داعش بلا أرض... لكن لا يزال يقاتل

داعش بلا أرض... لكن لا يزال يقاتل

داعش بلا أرض... لكن لا يزال يقاتل


15/07/2025

رغم سقوط ما عُرف بـ"الخلافة" في العراق وسوريا منذ عام 2019، لا يزال تنظيم "الدولة الإسلامية" يُثبت أنه أبعد ما يكون عن الانهيار الكامل، فبعد خسارته للجغرافيا، أعاد التنظيم تموضعه كحركة تمرّد ناشطة قادرة على زعزعة الاستقرار، وتنفيذ عمليات مستمرة، وتهديد الأمن في أكثر من ساحة.

هذا التحول من تنظيم مسيطر على الأرض إلى فاعل شبكي غير مرئي، يجعل منه خطرًا طويل الأمد يتغذى من الفوضى السياسية، وضعف الدولة، والانقسامات المحلية.

رغم سقوط "الخلافة" في 2019، لا يزال تنظيم "الدولة الإسلامية" يحتفظ بقدرته على شنّ عمليات تهدد الأمن في العراق وسوريا.

 

هذا ما أشارت إليه دراسة نشرها المركز العربي لدراسات التطرف، بعنوان: "بدون خلافة ولكن بعيدًا عن الهزيمة: لماذا يستمر تنظيم الدولة الإسلامية في شنّ التمرد في العراق وسوريا؟"، من إعداد الاحث كولين كلارك، حيث ترصد الديناميات التي تسمح للتنظيم بالبقاء والتوسع في مرحلة ما بعد الخلافة.

الموت المزعوم لداعش مبالغ فيه

ومنذ إعلان القضاء على خلافة داعش في آذار / مارس 2019، بعد معركة الباغوز في سوريا، توالت التصريحات الرسمية من أطراف دولية ومحلية بأن التنظيم قد انتهى. إلا أن الواقع الميداني يُكذب هذه السردية.

التنظيم نفّذ منذ ذلك الحين مئات العمليات في العراق وسوريا، ما بين كمائن واغتيالات وتفجيرات. 

تحوّل التنظيم من سلطة جغرافية إلى خلايا خفية تتغذى من الفراغات الأمنية والفوضى السياسية والانقسامات المحلية.

 

ورغم غياب السيطرة على المدن، لا يزال يحتفظ بقدرات لوجستية وتكتيكية تُؤهله للاستمرار كقوة تمرّد.

ويرى الباحث أن الاستخفاف بقدرة التنظيم أو إعلان "النصر الكامل" عليه، لم يكن سوى مبالغة غير محسوبة، خصوصا أن التحولات التي شهدها التنظيم تشير إلى تكتيك جديد يقوم على التكيّف لا الانهيار، والكمون لا الزوال.

هذا وتحوّل داعش من جيش يرفع الرايات السوداء إلى خلايا متخفية في الجبال والصحارى، لا يعني نهاية المشروع، بل إعادة تموضع في انتظار ظروف مواتية للعودة.

بيئة عمليات محفّزة

يعتمد التنظيم في بقائه على بيئة أمنية هشّة، سواء في العراق أو سوريا، ففي العراق، تساهم الفجوة بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة في خلق مناطق رمادية يُطلق عليها "الفراغات الأمنية"، يستغلها التنظيم للتحرك بحرية.

أما في سوريا، فالانقسام بين مناطق سيطرة النظام، ومناطق المعارضة، ومناطق الإدارة الذاتية الكردية، يُوفر مجالًا خصبًا لحركة الخلايا النائمة والعمليات المباغتة.

تُضاف إلى ذلك تحديات متجذرة مثل ضعف البنية التحتية الأمنية، تردّي الأوضاع الاقتصادية، وغياب الثقة بين السكان والقوات الحكومية، ما يُسهم في تقليل التعاون المدني ضد داعش.

ويؤكد الباحث أن هذه البيئة غير المحكومة تسمح للتنظيم بالاختباء والتجنيد والتخطيط، بعيدًا عن أعين الدولة، وتخلق له نوعًا من الحصانة الطبيعية داخل التناقضات المحلية.

