سؤال سياسي بإجابة فكرية.. هل ينجو العرب من أزماتهم؟

سؤال سياسي بإجابة فكرية.. هل ينجو العرب من أزماتهم؟

مشاهدة

12/07/2020

قد يكون "أفضل المداخل ما يأتي على شكل سؤال"..

هل لدى العرب أحلام وطموحات ونظرة للمستقبل، وكيف يمكن أن يكون لهذه الأحلام والطموحات ولهذا المستقبل حتى مستقبل، في ظل كل ما تعيشه هذه الجموع العربية الغفيرة من المحيط إلى الخليج من أزمات وتحديات وآفات ومخاطر؟

العرب على مستوى جمعي، لا يثقون بقدرة الفكر، والمشاريع الفكرية على إنتاج "النجاة"، بزعم أنّه فكر نظري ونخبوي

سؤال من ضمن قائمة طويلة من أسئلة الواقع العربي والمصير العربي الذي يقول التاريخ بأنه مصير مشترك، لكن الإجابات ظلت تأتي بصياغات متعددة، أكثرها عمقاً الصيغة الفكرية التي قضى في سبيلها مفكرون عرب كبار وكثيرون عمرهم من أجل تقديم مشاريع فكرية تجيب على أسئلة العرب المصيرية.

قدم محمد عابد الجابري، مساهمة فذة في هذا الطريق في إنتاج مشروع فكري قائم على تفكيك العقل العربي وإشكالاته التاريخية تحت عنوان "نقد العقل العربي"، وقدم أيضا محمد أركون مشروعاً إصلاحياً ثرياً ذا صلة، قائماً على منهجية تفكيك العقل الإسلامي والتراث الإسلامي، ليس كدين، وإنما كحالة أو إطار ثقافي واجتماعي تاريخي.

اقرأ أيضاً: الثقافة خارج الكتب والبحث عن الإيمان بالله خارج المحراب

نشأ عن هذين المشروعين مشروعات موازية، منها مشروع جورج طرابيشي الذي لا يكتمل، والذي قام أساساً على تفكيك مشروع الجابري تحت عنوان "نقد نقد العقل العربي"، وإسهامات فكرية رصينة كثيرة ظهرت على الساحة الفكرية العربية خلال فترة ما بعد الحقبة الاستعمارية وحقبة التحرر العربي، أو بعبارة أكثر دقة ما يسمى "الاستقلال العربي"، وصولاً إلى ما قبل الأزمات العربية الراهنة.

اقرأ أيضاً: الوصاية المزعومة لرجل الدين على العقل والوجدان

لقد احتاج هؤلاء المفكرون أزمات حادة وعميقة، أو أنّ تلك الأزمات العربية التاريخية، احتاجت إلى هؤلاء المفكرين وإسهامات مشاريعهم الفكرية في تفكيك بنية العقل ومشكلاته، المتصلة أساساً بمشكلات وأزمات العرب وعلى مستوى السياسة والاجتماع.

اليوم، يكون قد مضى قرن كامل على فترة بداية المشاريع الفكرية العربية ما بعد الحقبة الاستعمارية، إلى هذه اللحظة العربية الحرجة بكل مكوناتها وتفاصيل أزماتها وتحدياتها على مستوى العقل العربي والسياسات العربية والثقافة العربية.

اقرأ أيضاً: الوصاية المزعومة لرجل الدين على العقل والوجدان

كنت أريد أن أتساءل حقاً، هل نجا العرب حقاً من الحقبة الاستعمارية، وهل ساهم الفكر العربي في إنتاج هذه النجاة، أم أننا مازلنا نعيش ارتدادات تلك الحقبة رغم مرور أكثر من 80 عاماً عليها، منذ أول دولة عربية تحصل على استقلاها، وًهي العراق. لكن سؤالا مثل هذا يفتح شهية النقد للحياة العربية برمتها، فتساءلت حول هل ينجو العرب اليوم تحديداً من أزماتهم التي يعيشونها في فلسطين كقضية أولى، وفي سوريا وفي ليبيا وفي اليمن وفي العراق..؟.

اقرأ أيضاً: يريد الإخوان المسلمون تغيير العالم.. فهل فكروا في تغيير أنفسهم؟

العرب على مستوى جمعي، لا يثقون بقدرة الفكر، والمشاريع الفكرية على إنتاج "النجاة"، بزعم أنّ هذا الفكر ومشاريعه نظري بحت، وخطاب نخبوي لا يقوى على المواجهة ولا يصنع الثورة، ربما لأن أثر الفكر لا يأتي سريعاً؛ فهو ليس دبابة أو رصاصة، وهو ليس انقلاباً عسكرياً يأتي في لحظة واحدة، وهو ليس سياسة أو حكومة تقرر وتفعل، لكن كل ما يحدث في الوعي العربي، وكل ما يعتمل في عقل الشباب العربي من أسئلة حرجة وحادة، ما هو - بشكل ما - إلا أثر من ذلك الفكر، فما زال شباب عربي كثيرون يحملون كتاباً ما للجابري أو أركون، ومازالوا يعقدون لقاءات في المكتبات أو في البيوت أو في المقاهي يتدارسون أو يراجعون أو يتحاورون حول كاتب أو كتاب.

اقرأ أيضاً: كيف تورط الإسلام السياسي العربي في النموذج التركي؟

والعرب أيضاً لا يثقون بالسياسة، ولا يعولون عليها، وينظرون إلى التجارب العربية في السياسة، باعتبارها حالة منتجة للفشل باستمرار، بدليل هذه الحالة من البؤس والفقر والتبعية ومصادرة الحقوق، وجشع الرأسمالية، والحرية المزيفة والديمقراطية المزورة وفشل ما سمي بـ "ثورات الربيع".

عمر الشعوب طويل، وأثر الفكر يحتاج عمراً طويلاً أيضاً، علينا أن نثق بأنفسنا وذاتنا وفكرنا لكي ننجو

فبمن يثق العرب لكي يحققوا أحلامهم وطموحاتهم ويصلوا إلى مستقبلهم الذي يريدونه، ربما عليهم أن يثقوا بأحلامهم ذاتها وبطموحاتهم نفسها، لقد بقيت الشعوب العربية تمارس الرضى بغض النظر بقناعة أو غير قناعة، تجاه كل ما حدث لها ويحدث، حتى وصلت إلى هذه الحالة من المتاعب والمصائب والمصاعب، وكما يقول أمير الكوميديا اللاتينية بلاوتوس: "العقل الراضي أفضل مصدر للمتاعب"،إلى هذا الحد يمكن أن يكون الرضى "مغشوشاً" وخدّاعاً.. وإلى هذا الحد يجب أن يكون مستوى القلق. على الحياة الحاضرة والمستقبل، فالشعوب تستطيع أن ترضى لسنوات طويلة دون أن يرف لها جفن، كما يحدث دائماً لدى شعوبنا العربية، التي ما زالت تمارس الرضى بقلب متعب وعقل مشبع بالشعارات وأرواح "طويلة" وشغوفة بالصبر والانتظار.

اقرأ أيضاً: كيف تنظر الأديان إلى مرض كورونا؟

والشعوب تستطيع أن "تبلع" سياسات فاشلة بكُلف باهظة في المال والأعمال والمشاريع وخطط التنمية العصية وانسداد أفق "الحل"..، ويمكنها أن "تصفق" بيد واحدة إن شاءت، وتصفع أو تضرب بقبضتين اثنتين معا.. لأن "مسافة الرضى" ليست طويلة مهما طالت، وهذه ليست مفارقة أو تضارب في الأفكار، فعمر الشعوب طويل جداً، وطريقها دائماً شاقة، ومرهقة ومليئة بالغبار والمكائد، وكثيرون ذهبوا ولم يعودوا.. وكثيرون تركوا أسماءهم خلفهم، وكثيرون أخذوا يقينهم معهم، يقينهم الذي ما آمن يوماً بالسياسة التي تنجح دائماً في إدارة الأزمات لكنها تفشل بجدارة في صنع الحلول.. فعن أي نجاة نتحدث.

عمر الشعوب طويل، وأثر الفكر يحتاج عمراً طويلاً أيضاً، علينا أن نثق بأنفسنا وذاتنا وفكرنا لكي ننجو، فإن كان السؤال العربي سياسياً، فعلى الجواب أن يكون فكرياً.


الصفحة الرئيسية