خطر الإخوان المسلمين على المدارس الفرنسية: بين الانتماء الديني والهيمنة المجتمعية

خطر الإخوان المسلمين على المدارس الفرنسية: بين الانتماء الديني والهيمنة المجتمعية

خطر الإخوان المسلمين على المدارس الفرنسية: بين الانتماء الديني والهيمنة المجتمعية


02/09/2025

 

تُعدّ المدارس الخاصّة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في فرنسا إحدى أبرز ساحات الجدل داخل المشهد التعليمي والسياسي. فبينما يُقدّم الإخوان أنفسهم بوصفهم أصحاب مشروع تعليمي يوفّر بيئة "منفتحة" تراعي الهويّة الإسلامية للطلاب، ترى السلطات الفرنسية، ومعها عدد من الباحثين، أنّ هذه المؤسسات ليست بريئة من أجندة إيديولوجية تسعى إلى إعادة تشكيل الهوية بعيداً عن قيم الجمهورية. 

 

هذا الملف لا ينفصل عن النقاش الأوسع حول التطرّف والانفصال المجتمعي في فرنسا، بل يُعدّ أحد مفاتيحه الأساسية، خصوصاً أنّ الجماعة تتعامل مع التعليم باعتباره مدخلاً طويل المدى لتثبيت حضورها وبناء أجيال متماهية مع مشروعها السياسي والديني.

 

في هذا السياق تتّسع المخاوف من أنّ تلك المدارس لا تعمل فقط على تحسين مستويات التحصيل الدراسي أو توفير مناخ ديني محافظ، بل تسعى إلى بناء جدار ثقافي بين الطلاب والمجتمع الفرنسي الأوسع. 

وهو ما يطرح سؤالاً وجودياً أمام الجمهورية: هل التعليم وسيلة للاندماج وصناعة مواطن منخرط في قيم الدولة، أم أداة لإعادة إنتاج جماعة إيديولوجية مغلقة تسعى لخلق مجتمع موازٍ داخل المجتمع؟

 

مدارس موازية وهوية بديلة

تنتشر في فرنسا عشرات المدارس والجمعيات التعليمية التي يُنظر إليها باعتبارها منصّات للإخوان المسلمين، سواء عبر التمويل المباشر أو من خلال روابط فكرية وتنظيمية. هذه المدارس قد تحمل أسماء محايدة أو تُقدّم نفسها كخدمات تعليمية خاصة، لكنّها في العمق تعكس رؤية تقوم على تأسيس جيل منفصل عن المحيط الاجتماعي.

 

ويرى عدد من الباحثين في قضايا الإسلام السياسي أنّ الخطر الكامن لا يتعلّق فقط بالجانب الأكاديمي أو مستوى التحصيل العلمي في هذه المدارس، بل بالرسائل القيمية التي تُغرس في نفوس الطلاب.

 

فالمعضلة الجوهرية، بحسب هؤلاء، تتمثل في ما إذا كانت هذه المؤسسات تعمل على دمج التلاميذ في نسيج الجمهورية الفرنسية، أو على العكس إعادة تشكيل هويتهم على أسس إيديولوجية مغلقة تستمد جذورها من مشروع سياسي يتجاوز حدود الدولة.

 

بهذا المعنى تبدو المدارس الإخوانية كأنّها جزر معزولة عن المجتمع، تعيد إنتاج خطاب "الأمّة"، وتُقدّم الانتماء الديني بوصفه بديلاً عن المواطنة. هذا الفصل بين الانتماءات يجعل التلاميذ في مواجهة مستمرة مع قيم الجمهورية، ويزرع لديهم شعوراً بالتناقض بين ما يتعلّمونه داخل المدرسة وما يفرضه واقع المجتمع الفرنسي.

 

استراتيجيّة التمدّد البطيء

وتذهب دراسات أخرى إلى أنّ استراتيجية جماعة الإخوان في فرنسا تتسم بالبطء والتدرج، فهي لا تعتمد على المواجهة الصاخبة أو الدعوة المباشرة إلى العنف، بل على بناء حالة من الانفصال الثقافي والذهني عن قيم الجمهورية. 

 

هذه المقاربة "الناعمة" تُعطي للجماعة قدرة على التغلغل في البيئة التعليمية والاجتماعية، بحيث يتحول الانعزال عن الهوية الوطنية إلى خطوة أولى نحو تكوين جيل مهيّأ للتماهي مع المشروع الإخواني على المدى البعيد.

 

المدارس هنا ليست سوى واجهة ناعمة لمشروع سياسي. فالتنشئة على قيم مغايرة لما تحمله الجمهورية من مساواة وحرية وحقوق إنسان تُفضي في النهاية إلى خلق مجتمع موازٍ. وهو ما يفسّر القلق الفرنسي من أنّ الأمر لا يتعلق بدينامية تعليمية عابرة، بل ببنية مؤسسية تعمل وفق أجندة طويلة الأمد.

 

الباحث غيوم روييه، مدير وحدة دراسات التطرف الإسلامي في مؤسسة "Fondapol"، رأى أنّ قرار برتران "يُعبّر عن وعي سياسي استثنائي في مواجهة ما يُعرف بالاختراق الناعم الذي تمارسه بعض الجمعيات التعليمية ذات الخلفية الإخوانية".

 

وفي حديث مع (العين الإخبارية) قال روييه: "المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل تمثل جزءاً من شبكة أوسع تربط بين التعليم الديني والمرجعية الإخوانية العابرة للحدود، التي تحاول التكيّف مع القوانين الفرنسية من دون الالتزام الحقيقي بروح الجمهورية".

 

التمويل والارتباطات الخارجية

واحدة من أكثر النقاط حساسيّة في هذا الملف تتعلق بالتمويل. فالكثير من هذه المدارس والجمعيات تحصل على دعم من جهات خارجية، بعضها يرتبط بشبكات إخوانية عابرة للحدود. هذا التمويل لا يقتصر على تغطية التكاليف التشغيلية، بل يُترجم في صورة مناهج وأنشطة ثقافية تكرّس رؤية الجماعة.

 

وتشير تقارير فرنسية إلى أنّ بعض تلك المؤسسات تسعى للحصول على اعتماد رسمي يتيح لها العمل ضمن المنظومة التعليمية الخاصة، وهو ما يمنحها شرعية قانونية ويُصعّب من عملية الرقابة. في المقابل تحاول الدولة فرض معايير صارمة على المناهج وطرق التدريس لضمان توافقها مع القيم الجمهورية.

 

لكنّ التحدّي يكمن في أنّ هذه المدارس غالباً ما تُقدّم نفسها كخدمات تعليمية بديلة لأسر تشعر بأنّ النظام التعليمي العام لا يُراعي خصوصيتها الثقافية والدينية. وهنا تلعب الجماعة على وتر "التمييز" المزعوم لتبرير إنشاء مؤسساتها، بما يمنحها غطاءً شعبياً في بعض الأحياء والمجتمعات المحلية.

 

جدل سياسي وقانوني

الجدل حول المدارس الإخوانية ليس جديداً، لكنّه تصاعد مع تزايد الحوادث الإرهابية في فرنسا خلال الأعوام الأخيرة، ومع النقاش حول "الانفصالية الإسلاموية" الذي تبنّته حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون. فالقانون الذي أقرّ عام 2021 لمواجهة الانفصالية تضمّن إجراءات مشددة على الجمعيات التعليمية والثقافية، ومنح السلطات صلاحيات أوسع لإغلاق المؤسسات التي تخرق مبادئ الجمهورية.

 

لكنّ هذه الإجراءات واجهت انتقادات من بعض الأصوات التي رأت فيها استهدافاً غير عادل للمسلمين. غير أنّ الحكومة شدّدت على أنّ الهدف ليس الدين بحدّ ذاته، بل مواجهة الإيديولوجيات التي توظّفه لإقامة مجتمعات موازية. وهنا يظهر البُعد السياسي للصراع: فالإخوان يحاولون استثمار خطاب "الحقوق الدينية" لتبرير وجودهم، بينما تضعهم الدولة في خانة التهديد للأمن القومي وللوحدة الاجتماعية.

 

آثار اجتماعية بعيدة المدى

الخطر الأكبر لهذه المدارس لا يظهر فوراً، بل يتجلّى على المدى البعيد. فالأجيال التي تنشأ في ظل مناهج تضع الانتماء الديني فوق الوطني قد تجد نفسها معزولة عن قيم الجمهورية، غير قادرة على التماهي مع المجتمع الأوسع. هذا الانفصال يخلق بدوره أرضية خصبة للتوترات الاجتماعية، وربما يتحوّل لاحقاً إلى بيئة حاضنة للتطرف.

 

التجربة الأوروبية تُظهر أنّ الإرهاب لا يولد فجأة، بل يتغذّى على شعور مستمر بالانعزال والهامشية، ومن هنا تأتي خطورة المشروع الإخواني في التعليم: فهو لا يزرع القنابل، لكنّه يزرع الانفصال الذهني والثقافي الذي قد ينتهي إلى العنف في مراحل لاحقة.

 

وعموماً خطر الإخوان على المدارس الفرنسية لا يقتصر على الشقّ التعليمي أو مستوى التحصيل، بل يتجاوز ذلك إلى معركة قيم وهوية. فالمؤسسات التعليمية المرتبطة بالجماعة تسعى إلى بناء أجيال ترى نفسها جزءاً من مشروع عالمي يتجاوز حدود الدولة الوطنية، وهو ما يُقوّض أسس المواطنة والاندماج.

 

التحدّي أمام فرنسا هو كيفيّة حماية حرية المعتقد ومراعاة التنوع الثقافي، وفي الوقت نفسه منع تحويل هذه الحرية إلى بوابة لمشاريع إيديولوجية تفكك المجتمع من الداخل. إنّها معركة طويلة المدى، لكنّ نتائجها ستحدّد مستقبل التعايش في الجمهورية الفرنسية.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية