سرّ عداء الجماعات الإسلاموية للجيوش الوطنية

سرّ عداء الجماعات الإسلاموية للجيوش الوطنية

سرّ عداء الجماعات الإسلاموية للجيوش الوطنية


15/03/2026

تتخذ الجماعات الإسلاموية الماضوية موقفًا عدائيًا من السلطات القائمة في الدول التي تواجدت فيها، وعلى وجه الخصوص في دول المنطقة العربية، هذا العداء قد يكون مكتومًا في بعض الأحيان، ومُعلنًا في أغلب الأوقات، وقد يأخذ شكلًا حادًا ومباشرًا، بتنفيذ عمليات مسلحة تستهدف النظام، واغتيال شخصيات مؤثرة تابعة له، أو غير مباشر بنسج خيوط أكاذيب وشائعات عن رموزه قد تكون شخصية، واتهامهم بالخيانة والفساد والرشوة، بهدف تكوين رؤية ضبابية عن الوطن وعن المواطنة والانتماء، وفي الغالب يتم تحريض الجماهير ضد السلطات الحاكمة وعلى رأسها القوات المسلحة.

يأتي عداء الإسلامويين، وعلى رأسهم الإخوان، لـ "الجيوش" ضمن عدائهم للدولة الوطنية الحديثة التي ترى أنّها جاءت كنتيجة للاستعمار، ولا تعترف بأنّها نتيجة لتطور مفهوم الدولة الوطنية ودورها ووظيفتها في العصر الحديث، لذا يرفضونها ويعملون على تقويضها، وإحباط أيّ فرصة لترسيخ الانتماء الوطني، من خلال نشر عقيدة الحاكمية والجاهلية الركيزتين الأساسيتين في مفاهيم الجماعات الإسلاموية، التي تقول إنّ الحكم لله، وإنّ الشعوب أصبحت على جاهلية، ويجب أن تتم تربيتها على الإسلام والعقيدة الصحيحة مرة أخرى.

بهذه الأفكار، سواء المعلنة أو المستترة، أصبح للجماعات الإسلاموية "ودوائرها" يقين بأنّ الجيش إحدى أدوات "الدولة القومية التي تتناقض مع مفهوم الحكم لله، وهو أداة لحماية "الجاهلية" الحديثة، وأغلب الإسلاميين لا يعترفون إلا بـ "دولة العصور الوسطى" حيث الإمبراطوريات الكبرى التي تضم شعوبًا ودولًا تحكمها، وتستمد شرعية الحكم من مسوغ ديني تمنحه الجماعة الدينية للسلطات الحاكمة لتحكم الشعوب باسم الرب، وفي مفهومهم لتلك الدولة، أنّ أساس" الجيش" هو الجهاد وفتح البلاد لنشر العقيدة الإسلامية، وأنّ الانضمام للقوات المسلحة يكون عبر "التطوع" لا التجنيد، وأنّ غاية المجاهد الحصول على الغنائم والسبي، ولا يعترفون بقيمة التضحية من أجل مصالح الدولة وحماية حدودها وشعبها، فلا وجدود للحدود في دولتهم المتخيلة لأنّها دولة "عابرة للحدود".

أصل العداء

 مع تشكّل الدول الوطنية الحديثة، وبعد التخلص من قوى الاستعمار العسكرية، برزت الجيوش كأحد أعمدة بناء الدولة، ورمزًا للسيادة، وأداة الدفاع عن الحدود والشعوب، وضمانة للأمن الداخلي، وفي محاولاتها للوصول إلى استقلال القرار السياسي والعسكري، طرحت على كل القوى التضامن معًا للوصول إلى صيغة للمواطنة تشمل الجميع، وكان من المتوقع أن تحظى الجيوش بتأييد ودعم القوى الإسلامية الشعبية، باعتبار أنّ الدفاع عن (الحدود والشعب)، والجهاد من أجل الاستقلال وتقديم الشهداء والتضحيات، من أهمّ ما يدعو إليه الإسلام، وبالتالي توقعوا أن تؤيدهم القوى الإسلاموية في بناء الدولة الحديثة، إلا أنّ ما حدث كان العكس تمامًا، فقد تلقت الجيوش العربية الوطنية طعنات غادرة من الجماعات الإسلاموية، وظهر أنّ خلافهم مع الجيوش الوطنية ليس مجرد خلاف حول سياسات الدولة، بل هو صراع على الشرعية والهوية والسلطة، إذ تقوم الجماعات على الولاءات الإيديولوجية أو الطائفية، بينما يمثل الجيش مؤسسة وطنية جامعة تتخطى الانقسامات السياسية والدينية والعرقية، وهو ما يتناقض مع طبيعة الجماعات.

الإسلامويون يرفضون الدولة الوطنية 

أيقنت الجماعات الإسلاموية أنّ الجيوش الوطنية تقف عقبة كبرى أمام مشروعها العابر للحدود، لذلك اعتبرتها عدوًّا يجب مواجهته أو تحطيمه، فور وصولها إلى الحكم أو أثناء فرض سيطرتها. وتبدأ الحكاية حين توسّعت حركة الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات، فقد اصطدمت مباشرة بمؤسسة الجيش المصري الذي نفذ أوّل محاولة لتطوير أنظمة الحكم ورفض النظام الحكم السابق، وكانت الجماعة تعتبر نفسها هي البديل للنظام الملكي، وأنّها تمتلك الشرعية الدينية التي تخول لها حكم البلاد والعباد، ولمّا فشلت في مزاحمة مؤسسة الجيش في الحكم سعت إلى تجنيد عناصر من الجيش للحصول على قوة مسلحة تؤمن بأفكارها وتعمل على حماية مشروعها السياسي بإقامة الدولة الإخوانية المتخيلة، غير أنّ هذه المحاولات غالبًا ما أُحبِطت، فأعلنوا العداء لكل من أحبط مؤامرتهم، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، ودبّروا محاولة اغتياله في المنشية بالإسكندرية عام (1954).

أمّا في سوريا، فقد دخل الإخوان المسلمون هناك في مواجهة دموية مع الجيش عام 1980، للوصول إلى الحكم، انتهت بمأساة للمدنيين والمسلحين في مدينة حماة, واستمرت كراهية الإخوان للجيش حتى أنّهم فرحوا في هزائمه، كما حدث في 5 حزيران (يونيو) 1967، وحزنوا لانتصاراته في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وادّعوا أنّها تمثيلية بين الرئيس السادات وإسرائيل وأمريكا.

الربيع العربي أسقط أقنعة الإسلامويين

يعتبر البعض أنّ الربيع العربي كان انتصارًا للإسلامويين لأنّهم وصلوا إلى سدة الحكم، وهذا حقيقي من جهة، ومن جهة أخرى يُعدّ هزيمة قاسية لهم، فقد كشف عن وجههم الحقيقي، وتبين كذب الجماعات في تقبلهم لقيم الدولة الوطنية الحديثة" وكذبهم في احتكامهم للديمقراطية، وكذبهم في احترامهم للقوات المسلحة والحفاظ عليها، وسقطت كل كلمات المحبة التي كانوا يغرقون قادة الجيوش فيها قبل وصولهم إلى الحكم، وهو ما أسهم في نفور الشعب منهم،  وفور سقوط أركان الدولة وأنظمة الحكم، أعلنوا موقفهم من الجيوش النظامية الوطنية، ففي ليبيا بعد سقوط القذافي، أصرت جماعة الإخوان على تفكيك الجيش، تحت مزاعم أنّ ولاءه للنظام السابق، وفي اليمن أصروا على حلّ الجيش الوطني لصالح الميليشيات والجهويات والولاء القبلي، أمّا في سوريا فقد كان العداء أكثر وضوحًا، حين تعرّض الجيش لحملات تدمير ممنهج على يد داعش والقاعدة، أمّا بعد وصول فصيل إسلاموي مسلح إلى الحكم، فكان أوّل خطواته تفكيك الجيش وتدمير قدراته ومعداته وأفرعه من أجل بناء جيش جهادي أقرب إلى الميليشيا منه إلى الجيش الوطني النظامي.

سيناء مقبرة الإسلامويين 

شهدت مصر ثورة شعبية ضد الإخوان وعزلهم عام 2013، ووقف الجيش المصري موقفًا مشرفًا انحاز فيه للشعب صاحب الشرعية الوحيد والأوحد، يمنحها لمن يريد ويسحبها وقت ما يريد، فتحالف الإخوان مع إخوانهم من الجماعات الجهادية مثل "القاعدة" و"داعش"، واستهدفوا الجيش المصري الوطني، واعتبروا تفكيكه وهزيمته أحد أولوياتهم، وتمركزوا في سيناء لشن هجمات متواصلة باعتباره من "الطواغيت" التي أبعدت الجماعة الوحيدة المسلمة في العصر الحديث، وبالتالي يجوز قتالها قبل قتال أيّ عدو خارجي.

لم يقتصر العداء على المواجهة المسلحة، بل امتد إلى الدعاية في كثير من المنصات الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية التي تعمل على تصوير الجيش كأدوات قمع، أو تابعة للغرب، تحمي العروش فقط، وشنوا حملات دعائية شديدة القسوة على الجيش المصري، ووقفوا ضد تحديثه وتطويره بحجة أنّ بطون المصريين أولى بثمن الأسلحة، ثم في مرحلة تالية شنوا حملات ضده وضد عقيدته ومطالبتهم للجيش بدخول معترك حروب لا طائل منها، فطالبوه بمهاجمة سد النهضة، أو نقض معاهدة السلام والدخول في حرب شاملة ضد إسرائيل، لا لشيء سوى الدخول في حروب طويلة تؤثر على استقرار البلاد واقتصادها.

جناية الإسلامويين على الوطن والمواطنين

استمرار الإسلامويين في الفشل المستمر في تحقيق مشروعهم السياسي لإقامة دولتهم المتخيلة، وتكوين جيشهم "الجهادي القروسطي" جعلهم يلجؤون دومًا إلى الصدام مع السلطات القائمة مستخدمين الدين، والزجّ بالجميع للدخول في حرب استنزاف واسعة وطويلة الأمد مع الجيوش والشرطة والمجتمع، وهذه المعركة لمكافحة الإرهاب تستهلك ميزانية كبيرة من دخلها، وهو ما يعطل الاقتصاد وهجرة الاستثمار وعرقلة التنمية المسدامة، وخلق مناخ قلق متوجس يؤجل خطط الإصلاح والتفكير في المستقبل.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية