلطات لتحقيق أهدافها الخاصة

إسرائيل نفّذت مائة ضربة ضد داعش

وفي الوقت نفسه، أظهر التنظيم مراراً نواياه المعادية لإسرائيل، رغم أنّ أهدافه الرئيسية - والغالبية العظمى من عملياته - لا تزال تُركز على إلحاق الأذى والضرر بمصر. وقد بقي هذا هو الحال حتى وسط الضربات الإسرائيلية العديدة التي تم وصفها في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في شباط (فبراير)، بقلم ديفيد كيركباتريك، أفاد فيه بأنّ إسرائيل نفّذت مئة ضربة على الأقل ضد عناصر تنظيم داعش في سيناء منذ عام 2015. وإذا كانت التقديرات المتعلقة بهذه الضربات صحيحة، فمن المعقول أن نفترض أن قادة تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء" يدركون الدور المتنامي لـ "الجيش الإسرائيلي" في سيناء. لكنهم لم يغيروا حتى الآن سياستهم تجاه إسرائيل.

تتطلّب مواصلة التقدّم ضد داعش الانتقال من نهج عمليات هجومية في أعقاب الهجمات الإرهابية إلى نهج استباقي

والآن بعد أن خسرت قوات تنظيم داعش في العراق وسوريا كل أراضيها تقريباً، قد تصبح شبه جزيرة سيناء "الولاية" الوحيدة المتبقية من التنظيم، مما يجعل منها ملاذاً مناسباً للمقاتلين من جبهات أخرى. كما أنّ الغياب المستمر لسيطرة الحكومة المصرية على شبه الجزيرة يحمل في طياته إمكانات كبيرة للتنظيم؛ إذ يمنحه فرصاً كبيرة لابتزاز الموارد من السكان المحليين والأفراد العسكريين، وتوسيع دعمه بين السكان، وربما الاستفادة من قربه من الحدود الإسرائيلية. ويقيناً، كما يؤكد القائد السابق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، أنّ تنظيم داعش وأنصاره سيبذلون كل ما في وسعهم لمواصلة العمل في بلدان أخرى. ومع ذلك، فمن المرجح أن تؤدي الوقائع على الأرض إلى جعل سيناء النقطة المحورية التالية. لذلك، أصبح دعم الجيش المصري في معركته ضد تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء" أكثر أهمية من أي وقت مضى.

المأزق الذي تواجهه إسرائيل

ووفقاً لتقرير كيركباتريك، تساعد إسرائيل أيضاً القوات المصرية بشكل كبير في مجال الاستخبارات والغارات الجوية في المنطقة، بينما يؤكد محلّلون غربيون آخرون أنّ القاهرة منحت الجيش الإسرائيلي الحرية المطلقة لاستهداف المقاتلين في سيناء بواسطة طائرات مأهولة وغير مأهولة.

وعلى الرغم من أنّ مساعدة القاهرة أمر في غاية الأهمية، إلا أنّ هذا الهدف لا يلغي المفهوم الأمني الأساسي الذي تستند إليه اتفاقية "كامب ديفيد" والملحق العسكري: أي الحفاظ على سيناء كحاجز منيع ضد أي أعمال عدائية مستقبلية من مصر. وقد أوضحت الأحداث الثورية خلال "الربيع العربي" - ولا سيما اقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة عام 2011، وما أعقب ذلك من انتخاب مصر لحكومة "الإخوان المسلمين" بعد بضعة أشهر - مدى عدم استقرار الوضع، ومدى أهمية إبقاء شبه الجزيرة مجردة من السلاح على المدى الطويل.

وبالتالي، تشكّل سيناء معضلةً للسياسة الإسرائيلية. فمن جهة، ينبغي توفير أكبر قدر ممكن من المساعدة للقاهرة لإعادة ترسيخ سيادتها ومنع الصدمات المزعزعة الاستقرار. ومن جهة أخرى، يؤدي القتال المستمر إلى احتمال قيام عدم استقرار، لذلك يجب أن تكون إسرائيل مستعدة لأي سيناريو. ومن ثم، فبمجرد إلحاق الهزيمة بتنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء"، يتعين على إسرائيل أن تطالب القاهرة على وجه السرعة بأن تقلل من انتشارها العسكري في سيناء إلى حدٍّ يقارب ما هو منصوص عليه في "اتفاقات كامب ديفيد".

هناك حاجة إلى نهج استخباراتي أكثر شموليةً لمنع الأنشطة الإرهابية

توصيات سياسية وعسكرية

أما بالنسبة لمسار العمل الذي تنتهجه إسرائيل، فإنّ معضلة سيناء تتطلّب سياسةً متوازنة وحذرة على المدى القريب. وإذا افترضنا أنّ تقرير كيركباتريك دقيق، فإنّ المسؤولين في كلا الجانبين يجيدون الحفاظ على سرية تعاونهم الأمني، لكن السرية وحدها لا تشكل حلاً حقيقياً لمشكلة راسخة. لذا يتعين على إسرائيل وحلفائها التركيز على إعادة التجريد من السلاح إلى شبه الجزيرة من خلال هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء"؛ إذ تحتاج القاهرة إلى مساعدة تحالفٍ دولي واسع للتغلّب على تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء". ولتحقيق ذلك، سيتعيّن عليها تغيير أسلوب عملياتها، وإنشاء نظام قيادة أكثر فاعليةً والالتزام باتخاذ إجراءات شاملة على عدة جبهات في آنٍ واحد:

أوضحت الأحداث الثورية خلال"الربيع العربي"مدى عدم استقرار الوضع وأهمية إبقاء سيناء مجردة من السلاح

الجهود الدفاعية. من أجل عرقلة حرية عمل التنظيم، ومنع الجماعة من ترسيخ نفسها، تحتاج مصر إلى بناء قوة دفاع قادرة على السيطرة على الأراضي المحرّرة والحفاظ على نشاطها في القرى والمدن وطرق المواصلات الرئيسية في شمال سيناء.

الجهود الهجومية. تتطلّب مواصلة التقدّم ضد التنظيم الانتقال من النهج القائم على رد الفعل (أي شن عمليات هجومية في أعقاب الهجمات الإرهابية فقط) إلى نهج استباقي يتضمّن عمليات هجومية مستمرّة من قبل وحدات خاصة تستند إلى استخبارات دقيقة. ومن شأن هذه الإستراتيجية أن تزيد من فعالية حملة مصر وتقلل من عدد الوفيات في صفوف المدنيين، مما يزيد من صعوبة قيام التنظيم بتحريض السكان ضد الحكومة.

الجهود الاستخبارية. هناك حاجة إلى نهج استخباراتي أكثر شموليةً لمنع الأنشطة الإرهابية، مع تركيز الهيئات العسكرية في مصر وبلدان أخرى جهودها وتوحيد قواها قدر المستطاع لاستهداف تنظيم "الدولة الإسلامية ولاية سيناء" بشكل أفضل.

العمل المدني. يتطلّب الحدّ من أعداد المجندين للتنظيم، وتحسين جمع المعلومات الاستخبارية ضد الجماعة جهداً أكبر لتحسين مستويات معيشة سكان شبه جزيرة سيناء. ويمكن لذلك أن يساعد على عزل الإرهابيين من خلال الفصل بينهم وبين عامة السكان.

اقرأ المزيد...

الوسوم: