سنقاتلكم كقوات غازية: طالبان ترفض الوجود التركي في أفغانستان

سنقاتلكم كقوات غازية: طالبان ترفض الوجود التركي في أفغانستان

مشاهدة

24/06/2021

مع اقتراب آجال الانسحاب التامّ لآخر جندي من قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، من أفغانستان، تصدرت قضية تأمين مطار كابول الدولي أجندة الاهتمام بالنسبة إلى الناتو وواشنطن، واستغلت تركيا ذلك في تقديم نفسها بثوب الشريك مرة ثانية، بعرض تأمين مطار كابول.

وترمي تركيا من وراء هذه الخطوة التي تمسّ علاقاتها مع الناتو وواشنطن ودول آسيا الوسطى وإيران، والقوى الثلاث الكبرى في آسيا؛ الصين وروسيا والهند، إلى ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، إلى جانب ارتباطها برؤية تركية للتوسع في وسط آسيا حيث الحاضنة العرقية والثقافية للأتراك، لكن تبقى هذه الآمال الكبيرة معلقة على قبول حركة طالبان بوجود القوات التركية الرمزية، أو بمعنى أوضح؛ عدم مهاجمتها بصفتها قوات أجنبية، وهو ما تعوّل تركيا فيه على حليفتها قطر، التي تستضيف مكتب طالبان السياسي للضغط على الحركة للقبول بالوجود الرمزي التركي في المطار.

تأمين مطار كابول

استبقت تركيا لقاء القمة الذي انعقد بين الرئيس الأمريكي جو بايدن، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في بروكسل، على هامش قمة زعماء دول حلف الناتو، في 14 حزيران (يونيو) الجاري، بتصريحات على لسان وزير دفاعها، خلوصي آكار، بأنّ بلاده "عرضت تأمين مطار كابول في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأمريكية، رهناً بعدد من الشروط التي قدمتها".

بايدن وأردوغان في لقاء على هامش اجتماع زعماء الناتو في بروكسل

وجاءت التصريحات بعد اجتماع لوزراء دفاع حلف الناتو، مطلع الشهر الجاري، وأضاف آكار، في تصريحاته بالثامن من الشهر الماضي؛ "لدينا رغبة في البقاء في أفغانستان إذا تمّ استيفاء عدد من الشروط، ما هي الشروط؟ إنّها دعم سياسي ومالي ولوجستي، إذا تم  استيفاؤها، سنكون قادرين على البقاء في مطار حامد كرزاي الدولي، نحن موجودون بانتظار الرد على هذه الشروط".

ورحبت واشنطن بالعرض التركي، وقال مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، عقب لقاء بايدن وأردوغان؛ أنّهما ناقشا الدور التركي في تأمين مطار كابول.

وخلال منتدى أنطاليا، الذي اختتم فعالياته في 20 من الشهر الجاري، قال وزير الخارجية التركي، مولود تشاوش أوغلو؛ إنّ "بلاده كانت تقوم بمهمة تأمين مطار العاصمة الأفغانية ضمن مهمة حلف الناتو، وإنّه بعد انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، فلن تتمكن أنقرة وحدها من القيام بتلك المهمة، وستحتاج إلى دعم دولي".

أعلنت طالبان رفضها بقاء القوات التركية عقب الانسحاب الأمريكي والدولي، مؤكدة أنّها ستعاملها كقوات غازية وستقاتلها كما سبق أن قاتل الشعب الأفغاني المحتلين على مرّ القرون

تصريحات أوغلو جاءت في ختام المنتدى الذي حضره وزير الخارجية الأفغاني، حنيف أتمار، الذي أعلن دعم حكومته لتأمين تركيا لمطار كابول، لكن، في الوقت نفسه، عبّر الوزير عن رفض بلاده لدور باكستاني في البلاد، وهو ما يتعارض مع خطط تركيا للحصول على دعم إسلام أباد في مهمتها في البلاد بعد الانسحاب الأمريكي، خاصة لما لباكستان من نفوذ لدى حركة طالبان.

وتشارك تركيا بقوة عسكرية من 500 جندي ضمن حلف الناتو في التحالف الدولي في أفغانستان، ولها فيه مهام بعيدة عن قتال طالبان، من بينها؛ المشاركة في تأمين مطار كابول، وتدريب قوات الأمن والجيش الأفغاني.

 ونسجت أنقرة علاقات جيدة مع العديد من القوى السياسية في البلاد، خصوصاً في مناطق الأقلية الأوزبكية والتركمانية، الناطقة باللغة التركية، فضلاً عن مدّ جسور تواصل مع المجتمع عبر الدور الإنساني والثقافي، ولدى أنقرة علاقات وطيدة بقوات أمير الحرب السابق، الماريشال عبد الرشيد دوستم، المنتمي لعرقية الأوزبك شمال البلاد، والعدوّ اللّدود لطالبان، والتي تتهمه بإعدام الآلاف من أسراها عقب الغزو الأمريكي للبلاد، عام 2001.

تشارك تركيا بـ 500 جندي في أفغانستان يشاركون في تدريب الجيش وقوى الأمن

ومنذ مطلع شهر أيار (مايو) الماضي، عقب استئناف الانسحاب الأمريكي، شنّت حركة طالبان هجوماً واسعاً على مناطق واسعة في البلاد، واحتلت العشرات من المقاطعات، وباتت الحركة تحاصر مراكز عدد من الولايات، وركزت هجومها على مناطق سيطرة الماريشال دوستم، الذي فرّ مع أسرته إلى تركيا عقب التقدم الواسع لطالبان، التي وصلت قواتها إلى المعبر الحدودي مع دولة طاجيكستان.

اقرأ أيضاً: تركيا توسع نفوذها في أفغانستان... ما أهداف أردوغان؟ وما موقف طالبان؟

وكانت الحركة قد أعلنت رفضها بقاء القوات التركية عقب الانسحاب الأمريكي والدولي، مؤكدة أنّها ستعاملها كقوات غازية، وستقاتلها كما سبق أن قاتل الشعب الأفغاني المحتلين على مرّ القرون، وحاولت تركيا إثناء طالبان عن موقفها خلال اجتماع في الدوحة، لكنّ الأخيرة أصرّت على موقفها، ورفضت المقترح التركي بحزم.

هل تُلين قطر من رفض طالبان؟

ويرى الباحث في التاريخ والسياسة والعلاقات الدولية، أحمد دهشان؛ أنّ طالبان لا تجمعها روابط عرقية مع تركيا؛ فطالبان تيار قومي بشتوني على الرغم من شيوع الرؤية الدينية المجردة عنها، لكنّ تركيا تعوّل على الدعم القطري بما له من نفوذ لدى طالبان لإقناعها بقبول الوجود التركي في مطار كابول، وربما تقبل طالبان بذلك كونها تدرك حيوية المطار بالنسبة إلى القوى الدولية، وعلى رأسها واشنطن.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الأمريكي: هل تغرق أفغانستان مجدداً في وحل الحرب؟

وبحسب حديث دهشان، لـ "حفريات"؛ فإنّ علاقات طالبان بتركيا سيئة؛ كون الأخيرة دعمت كلّ الحكومات التي تشكلت عقب انهيار سلطة طالبان، إلى جانب أنّ حلفاء تركيا في أفغانستان من التركمان والأوزبك هم خصوم تاريخيون لها، لكنّ الوجود التركي لن يحمل أهمية عسكرية بقدر أهميته الرمزية للأتراك في المقام الأول، ولذا ربما تقبل طالبان بوجود رمزي من دولة إسلامية لم تشتبك معها مباشرة.

لكنّ طالبان لا تثق في تركيا، كونها عضو في الناتو، ودخلت البلاد ضمن التحالف الدولي الذي أزال سلطتها في كابول، وكانت الحركة رفضت المشاركة في مؤتمر السلام في أفغانستان، الذي دعت تركيا إليه في نيسان (أبريل) الماضي,

رئيس المكتب السياسي لطالبان، الملا عبد الغني برادر، في لقاء بالدوحة

وربما يلين موقف الحركة إذا ما بدأت البعثات الدولية في إخلاء مقراتها من كابول، مثلما فعلت أستراليا التي كانت عضواً في التحالف الدولي، خاصة أنّ مقال رئيس المكتب السياسي للحركة، الملا عبد الغني برادر، حمل نهجاً غير مألوفاً عن طالبان؛ حيث أكّد أنّ الإمارة الإسلامية (طالبان) تطمئن المجتمع الدولي بأنّ "الدبلوماسيين الأجانب وموظفي المؤسسات الخيرية المقيمين في أفغانستان لن يواجهوا أيّ خطر من قبل الإمارة الإسلامية، ومنذ أمد بعيد تواصل المؤسسات الخيرية فعالياتها وأنشطتها في أفغانستان بتنسيق مع الإمارة الإسلامية ومساعدتها، فليستمروا في أنشطتهم الخيرية، والإمارة الإسلامية ترى أنّ من مسؤولياتها إيجاد بيئة آمنة ومناسبة لتنفيذ هذه الأعمال والمشاريع البنّاءة".

الباحث أحمد دهشان لـ "حفريات": علاقات طالبان بتركيا سيئة؛ لأنّ الأخيرة دعمت الحكومات التي تشكلت عقب انهيار سلطة طالبان، وحلفاء تركيا في أفغانستان هم خصوم تاريخيون

ومن جانب آخر؛ من غير المرجح أن تقبل طالبان باستمرار تقديم تركيا الدعم العسكري والتدريبي لقوات الأمن والجيش في حكومة كابول التي تخوض الحركة معارك ضدها في جميع ربوع البلاد، كما أنّ طالبان ستتخذ من بقاء تركيا أو غيرها من الوجود الأجنبي العسكري ذريعةً لرفض المحادثات المباشرة مع الحكومة الأفغانية حول اتفاق سلام في البلاد، وأكدت الحركة على لسان الناطق باسمها، ذبيح الله مجاهد؛ أنّ تأمين مطار كابول شأن أفغاني داخلي، وعلى المجتمع الدولي وتركيا احترام ذلك.

أهداف تركيا

وعن الأهداف التركية وراء تأمين مطار كابول الدولي، الذي يعدّ المنفذ الدولي الوحيد للبعثات الدولية والأممية، يرى دهشان أنّ تركيا تريد اللعب مع كلّ الأطراف المتصلة بأفغانستان، من خلال عدّة أهداف؛ الأول، ارتباط ذلك بالإستراتيجية التركية القائمة على الإسلاموية والتوسع في العالم الإسلامي، والتي تبناها أردوغان بعد أن أخفقت إستراتيجية التوجه غرباً مع أتاتورك، والتوسّع في الدول ذات الأصول العرقية التركية في آسيا الوسطى.

اقرأ أيضاً: صعود داعش في أفغانستان.. ما علاقة الانسحاب الأمريكي؟

وأردف دهشان؛ الثاني: أنّ تركيا تريد إثبات فائدتها كعضو في حلف الناتو، بملء الفراغ الناتج عن رحيل القوات الدولية، وذلك يعزز علاقاتها بالغرب، الذي يعلم أهمية تركيا له، مهما كان يختلف معها.

والثالث: الاستفادة من الموقع الإستراتيجي لأفغانستان، الذي يطلّ على ثلاث قوى دولية، الصين وروسيا والهند، وكلّ واحدة منها لديها تخوفات من الانسحاب الأمريكي يتعلق بالنشاط الجهادي.

وفد من طالبان في لقاء مع مسؤولين صينيين في العاصمة بكين

والشهر الماضي، عقب سلسلة انفجارات في كابول، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية؛ إنّ "الإعلان الأمريكي المفاجئ الأخير عن الانسحاب الكامل للقوات من أفغانستان أدّى إلى سلسلة من الهجمات المتفجرة في جميع أنحاء البلاد، مما أدّى إلى تدهور الوضع الأمني وتهديد السلام والاستقرار وكذلك حياة الناس وسلامتهم".

وأصبحت الدول المحيطة بأفغانستان، وعلى رأسها الصين وروسيا والهند وباكستان، أمام وضع جديد مفاجئ مع انسحاب واشنطن وحلفائها، وهو الأمر الذي تريد تركيا استغلاله كورقة في يدها عبر تواجدها في مطار كابول، ويقول الباحث في العلاقات الدولية، أحمد دهشان؛ إنّ التواجد التركي في أذربيجان هو الذي منحها البوابة لمنطقة جنوب القوقاز، ومنها إلى آسيا الوسطى، وحال نجحت تركيا في التواجد في أفغانستان ستطوّق بذلك آسيا الوسطى من الطرفين.

اقرأ أيضاً: طالبان تقترب.. الرعب يخيم على أفغانستان على وقع الانسحاب الأمريكي

وجانب آخر من الأهداف التركية يرتبط بإيران، التي تتمتع بنفوذ قويّ داخل المناطق الشيعية في أفغانستان، التي تمثّل بين 10 و19% من السكان، البالغ عددهم 38 مليون نسمة، وفق تقديرات عام 2010، ينتمون إلى قومية الهزارة التي تتعرض لهجمات واسعة من طالبان، ويرى دهشان أنّ تركيا ربما تستخدم ورقة موازنة الوجود الإيراني في مناطق أفغانية للتقرب إلى دول الخليج، خصوصاً السعودية.

ورغم الطموحات التركية الواسعة، لكن دون دعم باكستان ستكون قدرتها على أداء مهامها صعبة للغاية؛ لذلك فهي مطالبة بحلّ أزمتين: رفض طالبان لوجود قواتها، ورفض الحكومة الأفغانية لوجود باكستان.

ومن جانب آخر؛ ينظر الروس إلى الوجود التركي على أنّه عقبة أمام استقرار الوضع في أفغانستان، وربما تلعب موسكو دوراً لدى طالبان لمنع القبول بالتواجد التركي، فضلاً عن ذلك لدى الصين مقاربة مختلفة لأفغانستان؛ فشركاتها تضطلع بدور تنموي في البلاد، ولديها اتصالات قوية بطالبان من قبل حرب عام 2001، ولعبت إسلام أباد دور الوسيط بين الطرفين في مرات عديدة، إلى جانب ما تستطيع تقديمه من خطط تنموية ضخمة للبلد الفقير ضمن مبادرة الحزام والطريق.

صورة نشرتها طالبان لاستسلام جنود تابعين لحكومة كابول الشهر الجاري

ولذلك ربما يكون التعويل التركي على تحقيق مصالح جمة من بقائها في أفغانستان في غير محلّه؛ فلا وجودها الرمزي يسمح لها بأن تكون طرفاً فاعلاً في البلاد، ولن تستطيع تكرار تجاربها في استقدام المرتزقة للقتال ضدّ طالبان، ولن تغضّ الصين أو روسيا الطرف عن كونها عضواً في حلف الناتو، العدو الأول لهما.

والشهر الماضي استأنفت واشنطن سحب قواتها من أفغانستان، بعد استئناف العمل باتفاق الدوحة، الموقّع في 2020، بين واشنطن وحركة طالبان، والذي ينصّ على انسحاب التحالف الدولي، ومنع طالبان من استخدام مناطقها ضدّ المصالح الأمريكية والغربية، وبدء محادثات سلام بين طالبان والحكومة الأفغانية، وغيرها من البنود.

الصفحة الرئيسية