رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. كيف نقرأ القرار الأمريكي؟

السودان

رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. كيف نقرأ القرار الأمريكي؟

مشاهدة

20/10/2019

لا تبدو مسألة رفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب انعكاساً للسياسة بمعناها العام، فما يتداوله طرفان حكوميان في عاصمة القرار الدولي، واشنطن، حيال القضية؛ وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ "CIA"، من ناحية، والخارجية الأمريكية من ناحية ثانية، يرسل إشارات تبدو متعاكسة.
وبمزيد من التأمل في الأمر، قد لا تبدو الإشارات متعاكسة تماماً! في تلك التركة الثقيلة التي ورثتها حكومة الثورة السودانية الراهنة، بقيادة د. عبد الله حمدوك، عن نظام الإنقاذ، بعد أن تمت الإطاحة بعمر البشير، في نيسان (أبريل) من هذا العام.

الولايات المتحدة في عمقها الأمني لا تريد أن تفرّط بثمار تعاون كبير مع جهاز الأمن السوداني

بدايةً، لا بدّ من القول: إنّ الدورة الرابعة والسبعين للأمم المتحدة، في أيلول (سبتمبر) الماضي، كانت مناسبة قوية لإثارة قضية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ليس فقط من قبل الوفد الرئاسي السوداني، بل كذلك بما تمّ تضمينه من مناشدات في أكثر من خطاب لزعيم دولة عربية أمام اجتماع المنظمة الدولية. كما لمسنا ذلك واضحاً في خطاب جمهورية مصر العربية، على لسان الرئيس، عبد الفتاح السيسي، وكذلك على لسان وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، عبد الله بن زايد، إلى جانب وزير الخارجية السعودي، الدكتور إبراهيم العساف.
في نيويورك؛ وعد حمدوك، في أكثر من تصريح ولقاء صحفي؛ بأنّ رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بات وشيكاً، لكن يبدو أنّ الأمر، بعد ذلك كلّه، كان في حاجة إلى توضيح من قبل الولايات المتحدة؛ حيث وصف مسؤول الشؤون الأفريقية في الخارجية الأمريكية، تيبور ناج، قضية رفع اسم السودان من الإرهاب؛ بأنّها ليست قراراً، بل عملية، ما يعني أنّ رفع اسم السودان من الإرهاب رهين بإجراءات وممارسات وتحولات في الكثير من الأجهزة التي هيمن عليها نظام شمولي لثلاثين عاماً.  

تركة ثقيلة ورثتها حكومة الثورة السودانية الراهنة بقيادة د. عبد الله حمدوك
من ناحية أخرى؛ تعكس الإفادات المسربة ما يتصل بهاجس الولايات المتحدة حيال مسألة الأمن التي تظل عندها أولويةً قصوى؛ حيث عرفت واشنطن في الأعوام السابقة تعاوناً كبيراً من النظام السوداني السابق؛ كشف عن قدرات وإمكانات تنظيمية دقيقة في الإمساك بالملف الأمني والضبط الملتزم بإدارة ملفات سرية كثيرة حقق فيها الجهاز الأمني السوداني اختراقات ثمَّنها الأمريكيون كثيراً.
حيال هذه الإشارات المتناقضة، بين الخارجية الأمريكية بقناعها الدبلوماسي، وإفادات الغرف المغلقة لـ"CIA"، تظلّ قضية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب محلاً للكثير من التفسيرات، التي تسعى لفهم خطابين يصدران عن الولايات المتحدة في هذا الملف الشائك، بما يفهم منه دلالات متناقضة، هذا -بطبيعة الحال- لا ينفي إمكانية النظر في المساحة الرمادية بين الخطابين.

اقرأ أيضاً: رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. مكاسب واشتراطات
فالولايات المتحدة في عمقها الأمني لا تريد أن تفرّط بثمار تعاون كبير مع جهاز أمن سوداني وفّر لها، في ظلّ النظام السابق، معلومات ومعطيات كانت مصدراً لثنائها وذهولها، لكنّها، في الوقت ذاته، ترى أمامها حكومة مدنية جاءت إثر ثورة سلمية كانت مثالاً رائعاً وملهماً للكثيرين في العالم، ما يعني أنّ التعامل مع هذه الحالة العجيبة تفرض على المراقب احتمالات ظرفية لتجاور الخطابين في إطار ما يمكن أن يكون اختباراً على المدى القصير لسبر مآلات وسكك المسار الديمقراطي للمرحلة الانتقالية في السودان، التي تدخل شهرها الثاني.
فمن ناحية؛ دلّت كلّ المعطيات على أنّ دعم الثورة السودانية وصولاً إلى ما تمّ الاتفاق عليه في الإعلانين؛ السياسي والدستوري، كان قراراً إستراتيجياً للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وغيرهما؛ ستحيلنا هذه الحقيقة إلى ما يطمئن لجهة الاختبار الزمني الذي قد يكون مرجحاً لرفع تناقض الخطابين.

لا تبدو مسألة رفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب انعكاساً للسياسة بمعناها العام

ومن ناحية ثانية؛ تدرك أمريكا أنّ طبيعة هذه المنطقة العربية والأفريقية التي يقع السودان ضمنها، قد لا تضمن بالضرورة نجاحاً مطّرداً للمسار الديمقراطي، فتتغلب أولويات الأمن للدولة العميقة في أمريكا على سائر الأولويات.
بين خيارَي أمريكا المعبرين عن الخوف والرجاء، لا يملك ترجيح أحدهما عن الآخر سوى من كان يتوفر على معرفة بخفايا طبيعة اتخاذ القرارات الأمريكية، وطبيعة العمليات الأمريكية المعقدة التي تنضج بموجبها قرارات كثيرة.
في هذا السياق؛ يرى رئيس مجلس أمناء معهد "همبتي دمبتي" (HDI)، الدكتور الصادق خلف الله، أنّ "القرار جاء في ظروف اضطرت أمريكا فيها إلى وضع اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولقد كانت الأسباب معروفة؛ حيث لا يختلف عليها اثنان"، موضحاً في حديثه لـ "حفريات" أنّ تبعات القرار كانت مؤثرة إلى أعمق حدّ؛ "فالتأثيرات الاقتصادية للقرار تأخذ أهميتها من حيث قدرة الولايات المتحدة على منع العالم من تقديم مساعدات اقتصادية قيِّمة ومباشرة للسودان. إلى جانب تقييد البنك الدولي في تقديم قروض له، القرار كذلك يمنع أيّ مواطن أو شركة أمريكية من التعامل المالي المباشر مع السودان، وأخيراً، تقييد حركة المواطنين السودانيين وتعقيد حصولهم على فيزا الدخول للولايات المتحدة".

 رئيس مجلس أمناء معهد "همبتي دمبتي" (HDI)، الدكتور الصادق خلف الله
ويضيف خلف الله أنّ هناك أيضاً تبعات غير مباشرة للقرار تعمل على تقييد حركة التعامل الاقتصادي مع الدول الأوروبية والآسيوية، "بما يساهم في حجب مساعداتها خوفاً من مخالفة القرار الأمريكي؛ الأمر الذي قد يتسبب في إشكالات للدول الأوروبية أو الآسيوية المانحة، وبطبيعة الحال؛ فإنّ الأسباب المذكورة كفيلة بإفشال أيّ برنامج اقتصادي لحكومة حمدوك، قبل رفع اسم السودان من القائمة".
ويؤكد خلف الله أنّه لا يمكن قراءة القرار كما لو أنّه يحتمل خيارَين؛ "هناك متطلبات محددة للنظر فيما حققه السودان من حلول عملية تنتفي بموجبها الأسباب التي أدّت لوضعه في القائمة، وهذا بالتأكيد عمل يحتاج جهداً ووقتاً من الجانبين".

خلف الله: بعض الدوائر الأمريكية ما تزال متخوفة من التعامل مع الحكومة السودانية الجديدة

وحول ما إذا كانت الطبيعة الأمريكية المزدوجة في التعاطي مع قرار رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، قد تعكس تردداً في واشنطن، أم أنّ ذلك جزء من ترتيبات مؤقتة لإنضاج شروط أكثر ملاءمة لاتخاذ القرار، يقول خلف الله:
"صراحة بعض الدوائر الأمريكية ما تزال متخوفة من التعامل مع الحكومة السودانية الجديدة، رغم أنّها تدّعي غير ذلك؛ فالحكومة السودانية، حتى الآن، غير واضحة الملامح والخطط، وهناك لغط كبير حول ما ينعكس من إشارات توجهاتها الإقليمية والدولية، ومدى توافق تلك التوجهات مع المصالح الأمريكية في المنطقة".
ويتابع: أعتقد أنّ أمريكا في تردّدها ذاك تحاول استخدام وسائل ضغط اقتصادية حيال إزالة اسم السودان من قائمة دول الإرهاب، لتفرض سياسات معينة عليه، تكون بمثابة شرّ لرفع اسمه من القائمة، علينا ألا ننسى؛ أنّ هناك حلفاء إقليميين للولايات المتحدة ما يزالون ينظرون بتشكك لتوجهات الحكومة السودانية التي تُدار بطريقة ثورية، ولربما لها ميول أيديولوجية غير مريحة لأولئك الحلفاء، وهم بدورهم حلفاء لهم تأثير غير مباشر على دفع أمريكا للإسراع برفع السودان من القائمة.

اقرأ أيضاً: فرنسا تتعهد بدعم السودان.. في هذه المجالات
ويلفت الصادق كيف كانت المشاركة الأمريكية دون المستوى في احتفالات توقيع وثيقة الإعلان الدستوري، في آب (أغسطس) الماضي، كما مستوى لقاءات رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، في نيويورك مع الأمريكيين، خلال زيارته، في أيلول (سبتمبر) الماضي؛ "كلّ ذلك يشي بما يمكن تفسيره بالحماس الفاتر من طرف الولايات المتحدة حتى الآن".


في ظلّ هكذا تردّد؛ ثمة من يراهن، بطبيعة الحال، على الجهد الدبلوماسي والعلاقات البينية، لا سيما مع أعضاء الكونغرس، وإمكانية العمل الدبلوماسي والعلاقات العامة عبر لوبيات الضغط المتعددة في الولايات المتحدة للتسريع باتخاذ القرار. وحول ذلك يؤكد خلف الله أنّ السودان فشل خلال العقود الثلاثة الماضية في التأثير إيجابياً على الولايات المتحدة، "لم يكن له لوبي كاللوبي الإيراني، أو الكوبي، أو الكوري الشمالي حتى، فتلك الدول، وإن ظلت موجودة في القائمة نفسها التي يوجد فيها السودان، لكنّها استطاعت تحقيق الكثير بسبب اللوبي القوي لكل منها في واشنطن من أجل حماية مصالحها. كما أنّ العمل الدبلوماسي السوداني غير منظَّم ويفتقر للخبرة، ما ضاعف عزلة السودان في العقود الماضية".

اقرأ أيضاً: السودان يواصل ضرباته القاضية لتنظيم الإخوان
ويستدرك خلف الله أنّ الخيارات المطروحة والتشكيلة الجديدة لحكومة حمدوك قد تحسّن حظوظ الدبلوماسية السودانية في اختراق العزلة، خصوصاً بعد الثورة، و"لكن لن تحقق الفوائد القصوى بسبب التأثير السلبي لبعض الضغوط الحزبية على حكومة حمدوك، وفرض تعيين نُشطاء لإدارة الملف الدبلوماسي، بدلاً من الخبراء، وهذا كان واضحاً في الاختيارات الأخيرة لعدد من الوزراء".
وحيال ما إذا كان الخياران الأمريكيان، بين الخارجية والاستخبارات الأمريكية، انعكاساً لصراع إرادات محتمل، يرى الدكتور الصادق خلف الله أنّ "الخيار الاستخباراتي يتغلب في النهاية على الخارجية، وهو خيار معروف ومُجرب، خصوصاً أنّ الاستخبارات الأمريكية لها الكلمة الأخيرة في ملفات الإرهاب وسياسات دول مثل السودان، كان لها باع في مساندة الإرهاب والحركات الإسلامية الراديكالية لعقود خلال حكم الإنقاذ".

الصفحة الرئيسية