حين تصبح الشاشة وطنًا: التحول الرقمي العميق في خطاب الإخوان المسلمين

حين تصبح الشاشة وطنًا: التحول الرقمي العميق في خطاب الإخوان المسلمين

حين تصبح الشاشة وطنًا: التحول الرقمي العميق في خطاب الإخوان المسلمين


30/11/2025

يؤكد الفضاء الرقمي اليوم أنّه لم يعد مجرد منصة للتواصل أو تبادل الآراء، بل أصبح بالفعل "خط الحياة الأخير" لجماعة الإخوان المسلمين، ليس بمعنى الحفاظ على وجود تنظيمي بالصيغة القديمة، وإنّما بمعنى الحفاظ على وجودها الذهني والنفسي داخل وعي أعضائها. فبعد تفكك البنية الواقعية للجماعة وتشتت كوادرها وغياب قياداتها المركزية، وجد الأفراد الذين فقدوا الاتصال المباشر بقياداتهم، أو لم يعد بإمكانهم حضور الاجتماعات التنظيمية التقليدية، وجدوا أنفسهم يلجؤون إلى الغرف الرقمية بوصفها المساحة الوحيدة التي يمكن أن تعوّض هذا الفراغ. داخل تلك الغرف تتجدد اللغة المشتركة، وتُعاد صياغة الانتماءات، وتظهر روابط رمزية جديدة تقوم بدور الاجتماعات المغلقة نفسها، ولكن في شكل عابر للحدود وأكثر مرونة، وإن كان أقلّ قدرة على الضبط.

وهكذا، تحولت القنوات المشفرة إلى مساحة يومية للخطاب: مكان تُروى فيه القصص، وتُفسَّر فيه الأحداث، وتُقدَّم التوجيهات، وتُعاد صياغة مواقف الجماعة تجاه السياسة والمجتمع والدولة. ومع الوقت بدأت تتشكل داخل هذه البيئات "عقيدة رقمية" كاملة؛ عقيدة لا تعتمد على نصوص جديدة، بل على إعادة تدوير المحتوى القديم، وتكثيف الذاكرة الانتقائية، وتثبيت سردية مظلومية ممتدة عبر الزمن. في هذا العالم المغلق  تُعاد صياغة الماضي على أنّه حاضر دائم، وتُعاد صياغة الهزيمة باعتبارها مرحلة انتقالية نحو عودة مرتقبة، وتُعاد صياغة العجز التنظيمي باعتباره "ابتلاءً" أو "تمكينًا مؤجلاً".

العقيدة الرقمية تنتج واقعها الخاص

مع دخول الذكاء الاصطناعي بعد عام 2020، لم تعد هذه العقيدة الرقمية مجرد إعادة تدوير للماضي، بل بدأت تنتج واقعها الخاص. فلأوّل مرّة أصبح بإمكان المستخدم العادي إنتاج مواد بصرية ولغوية عالية الجودة دون خبرة مسبقة، وهو ما أدى إلى انفجار كمّي ونوعي في المحتوى. ارتفعت سرعة إنتاج الرسالة، وتضاعف عدد المشاركين في تشكيلها، وتراجع دور "التحرير المركزي" الذي كان يراقب اللغة ويضبط المفردات. وبذلك تحول الخطاب الإخواني من خطاب صادر عن قيادة مركزية إلى خطاب ينتجه جمهور واسع يشارك في صياغة السردية دون الحاجة إلى المرور عبر البنية التنظيمية التقليدية.

 

في الفضاء الرقمي للجماعة تُعاد صياغة الهزيمة باعتبارها مرحلة انتقالية نحو عودة مرتقبة.

 

هذا التحول لم يكن مجرد تغيير تقني، بل كان تغييرًا في "بنية الحقيقة" نفسها داخل المجتمعات المغلقة. فقد أصبحت القدرة على إنتاج الصور الاصطناعية، وتوليد الرسائل النصية، وصناعة مقاطع الفيديو، عاملًا يعيد تشكيل الوعي أكثر ممّا ينقل الحقيقة. ومع كل موجة من المحتوى الاصطناعي، تزداد صعوبة التمييز بين ما حدث فعلاً وما تم توليده رقميًا، ويتلاشى الخط الفاصل بين الرواية الواقعية والرواية المصنعة، ويصبح الخيال السياسي جزءًا من الهوية الجماعية. وفي ظل هذا الانفصال عن الواقع، تتضخم المشاعر، ويتعزز الشعور بالظلم، وتترسخ حالة "المظلومية الدائمة" كجزء من البنية العاطفية للجماعة.

اللّامركزية الرقمية تمنح الجماعة القدرة على الاستمرار

ومع انهيار التنظيم الواقعي بعد 2013، ظهر تدريجيًا ما يشبه "تنظيمًا رقميًا غير هرمي"، تتوزع فيه القوة الاتصالية بين المستخدمين. لم يعد المشرفون وحدهم هم صناع الخطاب، بل أصبح كلّ عضو قادرًا على أن يصبح منتجًا وموجهًا ومؤثرًا. وهذه اللّامركزية، رغم أنّها أربكت الانضباط، منحت الجماعة قدرة على الاستمرار الرمزي حتى من دون قيادة موحدة. فالذكاء الاصطناعي، من حيث لا تقصد الجماعة، ساعدها في الحفاظ على شكل افتراضي يمنع ذوبانها الكامل، ويمنحها مظهرًا من الحيوية الرقمية، حتى لو كان هذا المظهر لا يعكس تراجعها الواقعي.

 

لم تعد العقيدة الرقمية للجماعة مجرد إعادة تدوير للماضي، بل بدأت تنتج واقعها الخاص.

 

وأنتج الذكاء الاصطناعي طبقات جديدة من التفاعل النفسي داخل تلك البيئات. فالصورة المولدة ليست مجرد رسم، بل هي مشهد مُحمّل بالعاطفة. والعبارات المصقولة ليست مجرد كلمات، بل هي صيغ تعبئة جاهزة. والمقاطع الاصطناعية ليست مجرد فيديو، بل "وقائع" جديدة تُضمّ إلى الذاكرة الجمعية. وهكذا تحوّل المحتوى من أداة للشرح إلى أداة لإعادة تشكيل الانفعال؛ وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث داخل المجتمعات المغلقة، حيث تغيب المقارنة بالواقع، وتتعاظم القدرة على إنتاج "حقيقة بديلة" تُقام داخل الشاشة، لا خارجها.

الحقيقة الرقمية في مواجهة الحقيقة الواقعية

في هذا العالم الجديد لم يعد السؤال: "ماذا جرى؟" بل: "كيف صُوّر الحدث؟"؛ ولم يعد السؤال: "من قال؟" بل: "كيف يمكن إعادة قول ذلك بشكل مؤثر؟". وشيئًا فشيئًا تصبح الحقيقة داخل المجتمعات الرقمية هي ما يتم إنتاجه وتكراره وتداوله، لا ما جرى فعلاً على الأرض. وحين تتكرر الصورة آلاف المرات، تصبح أقوى من الحدث نفسه، بل أحيانًا بديلة عنه. وهذا ما يجعل دراسة التحول الرقمي لدى الإخوان ضرورة لفهم كيف تتغير الهويات في عصر الذكاء الاصطناعي؛ وكيف يصبح الإنتاج الرقمي هو من يصنع الوعي.

ومع مرور السنوات بعد 2013، بدأت تظهر ملامح "نظام إعلامي موازٍ" تتكئ عليه الجماعة حين تفقد القدرة على الوجود الميداني. هذا النظام لا يحتاج إلى مقرات ولا اجتماعات ولا تنظيم مركزي؛ بل يعتمد على انسياب الرسائل عبر شبكات صغيرة يصعب تتبعها. يعمل وفق منطق: الرسالة أوّلًا، ثم من يرسلها، ثم من يعيد تكرارها، ثم من يعيد تكييفها. وهكذا تنشأ دورة داخلية متواصلة تتنقل فيها الرسالة عبر القنوات المغلقة، وتُعاد صياغتها، وتُضخّ في المجال العام عبر حسابات مجهولة أو شبه مجهولة، لتبدو كأنّها موجة طبيعية في الرأي العام، بينما هي في الحقيقة نتيجة هندسة رقمية دقيقة.

محتوى الذكاء الاصطناعي وتراجع سلطة القائد

ويتزامن هذا كله مع انتقال الدعاية من نشاط تقوم به "مؤسسات" داخل الجماعة إلى نشاط تشاركي يصنعه الأفراد. ففي الماضي كانت الجماعة قادرة على ضبط لغتها وصياغة خطاب موحد. أمّا الآن، فإنّ الرسالة أصبحت كيانًا مستقلًا يتطور عبر الشبكات، خارج سلطة المركز. ولذا، حين ندرس الجماعة بعد 2013، نكتشف أنّ أكثر ما تراجع هو سلطة القيادة، بينما بقي "الأثر الخطابي" قائمًا، بل تضاعف أحيانًا بفعل وفرة المحتوى وقدرة الذكاء الاصطناعي على تقوية الرسالة بصريًا ولغويًا.

 

الذكاء الاصطناعي جعل الخطاب الإخواني الذي كان يُصاغ مركزيًا ينتج من آلاف النقاط المتفرقة.

 

ولم يكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المشهد حدثًا ثانويًا، بل أصبح نقطة انعطاف، فقد أعاد توزيع القوة الخطابية داخل الجماعة بصورة لم يعرفها تاريخها. فالخطاب الذي كان يُصاغ مركزيًا أصبح ينتج من آلاف النقاط المتفرقة، والمحتوى الذي كان يحتاج إلى جهد بشري أصبح يُصنع خلال ثوانٍ، والصور التي كانت تعكس الواقع أصبحت قادرة على خلق واقع بديل. ومع هذا التحول، لم يعد الجمهور داخل الجماعة مجرد مُتلقٍ، بل أصبح مشاركًا ومؤثرًا وحاضرًا في تشكيل السردية. وهذه المشاركة الواسعة، رغم عشوائيتها، أسهمت في بقاء الجماعة داخل الخيال الرقمي، حتى لو كانت غائبة تمامًا داخل الواقع السياسي.

بذلك يمكن القول إنّ الإخوان اليوم يعيشون داخل "كيان رقمي" أكثر ممّا يعيشون داخل تنظيم واقعي. كيان لا يحتاج إلى مقرات ولا قيادة مركزية ولا شبكات سرّية بالمعنى القديم؛ بل يحتاج إلى غُرف، وصور، ومقاطع، ومنشورات سريعة تُصنع بلا توقف. وإذا كان التنظيم الواقعي قد خسر معاركه على الأرض، فإنّ التنظيم الرقمي ما زال قادرًا على الصمود داخل الفضاء المغلق الذي تسمح فيه التكنولوجيا بإعادة تشكيل الذاكرة والهوية والانتماء.

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية