دولة الإخوان الموازية إذ تحاول ابتلاع الدولة الوطنية

دولة الإخوان الموازية إذ تحاول ابتلاع الدولة الوطنية

دولة الإخوان الموازية إذ تحاول ابتلاع الدولة الوطنية


24/03/2026

تُشكل جماعة الإخوان المسلمين كيانًا موازيًا للدولة في بُعدها السياسي، وكيانًا موازيًا للمجتمع؛ فهي تهدف عادة إلى الحضور على حساب أيّ طرف، وتبني شبكة مجاوزة للإطار الجغرافي والحدود الدولية، لتعقد تحالفات وتنظم عمليات سياسية واجتماعية خارج إطار عمل الدولة، وفي العديد من الأحيان ضد إطار عمل الدولة، وتعمل بمبدأ المصلحة الحاكم للعمل السياسي، وتقوم اتفاقياتها وتحالفاتها على ذلك. 

وعمل جماعة الإخوان بصورة موازية وندية للدولة يجعل منها تهديدًا فعليًا لأيّ دولة، وبمقتضى هذا تضع جماعة الإخوان مصلحتها في غياب الدولة وحالة الفوضى، لأنّها تتمكن من الظهور وطرح نفسها كبديل منظم لهذه الفوضى من جانب، ومُمثل للشعب من جانبٍ آخر، ولنا في التجربة المصرية خير مثال على ذلك. 

وتُزايد الجماعة على الدولة عادة وتنتهز فرصة غيابها عن أيّ نشاط لكي تملأه هي، وتكون حاضرة في الأفق السياسي والاجتماعي، وتملك الجماعة كيانًا إداريًا موازيًا لكيان الدولة الإداري، ولا تعترف بحدود الدولة وقوانينها، لذلك يكون عملها عادة سرّيًا. وترى الجماعة أنّ الدولة يكون لها وجود فقط حين تكون هي على رأس السلطة، وعندها تُطالب بالشرعية وتطبيق القانون.

ويتسق اعتراف الجماعة بالدولة إذا كانت هي على رأسها مع رؤيتها لنفسها ككيان حافظ للهوية الإسلامية يسعى إلى إعادتها، بل والهوية الإنسانية، ومن ثم تحمل لواء قيادة الإنسانية جمعاء، وقيادتهم وتقويمهم، ويكون لها الحق في تحديد القيم والقوانين وإضفاء الشرعية على بعض الدول وخلعها عن بعضها، ولا تعترف بولاء إلا بالولاء للجماعة، ولا تعترف بحدود إلا بحدود الجماعة، وهي بذلك لا تضع نفسها كيانًا موازيًا للدولة والمجتمع فحسب، بل للإنسانية برمتها. 

عقيدة الولاء للجماعة 

تقوم أيّ جماعة أو تنظيم على الولاء لهذا التنظيم وهذه الجماعة، وفي حال جماعة الإخوان فإنّها تعدّ الولاء لها ولاءً للإسلام، وعدم الولاء لها عداء للإسلام، وتبني عقيدة أفرادها على مركزية الجماعة وشمولها؛ أي أنّ الجماعة هي المركز وهي الكل في آنٍ واحد، فهي لا تعمل تحت مظلة الدولة، بل تُطالب الدولة بالعمل تحت مظلتها. 

عملها الندي للدولة ومُطالبتها للدولة بالعمل تحت مظلة الجماعة لا يجعل منها فصيلًا سياسيًا بقدر ما يجعل منها كيانًا إرهابيًا، يُمثل تهديدًا سياسيًا واجتماعيًا على الدولة وبنائها الاجتماعي، خاصة أنّها تكوّن إطارًا اجتماعيًا مُختلفًا عن الإطار الاجتماعي الذي تقوم فيه، وتكوّن أسرًا خاصة بها، خلاف الأسر الاجتماعية التي يقوم عليها أيّ بناء اجتماعي. 

وانطلاقاً من آليات عملها التي جعلتها تكوّن إطارًا ونظامًا اجتماعيًا خاصًا للجماعة وينشق عنها، فإنّ عقيدة الولاء والبراء تُمثل ركيزة أساسية في بناء الجماعة، وهذا ما دفعها نحو إنتاج نظام اجتماعي خاص بها، وإعلان نفسها ممثلة للإسلام يجعلها تنظر إلى من يوالون الجماعة على أنّهم هم المؤمنون، وغير الموالين لها هم الكافرون، ممثلو الجاهلية الثانية. 

وتقرر الجماعة أنّها تملك الإسلام، وحكم الإسلام في الأنظمة والحكومات واضح وصريح التي لا تكون حاضرة فيها، وهو أنّها كافرة وجاهلية وساقطة الشرعية، ووجودها غير جائز وكذلك استمرارها، وإزالتها واجب وفرض ديني، فقد آن لها أن تذهب وتعود من حيث أتت وتمضي غير مأسوف عليها، لتعود الخلافة والريادة من جديد، فآن لها أن تعود لتسترد مكانتها وأراضيها، وأهلها وذويها الذين انتزعت منهم وانتزعوا منها، تعود لتقيم الدين وتحرسه وتسوس الدنيا به.

في خطاب لمحمود غزلان عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وقت حضورهم على رأس الدولة المصرية يقول: "يا أهل مصر: لقد أتيناكم لننقذكم من الجاهلية والكفر وعصور الظلام التي كنتم تعيشون فيها"، وبموجب هذا يُطالب المجتمع المصري بالانصياع له، والاعتراف بأنّه مدين للجماعة بأن حررته وأنّها تقوده إلى صلاحه في الدنيا والآخرة. 

تهديد المجتمع 

لا تنبني عقيدة الولاء والبراء على الولاء للجماعة فحسب، بل على البراء من أيّ انتماء غير الانتماء إلى الجماعة، وذلك لأنّ مصالحها كثيرًا ما تتعارض مع مصالح الدولة والشعب كذلك، ومن ثم تربط بين الولاء لها والبراء من غيرها وتدمجهما كعقيدة واحدة. وبموجب ذلك ينقسم العالم إلى عالم الجماعة وعالم آخر لا ينتمي إلى الجماعة، وعليه أن ينتمي إليها. 

وعليه ينقسم العالم مع جماعة الإخوان ومُنظريها إلى دار سلام، وهي الجماعة بكل تأكيد، ودار حرب، وهي التي تحكم بغير ما أنزل الله؛ أي التي لا تقف الجماعة على رأس السلطة فيها، وأهل هداية يعملون على إصلاح أهل الجاهلية، وليس أدلّ على ذلك ما ذكر في وثيقة العمل الإسلامي: "لقد أكثرنا القول، ولا بأس من أن نكرر؛ أنّ الخلق عبيد الله والأرض ملك لله، ومن ثم فإنّ الخلق كلهم مطالبون بالدخول في دين الله، والأرض كلها من المفروض أن تخضع لسلطان هذا الدين. 

وقد ظهرت هذه الانقسامات والعداءات بصورة واضحة بعد خلع محمد مرسي من منصب رئاسة الجمهورية في مصر، وتسمية المؤيدين لخلعه بـ "شعب الانقلاب على الشرعية"، في مُقابل "شعب رابعة"، وهو تمييز واضح وصريح، ويحمل العقيدة الإخوانية وإيمانها بحقها في إضفاء الشرعية على من تشاء وخلعها عمّن تشاء، فعبارة "شعب الانقلاب على الشرعية" توضح أنّ الشرعية ليست من حق الشعب، وتنفي أنّ الشعب هو صاحب الشرعية بالأساس، وتكون صاحبة الشرعية هنا هي الجماعة. 

وتُمثل عملية الانقسام تهديدًا اجتماعيًا واضحًا للبنى الاجتماعية، ولكيان الدولة وحضورها، وللشعب كذلك، لأنّه في مواقفه الأكثر حدة يصل إلى حد الحرب الأهلية، وفي مواقفه الأقلّ حدة يقوم على النبذ المتبادل وصناعة الأزمات، ومثل هذه الأمور تُشكل تهديدًا وجوديًا للدولة التي تضمن سلامة وأمن الأفراد، وتعمل تحت مظلتها كافة الجماعات والفصائل، ولا ينتفع أيّ فصيل أو جماعة من هذه الانقسامات. 

ووفق تاريخ عمل جماعة الإخوان وأدواتها فإنّها تقوم على الانشقاق، وتكوّن لنفسها كيانًا داخل الدولة مُعاديًا لها، ويرفض العمل وفق حدودها وقوانينها، وكذلك كيانًا داخل المجتمع يرفض تنظيمه وبناءه ويبني تنظيمًا وبناءً اجتماعيًا مختلفًا، لتكون الجماعة في وجودها تمثل تهديدًا للدولة والمجتمع، وترفض الانتماء إليهما وتطالبهما بالعكس، لتُحدد هي مبدأ الوجود وطريقته. وعلى ذلك فإنّ مشروعها لم يُفضِ إلى فشلها السياسي فحسب، بل إلى لفظها الاجتماعي كذلك. 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية