حماية الصغار من جماعات التطرف تبدأ بتعريفه

حماية الصغار من جماعات التطرف تبدأ بتعريفه

مشاهدة

22/03/2018

أمينة خيري

في الورشة التثقيفية التي عقدتها إحدى المدارس لمساعدة الأهل والمعلمين على وقاية أبنائهم وتلامذتهم شرور التطرف والانزلاق في بؤر التشدد، تحوّل النقاش وانقلب الحوار مواجهة لفظية وفكرية شرسة حول المقصود بالتطرّف. وبدلاً من أن يخرج المشاركات والمشاركون بلائحة توصيات تساعدهم على تربية الأبناء والبنات بعيداً من بؤر التطرّف والإرهاب، خرجوا بوريقات مهلهلة كتب كل منهم عليها ما ينبغي عليه عمله كي يبعد ابنه وابنته عن أبناء الفريق المضاد، حماية لهما إما من شرور التطرّف والتشدد أو وقاية لهما من مغبات الانفتاح من دون رادع والتسيّب من دون داعٍ.

دواعي حماية الأولاد والبنات من خطر الانضمام إلى الجماعات المتطرّفة دفعت إحدى المدارس الخاصة إلى تنظيم ورشة تدريبية دعت إليها عدداً من أهالي تلامذة المرحلة الإعدادية ليستمعوا إلى نصائح خبيرة تربوية حدّثتهم عن أفضل الوسائل وأضمنها لحماية أبنائهم من السقوط في هاوية التشدد، التي قد تؤدّي بهم إلى الانضمام إلى الجماعات المسلّحة التي تقتل باسم الدين.

وراعت إدارة المدرسة أن تكون الورشة موجهة إلى الجميع وبعيدة من التوجيه الديني. وشددت على أن التدريب تربوي مجتمعي بحت لا يتطرق إلى القواعد الدينية أو القيم العقائدية. وعلى رغم ذلك، تحوّلت الورشة إلى ساحة للتنابز والسجال بين فريقين: الأول يرى الثاني متطرّفاً، والثاني يعتبر الأول منفلتاً.

وقد انفلتت الأعصاب واحتقنت المشاعر حين تحدّثت المدرّبة التربوية عن ضرورة التركيز على القصص التاريخية والدينية التي تتناول قضايا مثل التسامح والتعددية وقبول الآخر واحترام الاختلاف. فقد أثار حديثها قرون استشعار جانب من الأهل والمعلّمين ممن اعتبروا هذه الملحوظة بمثابة دعوة إلى اجتزاء الدين واختيار ما نحب ونبذ ما لا نحب. وقد وصل الأمر إلى درجة أن أحد أولياء الأمور احتد في نقاشه، وقال: «لو هناك نص ديني صريح يدعوني أن أعادي أو أقاطع أو حتى أقاتل جاري لأنه سيتسبب في إلحاق الضرر بديني، فعلي أن أفعل ذلك وإلا أصبحت مقصرّاً متخاذلاً. ومسألة اختيار الآيات التي تدعو إلى التسامح والبحث عن مواضع التسامح واحترام الآخرين أشبه بتفصيل دين جديد يناسب مقاييسنا».

وتختلف مقاييس حماية الصغار ووقايتهم من شرور الانجراف إلى الأفكار المتشددة والتفسيرات المغلوطة من شخص إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، ومن تركيبة ثقافية ومجتمعية إلى أخرى. وعلى رغم أن المدرسة التي نظّمت الورشة مدرسة خاصة ذات نفقات عالية لا تناسب إلا الطبقات فوق المتوسطة، فإن التلامذة ينتمون إلى عائلات مختلفة اختلافات جذرية. فبين العائلات من عاش في بلد خليجي أكثر على 10 سنوات. ومنها من أمضى سنوات لدراسة الدكتوراه في بريطانيا أو الولايات المتحدة. ومن التلامذة من يعمل والده في شركة متعددة الجنسيات، ومنهم من يعمل في تجارة المواد الغذائية أو التدريس في الجامعة. وبينهم من تتبوأ والدته منصباً بالغ الأهمية في وزارة، وبينهم من لا تعمل والدته وتلزم البيت.

وعلى رغم هذا التنوّع، إلا أن شبح التشدد وأمارات التطرّف كانت واضحة بين الحضور ومنهم معلمون، ما يثير علامة استفهام حول كيفية التطرّق إلى مواجهة التطرّف وحماية الصغار من التشدد، إذا كانت الأسرة تميل إلى التطرّف والمعلّم يجنح إلى التشدد.

وقد شددت الخبيرة التربوية في توصية رفعتها إلى إدارة المدرسة على ضرورة متابعة التلامذة الذين ينتمون إلى أسر تميل إلى التشدد الديني، لأن جزءاً أصيلاً من الفكر المتطرّف يكون منبعه البيت. كما أوصت بإيجاد تعريف وطني للتشدد قبل مواجهته.

إلا أن واقع الحال يشير إلى أنه باستثناء المتابعات الأمنية، لا يوجد شكل أو نظام محدد للمدارس أو الجامعات لمتابعة تلامذتها وطلابها المعرّضين لخطر التشدد أو التطرّف، سواء لانتمائهم إلى أسر متشددة، أو لأنهم أكثر عرضة للفكر المتطرّف الذي يصادفونه على الإنترنت أو في المسجد الذي يترددون عليه، أو في دائرة الأصدقاء المقرّبة منهم.

يقول مدرّس الرياضيات للمرحلة الإعدادية سمير سامي (46 سنة) أن رصد أمارات ميل تلميذة أو تلميذ إلى فكر متشدد أو متطرّف عملية بالغة الصعوبة وتحتاج إلى معلّم يكون على درجة كبيرة من الوعي، إضافة لاعتباره مهنته إنسانية وتربوية قبل أن تكون وسيلة لكسب الرزق. «لكن حتى لو لاحظ المعلم وتأكّد أن أحد تلامذته يتحوّل إلى التطرف، فإنه لا يستطيع عمل الكثير. فلا الاختصاصي الاجتماعي في المدرسة مؤهل للتعامل مع مثل هذه الحالات، ولا الأهل يكونون مستعدين للتعاون مع المدرّس لأن كثراً منهم إما ينكرون ذلك أو يعتبرون «تطرف» الابن التزاماً».

من جهة أخرى، فإن الغالبية العظمى من الفعاليات الرسمية التي تنظّم في شأن حماية الأبناء من خطر الإرهاب والتطرّف لا تسمن ولا تغني من جوع معرفي أو وقائي أو إجرائي. وعلى سبيل المثال، عقدت وزارة التعليم العالي قبل أسابيع ندوة تحت عنوان «استراتيجية مكافحة التطرّف في مصر»، بغية بحث الخطوات التي ينبغي اتباعها لحماية طلاب الجامعات، إلا أن الندوة صالت وجالت في دوائر نظريات العدالة الاجتماعية والاندماج في المجتمع والتنمية المستدامة. وقال وزير التعليم العالي الدكتور خالد عبد الغفار أن الوزارة مسؤولة عن طلاب الجامعات وتحاول الوصول إلى مفهوم الإرهاب الحقيقي! وشدد على أهمية وجود خطة تنفيذية تطبيقية لمواجهة الإرهاب، وأن المرحلة المقبلة ستشهد كيفية ذلك والتحصّن من هذا الخطر. وأشار متحدثون إلى تمويلات ضخمة تُقدّم إلى الجماعات الإرهابية من أجل مساعدتها على نشر الفكر المتطرّف. وانتهت الندوة من دون معرفة الاستراتيجية المطلوبة.

على الجانب الآخر من الكوكب، فإن دولة مثل بريطانيا، منذ أن لاحظت زيادة أعداد المراهقين والشباب الذين يجندون للانضمام إلى الجماعات المتطرّفة واعتناق الفكر المتشدد، وضعت قواعد استرشادية للمدارس واستراتيجيا وقائية وأخرى تطويقية لنشر هذا الفكر بين الصغار. فمثلاً هناك استـــراتيجيا واضحة وضعتها وزارة الداخلية البريطانية لوزارة التعليم لمساعدة العاملين فيها والأهل على التعرّف إلى علامات التـــشدد لدى التلامذة، ومن ثم مواجهتها.

وهناك منشور عنوانه «كيف تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي لتشجيع الصغار على السفر إلى العراق وسورية: ورقة توضيحية للمدارس»، تستعرض أبرز ادعاءات تنظيم «داعش» المستخدمة لتجنيد الصغار، وأهم المواقع والمفردات التي يستخدمها لهذه الغاية، فضلاً عن خطوات سريعة وعملية وبسيطة وقابلة للتنفيذ تنصح الأهل والمعلّمين باعتمادها حال الشك في وقوع التلميذة أو التلميذ في شرك محاولات التجنيد الفكري أو الفعلي.

فكرياً يشعر الأهل بالقلق من أن ينجرف الأبناء وراء جماعات مثل «داعش»، لكن فعلياً يقف أهل ومعلمون على أولى خطوات الفكر المتطرّف معتبرين إياه التزاماً وليس تشدداً. وسواء كان ذلك التزاماً مــتشدداً أو تشدداً ملتزماً، فإنه في ظل غياب استراتيجيا وطنية لمواجهة وقوع الصغار ضحية للتطرّف ناهيك عن غياب تعريف للتطرف عينه، فإنه يتوقع مزيد من الحلقات المفرّغة بحثاً عن مهرب من تطرّف غير معرّف.

عن "الحياة"



الصفحة الرئيسية