استراتيجيات التنظيم: الهجوم والبقاء

ورغم تحوله إلى وضع "التمرد"، لم يتخلّ داعش عن طموحه لإعادة فرض مشروعه السياسي في المستقبل. ويُركّز حاليًا على استراتيجية استنزاف خصومه، من خلال ضربات متفرقة تهدف إلى تقويض الثقة في الدولة.

ومن خلال عمليات اغتيال مسؤولين محليين، وتفجير عبوات ناسفة على قوافل عسكرية، واستهداف قادة عشائر، يسعى التنظيم إلى تأكيد حضوره واستمراريته في "ولاياته" المفترضة.

كما يحتفظ بنشاط إعلامي أسبوعي يعكس استمرارية الهيكل التنظيمي، ويُقدّم نفسه كقوة فاعلة وقادرة على تنفيذ عمليات دقيقة رغم ضغوط الملاحقة.

ويرى التقرير أن التنظيم يُفضّل حالياً تجنّب المواجهات الكبرى، مقابل تعزيز قدرته على الضرب والانسحاب، بانتظار "الفرصة الكبرى" لإعادة الظهور كقوة مهيمنة حين تتغيّر الظروف.

المال والأيديولوجيا

وبحسب الدراسة فإن أحد أهم أسرار بقاء داعش هو قدرته على تأمين مصادر تمويل مستدامة. فبعد خسارة النفط، لجأ إلى الاقتصاد غير المشروع: الإتاوات، والتهريب، وغسيل الأموال، بل وحتى استغلال الفساد في بعض مؤسسات الدولة.

هذا ويمتلك التنظيم شبكة مالية معقدة يصعب تتبعها، تعتمد على وسطاء وشركات وهمية، وتنتشر في أكثر من بلد، ما يضمن له التمويل الكافي للاستمرار والتجنيد وشراء الأسلحة.

أما على المستوى الإيديولوجي، فلم يتراجع الخطاب الداعشي عن مركزية مشروع "الخلافة"، بل يعاد تأطيره بوصفه هدفًا بعيد المدى، يتطلب الصبر والتدرج.

بهذه الطريقة، يحافظ التنظيم على قاعدة من الموالين الذين لا يرون في الهزيمة المكانية نهاية للفكرة، بل مجرد محطة في "المعركة الطويلة" التي قد تتواصل لأجيال.

الطريق إلى الأمام

كذلك، يرى الباحث أن القضاء الفعلي على داعش يتطلب ما هو أكثر من الضربات الجوية والمداهمات الأمنية، مشيرا إلى أن المطلوب استراتيجية شاملة تُعالج الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مكّنت التنظيم من الصعود.

في العراق، يُعدّ إصلاح العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان أساسيًا لسدّ الثغرات الأمنية. كما أن تعزيز كفاءة الاستخبارات ومكافحة الفساد سيُعززان ثقة السكان ويُقللان من مساحة تحرك داعش.

أما في سوريا، فإن غياب حل سياسي شامل يُبقي الأوضاع مرشحة للانفجار، ويُغذّي شعور المجتمعات المحلية بالهشاشة، ما يسمح للتنظيم باستغلال الغضب والتهميش.

ويُحذّر التقرير من مغبة الانخداع بتراجع الهجمات في بعض الفترات، مؤكدًا أن داعش بارع في التكيّف والانتظار، وهو ما فعله سابقًا حين ظهر من جديد بعد سنوات من "الهدوء النسبي" في مرحلة ما قبل 2014.

هذا وخلص الباحث إلى أنه ورغم الهزيمة الجغرافية التي تلقّاها داعش، لا يزال بعيدًا عن الهزيمة الاستراتيجية. فبفضل قدرته على التكيّف، واستغلال الفراغات الأمنية، والحفاظ على موارده وتمويله وأيديولوجيته، يظلّ التنظيم خطرًا قائمًا.

كما أن التعامل مع داعش يتطلب وعيًا بأن الحرب ضدّه ليست عسكرية فقط، بل هي صراع طويل على السلطة والهوية والشرعية في مناطق محطّمة ومفتوحة أمام الفوضى.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية