ختام 2020 في تركيا: الحكم بسجن مناضلة كردية 22 عاماً

ختام 2020 في تركيا: الحكم بسجن مناضلة كردية 22 عاماً

مشاهدة

31/12/2020

ختمت تركيا عام 2020 باعتقال الرئيسة المشتركة لمنظومة المجتمع الديمقراطي "KCD"، و نائبة حزب "الشعوب الديمقراطي الكرديّ"، ليلى كوفن، وحكمت عليها بالسجن 22 عاماً وثلاثة أشهر، وذلك بتاريخ  22 كانون الأول (ديسمبر)  من العام الجاري، الذي شارف على الانتهاء.

هناك تاريخ من النضال النسوي الحقيقي عند الأكراد ضدّ السياسات التركية، وليس فقط ضدّ أردوغان، بل ضدّ كلّ السلطات التركية المتعاقبة

وتعدّ ليلى كوفن من أهم وأبرز الناشطات الكرديات اللواتي انتقدن سياسات أردوغان في الفترة الأخيرة؛ ففي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2018، أعلنت إضراباً مفتوحاً عن الطعام في سجن ديار بكر، وأعلنت حينها أنّ "الإضراب سيستمرّ إلى أن يتمّ رفع العزلة التي فرضتها السلطات على عبدالله أوجلان، زعيم العمال الكردستاني"، ورأت أنّ رجب طيب أردوغان "أعاد الأوضاع مع الأكراد إلى ما هو أسوأ من مرحلة النزاع المسلح"، ما دفع كثيرين من الأكراد، داخل وخارج تركيا، للخروج بمظاهرات تضامناً معها.

وبعد معانتها من أوضاع صحية صعبة، تمّ الإفراج عنها، وهي قيد المحاكمة، بعد 85 يوماً من الإضراب عن الطعام.

انتقادات لاحتلال تركيا مناطق كردية

وفي مطلع عام 2020؛ وجهت انتقاداتها نحو احتلال تركيا لمناطق كردية في سوريا، إذ قالت: "عندما اندلعت الحرب السورية، كانت مناطق شمال شرق سوريا من أكثر المناطق أمناً، قام أردوغان بزعزعة أمنها واستقرارها"، وسخرت من خطابات أردوغان في قوله إنّه "لا يريد تقسيم سوريا، وردّت على ادّعاءته بقولها: " لكنّه عملياً يحتلّ أراضي دولة أخرى ويفتح الأبواب أمام التقسيم، اليوم يحتلّ إدلب ويحمي المتشدّدين".

الصحفي السوري سركيس قصارجيان

وحول هذا الموضوع، قال الصحفيّ السوريّ، سركيس قصارجيان، لـ "حفريات": "موضوع اعتقال الناشطين السياسيين في تركيا، سواء كانوا من أصولٍ كرديّة أو غير كرديّة، من المناهضين لسياسات الحكومة الحالية "العدالة والتنمية"، أو المتعاطفين مع القضية الكردية، أو المطالبين بحقوق الإنسان، هو موضوع شائك وليس بالجديد. تركيا معروفة بهذه التجاوزات فيما يخصّ هذا الموضوع، إبّان حكم العسكر، وحتى أيام حكم الأحزاب العلمانية".

ما الجديد؟

وأضاف: "الجديد في الوقت الراهن، هو تغيير "العدالة والتنمية"، برئاسة أردوغان، للسياسة السابقة التي انتهجها الحزب في فترة من الفترات، والمتمثلة باستيعاب القضية الكردية تمهيداً لحلّها، من خلال عملية (أو مبادرة) سياسية أطلق عليها "مسار الحال أو مرحلة الحلّ"، وفي هذه المرحلة تمّ الصفح عن مطلوبين كثيرين من حزب العمال الكردستاني، لكنّ هذه الفترة لم تدم طويلاً، وعادت "العدالة والتنمية" اليوم إلى الاعتقالات والضغط والسجن والتهديد".

اقرأ أيضاً: 70 % من الأكراد الشباب في تركيا يواجهون التمييز

وتابع سركيس: "اسم ليلى كوفن تردّد وعُرف كثيراً؛ لأنها في النهاية عضو مجلس شعب، ولكن قبل ليلى كوفن، كان هناك أيضاً اعتقال لمجموعة من السياسيين والنشطاء الكرد، بينهم، مثلاً، سياسيون من حزب الشعوب الديمقراطي، ومن "HDP"، وسياسيون من "BDP"، ونشطاء من حركة "روسكا دن" التركية".

الناشط الحقوقي التركي عثمان كافالا

ويضيف سركيس: "هذه الاعتقالات بتنا نشهدها في الفترة الأخيرة بشكل مكثف أكثر، لأنّ هناك مخاوف جدّية تنتاب حزب "العدالة والتنمية" من حراك الناشطين السياسيين، وكما نعلم؛ الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دمرداش، ما يزال في السجن، وعثمان كافالا أيضاً".

كما يعتقد سركيس؛ أنّ أردوغان، اليوم، يخاف من هؤلاء السياسيين والنشطاء الذين هم من التيار السلمي المؤيد للقضية الكردية، أكثر من خوفه من جماعة حزب العمال الكردستاني والكفاح المسلح، بحسب تعبيره. 

ما هي مشكلة أردوغان؟

ويُرجع سركيس هذا إلى أنّ "أيّة حركة مسلحة، بطبيعة الحال، ستعطي لأردوغان المبرّر لقمعها بشتى الوسائل، وأكثرها وحشية، لكنّ مشكلة أردوغان اليوم هو في كيفية إسكات هذه الأصوات، خاصّة إذا أخذنا في عين الاعتبار الضغوط المتزايدة  من قبل الاتحاد الأوروبي في ملف حقوق الإنسان، ووصول جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة، والذي يُعرف، كديمقراطي أولاً، وكنائب سابق لباراك أوباما ثانياً، ومن خلال برنامجه الانتخابي والأشخاص الذين قام بتعيينهم، ويتوقّع  أن يكون بايدن أكثر تدقيقاً وضغطاً في مجال الحريات وحقوق الإنسان، وهو ملفّ تعاني منه تركيا كثيراً".

صورة صلاح دمرداش

وأردف قائلاً: "إذا قمنا بإجراء لمحة بانورامية فيما جرى عام 2020؛ سنرى أنّ هناك أكثر من 80% من رؤساء البلديات المنتخبين من حزب الشعوب الديمقراطي، زجّ البعض منهم في السجن، تمّ استبدالهم برؤساء بلديات تابعين لحزب العدالة والتنمية تحت البند الذي يسمى بالتركية "كايوم اتما"، والذي يمنح صلاحية لرئيس الجمهورية لاستبدال رئيس البلدية المنتخب بآخر معين، وبطبيعة الأحوال هذا الإجراء غير ديمقراطي".

الصحفي الكردي السوري سردار ملادرويش لـ "حفريات": قضية ليلى كوفن مرتبطة بقضية انعدام الحريات التي باتت تظهر في تركيا بشكل واضح

وكما ذكرنا في الحديث عن ليلى كوفن وصلاح الدين ديمرداش، هناك أيضاً النائبة في حزب الشعب الجمهوري، جنان كفتانجي أوغلو، التي تواجه عدّة قضايا ومحاكمات، ويتوقّع أن يتمّ الزجّ بها في السجن أيضاً، وسابقاً كان هناك اعتقال وسجن لسياسية تركية من أصل كردي ومتعاطفة مع القضية الكردية، اسمها ليلى زانا، والتي اعتقلت بتاريخ 29 تموز (يوليو) 2009.

الناشطة التركية من أصل كردي ليلى زانا

ويرى سركيس؛ أنّ كلّ ذلك يدلّ على ازدياد قلق "العدالة والتنمية" من الأيام القادمات؛ فقبل أيام تمّ إغلاق قناة "أولاي تي في" دون أن تكمل القناة شهرها الأول.

 ويعتقد سركيس أنّ هذه السياسة لا يمكن أن تستمرّ طويلاً، وستسبب مشكلات كبيرة في العلاقة التركية مع واشنطن والاتحاد الأوروبي، وقد يكون هذا الضغط المتزايد في الفترة الأخيرة محاولة للعب في الوقت الضائع من قبل أردوغان؛ لأنّه، وبالتزامن مع اقترابنا من شهر شباط (فبراير)، ستكون هذه الاعتقالات والإجراءات القمعية صعبة جداً، ولا يعني أنّ أردوغان سيتوقف، بل سيحاول أن يضغط دائماً في هذا الملف، لكنّ ردود الأفعال والانتقادات ستكون أكبر، وستؤدّي إلى خطورة فرض عقوبات، بالتالي، قد يضطر أردوغان، استناداً لسياسته البراغماتية إلى إطلاق سراح البعض، وإيقاف الملاحقات بحقّ آخرين، بحسب تعبيره.

انعدام الحريات

أما الصحفي الكردي السوري، سردار ملادرويش، فقال لـ "حفريات": "قضية ليلى كوفن مرتبطة بقضية انعدام الحريات التي باتت تظهر في تركيا بشكل واضح أكثر، مع بداية عام 2015، والتحولات التي حدثت في السياسة الداخلية والخارجية التركية، إلى جانب الصدمات التي حدثت داخل الدولة التركية، وانقسام "العدالة والتنمية"، وبروز سلطة أردوغان أكثر، وابتعاد رفاق دربه ممن كانوا حوله، مثل عبد الله غول وداوود أوغلو، وغيرهما من الأشخاص الذين تركوا الحزب، وكان آخرهم بولنت أرينج، الذي يُعدّ من مؤسّسي "العدالة والتنمية"، وقدّم استقالته مؤخراً".

الصحافي الكردي السوري سردار ملادرويش

وأضاف: "كما تمّ استغلال موضوع "الانقلاب" لضبط الحريات، وأخذت تركيا لمسارات أخرى أكثر، وتحالف أردوغان مع حزب الحركة القومية لضبط الواقع عبر القمع، ودائماً ما يقف بمواجهتهم "حزب الشعوب الديمقراطي"، والذين كانوا يعملون على دحض ادّعاءات الديمقراطية في تركيا، إضافة إلى "حزب الشعب الجمهوريّ"، الذي وقف أيضاً ضدّ "العدالة والتنمية"".

ويرى سردار؛ أنّ حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، ومن خلال التنوع الموجود فيه ودعمه لقضايا الديمقراطية، يعدّ أكثر مواجهة لسياسات أردوغان، في المقابل؛ نرى السلطة الحالية لديها دائماً مبررات للقضاء على كلّ الأكراد الموجودين من خلال تهمة الانتماء لـ "حزب العمال الكردستاني"، بحسب تعبيره.

اقرأ أيضاً: الأكراد في تركيا في قبضة فاشية دينية بحلة عثمانية

كما يرى سردار؛ أنّ تركيا تغوص بعمق الوحل أكثر فيما يخصّ القمع والاعتقالات، وتتجه أكثر إلى قمع الحريات، خاصّة عندما نرى الإحصائيات الموجودة، فيما يخصّ القمع والاعتقالات وإقصاء الرأي الآخر، وقضايا الحريات فيما يخصّ الإعلام والانفتاح على الحياة السياسية، كلّ ذلك يشير إلى أنّ السلطة الحالية تتجه إلى سياسة ديكتاتورية أكثر، بحسب قوله.

اقرأ أيضاً: هل ينقذ بايدن الأكرادَ من براثن "المستبد" أردوغان؟

مضيفاً؛ أنّه "في طبيعة الحال، جميع القادة الأكراد، أو حزب الشعوب الديمقراطية، وكلّ من ينتمي إلى هذه المؤسسة، بالأساس، يكون على علم بأنّ هناك احتمال أن يكون مصيره الاعتقال أو القتل أو النفي؛ لذلك يكون المنتمي لهذا الحزب مؤمناً جداً بأفكاره".

وهذه ليست المرة الأولى التي يحكم على قيادي أو قيادية كردية بالسجن الطويل، هناك كثيرون ممن اعتقلوا وسجنوا سابقاً، مثل خطيب دجلة وليلى زانا وأحمد ترك، هؤلاء بقيوا سنوات؛ لأنّهم طالبوا بحرّية شعبهم.

ليلى كوفن مع ابنتها

وفي رأي سردار؛ فإنّ هذه الممارسات القمعية التي تنتهجها تركيا لتكون عبرة لآخرين ليست مجدية، بل هي تخسر جانب الحريات وحقوق الإنسان، وهذا سيشكّل عبئاً كبيراً على تركيا مستقبلاً، لكن، للأسف، هي مستمرة في ممارستها للقمع والاعتقالات، في ظلّ وجود أردوغان وغطرسته، وبالإساءة للحريات والدولة التركية، بحسب تعبيره.

ويختم حديثه بالقول: "ليلى كوفن وراءها قافلة من النساء الكرديات اللواتي ناضلن من أجل القضية الكردية، وكوفن لم تكن الأولى، وليلى زانا لم تكن الأخيرة، هناك تاريخ من النضال النسوي الحقيقي عند الأكراد ضدّ السياسات التركية، وليس فقط ضدّ أردوغان، بل ضدّ كلّ السلطات التركية المتعاقبة التي حاربت الديمقراطية".

الصفحة الرئيسية